خاص لـ هات بوست:
لله حكمته في تصريف الأمور، وفي ابتلاء العباد، وفي معاملة الظالمين بما يستحقون، ومع أننا غالبًا ما نكون توّاقين لرؤية الجزاء السريع حتى نتحرر من وطأة الظلم وألمه، فإنه ليس بالضرورة أن يُقتَصَّ لنا مباشرةً حتى نشعر بهدوء النفس، ولا أن نُنصَفَ على النحو الذي نريده حتى نشعر أننا استرجعنا حقوقنا، بل ليس حتمًا أن تُرَد كافة المظالم في الدنيا، إذ ربما يكفينا أن نرى عاقبة عمل أحدهم وهي تتسلّط عليه.
ذلك أن الظلمَ، في تقديري، ليس فعلًا يمر بلا أثرٍ في حياة صاحبه، بل تمتدُّ جذوره التي يغذّيها الظالم بنفسه حتى يكون حصادها مرارةً وشقاءً. لذا أحسب أن مِن أشدِّ صور الجزاء ما ينبت في حياة الظالم كعاقبةٍ طبيعيةٍ لسلوكه وتعدّيه، فتصبح أفعاله نفسها هي أصل عقوبته.
أنزعج من نفسي عندما أستشعر شبح ابتسامة الرضا على شفتيّ في مثل هذه الأحوال، وينازعني في ذلك حقي كمظلومةٍ تأنس بالأخذ على يد الظالم وكفّ شره، حتى إن لم يكن ذلك إنصافًا لها في مظلمتها على وجه الخصوص.
يرضيني أن يذوق الظالم مرارة ظلمه، حتى إن لم تكن العاقبة متصلةً بما ارتكبه في حقي من ظلمٍ وأذى، وليس ذلك شماتةً بالمعنى الأخلاقي المذموم، ولا استمتاعًا بما أصابه من أذى أو ألم، بل شعورٌ أقربُ إلى الطمأنينة والسكينة، ويزداد معه يقيني بمن يمهل ولا يهمل.
إن الظلم يُحدِث شرخًا غائرًا في نفس الإنسان، وربما ينال من نظرته إلى العدالة كقيمةٍ إلهيةٍ وإنسانية، وقد تسهم رؤية عاقبة الظالم وهي تحيط به في ترميم هذا الشرخ، لا فرحًا بنكبته، بل ارتياحًا لرؤية الميزان وهو يستعيد اعتداله.
وحين تتأمل النفس هذا المعنى، فإنها تتخفف تدريجيًا من ثقل الانتظار والترقّب، وتدرك أن الاطمئنان الحقيقي لا يكمن في صورة الجزاء أو توقيته، بل في اليقين بأن الحق باقٍ، وأن عواقب الأمور بيد من لا يَظلم مثقال ذرة.
ولكن يبقى هناك أفقٌ أوسع وأكثر صفاءً، وهو أن تتجاوز النفس مرحلة ترقّب العاقبة أو حتى انتظارها، فيخفت صدى الظالم في الوعي، وتضيق المساحة التي يحتلّها في الشعور.
فكمال الطمأنينة ليس رهنًا بالضرورة برؤية مصير الظالم، وإنما باستعادة المظلوم سلامه الداخلي، ومضيّه في حياته دون أن يظلّ أسيرًا لما وقع عليه من ظلم. وحينها يدرك أن الحياة أرحب من أن تُختزل في معركةٍ مع ظالم، وأن أعظم انتصارٍ قد يحققه المرء لنفسه هو ألّا يظل ذلك الظالم حاضرًا في شعوره أو مهيمنًا عليه.
وآخِرُ القول:
“الظلمُ مرتعُه وخيمٌ”.. فاطمئن.
