التطرّف لا يحمل السلاح دائمًا

آراء

خاص لـ هات بوست: 

     مخيفةٌ تلك الأصوات التي ضجّت بها منصات التواصل الاجتماعي، وطريقة تفاعلها مع الجريمة الإرهابية النكراء التي استهدف مرتكبوها مرتادي كنيسة حمود بمحافظة الكرك الأردنية، واعتدوا على الأبرياء، وفجعوا ذويهم بمقتلهم أو إصابتهم!

     أصواتٌ سارعت إلى نفث سموم الفتنة والكراهية، وترويج خطابات متعصّبةٍ مقيتة، بدلًا من الوقوف صفًّا واحدًا في وجه الإرهاب ونبذ التطرّف بشتى أشكاله.

     في دولٍ وطنيةٍ معاصرة، تقوم على قيم الاندماج والتعايش، وعلى أساس المواطَنة باعتبارها رابطةَ انتماءٍ تكفل المساواة في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن الاختلاف في المعتقَد، يغدو الحديث بنبرة الاستعلاء الديني مذمومًا، وتداول ألفاظٍ تمييزية ضد مكوّنٍ من مكوّنات المجتمع مستهجنًا. لذا، فإن توظيف الاختلاف العَقَدي في الحطّ من مكانة فئةٍ من المواطنين، واستخدام ألفاظٍ مثل “مستأمَن” و”معاهَد” و’ذمّي” لوصفهم، وصولًا إلى جدالٍ في غاية الغلظة اعتراضًا على الترحّم على الضحايا، كل ذلك يبدو نشازًا يشوّه سلام المجتمع ويجرح مشاعر أفراده.

     فهذه المفاهيم التاريخية نشأت في سياقاتٍ سياسيةٍ وفقهيةٍ ارتبطت بعصورها، أما استدعاؤها اليوم لوصف مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، فيوحي بأن بعض أبناء الوطن ضيوفٌ فيه، أو أن انتماءهم إليه مشروطٌ بمنحةٍ من غيرهم، وهو أمرٌ ترفضه كرامة الإنسان ومفهوم الانتماء الوطني الكامل.

     أما توظيف أحكام التكفير أو الاختلاف العقدي في الانتقاص من مكوّناتٍ أصيلةٍ داخل المجتمع، فلا تقف آثاره عند حدود الجدل العَقَدي أو الفكري، بل قد يتحول إلى سلاحٍ هدّامٍ للسلم المجتمعي. إن مثل هذه الخطابات تفرز شعورًا بالتهديد والخوف لدى المكوّنات المجتمعية المختلفة، وتشكّك في شراكتها الحقيقية في الوطن، مما يغذّي مشاعر الاغتراب ويضعف الانتماء.

     وأما الجدال الفجّ حول مسألة الترحّم، فهو، في رأيي، من أوضح مظاهر قسوة القلب، ففي خضمّ حدثٍ مؤلمٍ لم تبرأ قلوب ذوي الضحايا من وجعه بعد، لا ينسجم طرحٌ كهذا، أيًّا كانت القناعة الدينية التي يستند إليها صاحبه، مع رحمة التديّن ولا مع مقتضيات المروءة. وليس مطلوبًا من أحدٍ أن يتخلى عن اعتقاده، ولكن يسعه أن يلتزم الصمت احترامًا لمصاب الآخرين ومشاعرهم.

     ولم تقتصر هذه الإشكالات على الأردن، فمن خلال منصات التواصل الاجتماعي رأينا صداها يمتد إلى دولٍ ومجتمعاتٍ أخرى، وأبى بعضهم إلا أن يدلوا بدلوهم، فسارعوا إلى توظيف الآيات والروايات بما يخدم طرحهم، ظنًّا منهم أنهم ينصرون الدين، وهكذا اتسع خطاب الاستعلاء والتكفير!

     إن هذا الحدث، بما أثاره من تداعياتٍ وردود فعل، يعيدني إلى التأكيد على أهمية تجديد الفكر الإسلامي، ومراجعة الآراء الفقهية والفتاوى والتأويلات التي تغذّي النزعة الاستعلائية والتمييزية، أو تُستدعى لتبريرها، وهي مسؤوليةٌ تقع بالدرجة الأولى على عاتق المؤسسات الدينية الرسمية، بما تملكه من اختصاصٍ علميٍّ ومؤسسيٍّ يؤهّلها لإعادة النظر في الاجتهادات الموروثة، وتصحيح المفاهيم، وترسيخ خطابٍ دينيٍّ ينسجم مع مقتضيات المواطنة والتعايش، ويصون كرامة الإنسان، حتى لا يغدو إيذاء الآخرين في دينهم ومعتقداتهم ومشاعرهم وأحزانهم، في نظر البعض، صورةً من صور نصرة الدين!

     إن سرعة القبض على مرتكبي الهجوم الإرهابي، على أهميتها، لا تعني أن التحدي قد انتهى، فمواجهة الإرهاب لا تكتمل بالإجراءات الأمنية وحدها، بل تستلزم أيضًا معالجة البيئات الفكرية التي تتغذّى منها نزعات التطرّف والكراهية والإقصاء.

     وما كشفت عنه ردود الفعل على هذه الجريمة يؤكد أن المعركة مع التطرّف لا تقتصر على التصدي لمن يحمل السلاح، بل تمتد إلى الأفكار والخطابات التي تُضعف مناعة المجتمع في مواجهته.

وآخِر القول:

رحم الله شهداء كنيسة الكرك، ورحم الله كل ضحايا الفكر المتطرّف.