غزة.. وإصلاح الضمير العالمي

آراء

بعد أيام يكتمل الشهر الرابع على معاناة أهالي قطاع غزة المنكوبة، وما زال العالم غير قادر على فعل شيء لإيقاف هذه الكارثة، بل إن الوضع يتحول يومياً من السيئ إلى الأسوأ، والأغرب أنه وصل الأمر بالسلطات الإسرائيلية إلى المطالبة بإنهاء وإلغاء مهمة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» (تم تأسيسها عام 1949) رغم الوضع الكارثي والظروف غير الإنسانية، والوضع الصحي والمعيشي المأساوي لأكثر من 2 مليون إنسان يعيشون في قطاع غزة، يعانون من انعدام الأمن الغذائي، كأنها تريد بهذه المطالبة معاقبة أهل غزة، بل التعجيل بهلاكهم وإبادتهم.

بعد الإعلان عن الرواية الإسرائيلية القائلة إنه يوجد 12 شخصاً من موظفي «الأونروا» (تم فصل 9، والتحقيق مستمر بشأن 2، وواحد متوفى) البالغ عددهم 13 ألف موظف قد شاركوا في العمليات، التي قامت بها حركة حماس في السابع من أكتوبر الماضي، سارعت عدد من الدول الممولة للأونروا بالإعلان عن إيقاف تمويلها، مع علمهم بخطورة هذا القرار على الإنسان الغزاوي، وقد وصف الأمين عام للأمم المتحدة «الأونروا» بأنها «العمود الفقري لجميع الجهود الإنسانية في غزة»، وشدد على أهمية ضمان استمرارية عملها.

لو افترضنا صحة الرواية الإسرائيلية سنطرح عدداً من التساؤلات ليس لإثبات صحة الفرضية أو خطئها، كما نفعل في الدراسات والبحوث الأكاديمية، بل لنعرف ونكتشف صحة الضمير الإنساني العالمي خاصة الضمير الغربي.

التساؤلات كثيرة منها: هل من المنطق والعدل والإنسانية معاقبة أكثر من 2 مليون إنسان في غزة المحاصرة؟ كيف يرضى من يطلق على نفسه «العالم المتحضر» بوضع كارثي كهذا؟ بل يسهم هو في زيادة تأزيمه، من خلال وقف التمويل، مما يهدد بوقف نشاط وعمليات «الأونروا» مع نهاية الشهر الحالي، أين هي الشعارات الإنسانية الرنانة؟

أم هي مجرد مصطلحات جميلة للاستخدام والاستهلاك الإعلامي، وأحياناً للتدخل في شؤون الدول والضغط عليها، لتحقيق مصالح خاصة أو لكسب أصوات الناخبين في فترة الانتخابات. أنا من المؤمنين بأن الأزمات تظهر دائماً الموقف الحقيقي للدول والحكومات، وتكشف مدى صدق التصريحات، ويبان لنا من خلالها حقيقة الأمر، كما أنها تظهر الصورة الحقيقة للمخلصين للمبادئ والقيم المعلنة كالدفاع عن حقوق الإنسان.

إن صدقت الرواية الإسرائيلية بأن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» مخترقة من قبل أفراد أو جماعات، هنا نتوقف ونعيد حساباتنا وتقييمنا، ومراجعة ثقتنا بجميع الوكالات واللجان والبعثات الأممية، فربما جميعها مخترقة من قبل أفراد أو جماعات لديها أجندة وأيديولوجية خاصة تتعارض مع أهداف المنظمة الدولية، أي أننا نعود لما يطرح دائماً من قبل المطالبين بإصلاح منظمة الأمم المتحدة.

في بداية الأحداث في غزة دعا أنطونيو غوتيريش، أمين عام الأمم المتحدة إلى وقف إطلاق النار، وذلك لأسباب إنسانية، كما أنه استشهد في ديسمبر الماضي وللمرة الأولى بالمادة رقم 99 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تتيح لأمين عام الأمم المتحدة لفت انتباه مجلس الأمن إلى أي مسألة يرى أنها تشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين.

قيام أمين عام الأمم المتحدة بلفت انتباه مجلس الأمن إلى مسألة تهدد السلم والأمن الدوليين بالنسبة لي يعد مؤشراً على وجود خلل واضح وخطير في مجلس الأمن، حيث يجب أن تعلم الدول الأعضاء في المجلس، خاصة الدول دائمة العضوية «دول الفيتو» أن دورها لا بد أن يتوافق مع أهداف المجلس، وهو الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين.

وقد كانت دولة الإمارات نموذجاً مثالياً للدور الفاعل والمؤثر للعضو في مجلس الأمن، حيث حرصت خلال سنتين من عضويتها (2022 – 2023) على العمل لتعزيز السلم والأمن الدوليين، إضافة إلى تعزيز قيم التسامح والتعايش، ومن خلال إيمانها بدورها الإنساني نجحت خلال فترة عضويتها في المجلس بإصدار قرارات من أهمها قرار رقم 2720 في ديسمبر 2023، الذي ينص على توسيع تدفق المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.

الوضع في غزة يكشف لنا ضعف الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، لذا لا بد من المراجعة والإصلاح بما يفيد البشرية والدول كافة، وعلى إسرائيل التوقف والسماح بوصول المساعدات، وعدم تعطيل وصولها، ويكفي «حماس» المتاجرة والتضحية بالدم الفلسطيني.

المصدر: البيان