الأحد ٢٠ نوفمبر ٢٠١٦
مع بدايات طفرة السبعينات المالية في القرن الماضي تغيرت ثقافة المجتمع وتغير معها واقعه. الحديث عن ذلك التغيير يحتاج إلى وقفات طويلة وشروحات أطول لفرز إيجابيات وسلبيات ذلك التغيير. لكن ربما العامل الذي غيّر وجه المجتمع بالكامل هو: تجفيف كل الطرق المؤدية إلى المستقبل وجعل الطريق الوحيد له هو «الشهادة الجامعية». في تلك الفترة كان هذا التوجه يهدف إلى تشجيع المجتمع على الدراسة الجامعية، لكنه لم يكن متوازنا بدرجة كافية للإبقاء على الطرق الأخرى -كالأعمال المهنية- مفتوحة ليسلكها من لا يرغب في تعليم جامعي. وانتشرت ثقافة تَلازم الشهادة الجامعية والمستقبل في خط واحد.. وحيد.. لم يلتفت لأطياف التعليم الأخرى وطرق المستقبل المتعددة. وحدث أن شُغلت الخطوط الأخرى بأيد مهنية غير سعودية وسيطرت بالكامل عليها. واحدة من الحلول في ذلك الوقت كان يفترض أن تكون «ثقافة الجامعة المفتوحة»؛ أي التعليم الحر ليس من أجل الشهادة في حد ذاتها -كمفتاح للمستقبل- ولكن بهدف «دعم تنمية جوانب الشخصية الإنسانية وزيادة القدرة على التصرف…
الأحد ٢٠ نوفمبر ٢٠١٦
يؤكد كثير من الباحثين والمنشغلين بالعلوم الفلسفية أن الطريق الأمثل والأنجع للقضاء على فكر الإرهاب والتطرف يتمثل في إحياء الفلسفة، وإعادة اعتبارها، وتجديد مكانتها في التعليم الأولي بالمدارس، فـ«الفلسفة كتعبير عقلي منطقي قادرة على مواجهة كل أشكال العنف والتطرف لكونها حبلى بالقيم الإنسانية التي تهدف إلى تحقيق نوع من التناغم بين البشر»، وهي كما يقول آخر «أداة مهمة في علاج سعار الإرهاب الذي ابتليت به المنطقة العربية. ولا يتحقق إنقاذ الأجيال القادمة من التأويل المنحاز للتراث إلّا عبر إعادة تأهيل الفلسفة في النظام التعليمي العربي». مثل هذه المقولات وغيرها الكثير، تروم التوصل إلى حل شاف يسبر أغوار التخلف والارتكاس في التطرف الذي يقبع فيه العالم العربي منذ قرون. وفي هذا الصدد تأتي تجربة التنوير الغربي كملهم ومؤثر يتعلق به كثير من المثقفين والاصلاحيين من أجل إعادة استنساخه وبعثه في الواقع العربي، ومن ثم تكون (الفلسفة) في المقام الأول للنظر والاهتمام باعتبارها المحرك الأبرز لتنوير العقل الغربي الذي تحرر بفضلها من…
الأحد ٢٠ نوفمبر ٢٠١٦
إذا كان أوائل العلماء المسلمين قد أبدعوا في بناء الحضارة العربية والإسلامية في عصور مضت، ساهمت في تطوير البشرية والحضارة في أوروبا، فذلك لأن علماء الغرب عرفوا جيدا كيف يستغلون تلك العلوم، ويستثمرونها من أجل إكمال مشروعهم العلمي والبحثي، فبدؤوا من حيث انتهى العلماء العرب. ثم إن شغف الإبداع والابتكار ليس حكرا على عصر أو جيل محدد، وإذا كان من باب الاعتراف بالفضل، أن نذكر العلماء القدامى، ونخلّد إنجازاتهم العظيمة لعصور قادمة. فإنجازات علمائنا الجدد تستحق أيضا الإشادة والتوثيق، لأنها أعادت مجد الحضارة العربية والإسلامية، ودورها الفعّال في تحسين حياة الإنسان على هذا الكوكب. فمن إنجازات علمائنا السعوديين في هذا العصر، على سبيل المثال وليس الحصر، اكتشاف المبتعثة "نهى الريس"، لطفرة جينية جديدة، تسبب بحدوث ضمور عضلي، وضعف في الأطراف ينتهي بشلل كامل، حيث اُعتبر اكتشافها نقلة مهمة في علم الأمراض الوراثية. كما حقق "ساير الفريدي" إنجازا آخر، حين اكتشف اختبارا تنبؤيا، يعمل على تحديد مستوى الاستجابة لدى مرضى سرطان…
الأحد ٢٠ نوفمبر ٢٠١٦
دراسة التاريخ عبر مراحل التعليم العام للناشئة، لها الأثر الكبير في صياغة عقولهم وتشكيل وجدانهم وتوجيه سلوكهم وتنمية وعيهم بتاريخ أمتهم واستخلاص الدروس والعبر منها، وبالتالي تصورهم للحاضر والمستقبل، كما أن لها الإسهام الأكبر في تشكيل نظرة شبابنا إلى الشعوب الأخرى، وفي ترسيخ التسامح وقبول الآخر في البنية المجتمعية، ودراسة التاريخ من جهة أخرى، له دور بارز في تقوية الانتماء الوطني للطلاب تجاه مجتمعهم ودولتهم ونظامها السياسي، ومن هنا كانت أهمية بناء مناهج تاريخية تقوم على رؤى متوازنة وموضوعية للأحداث والشخصيات التاريخية، بإبراز الجوانب الإيجابية والسلبية معًا للأعمال والإنجازات، بهدف تكوين عقلية نقدية لدى الطالب وإكسابه مهارة الفكر النقدي الحر منذ المرحلة الإعدادية المبكرة، هذه المهارة النقدية هي التحصين المعرفي ضد أمراض التطرف والغلو والكراهية والاستعلاء والغرور الكاذب. التساؤل المطروح هنا: هل ندرس تاريخنا الإسلامي لناشئتنا وفق المنظور الموضوعي النقدي؟ في تصوري، وأرجو أن أكون مخطئًا، فإن معظم المناهج الدراسية للتاريخ الإسلامي، في تعليمنا العربي، تدرس للناشئة طبقًا لمنهجين: الأول:…
السبت ١٩ نوفمبر ٢٠١٦
قال ديكارت: «نحن موجودون لأننا نفكر»، ومعضلة الأفكار أنها تجلب الحزن والقلق معاً.. عندما نستعيد الماضي فإننا نلون التاريخ بالسواد.. وعندما نفكر بالمستقبل فنحن ندخل في دائرة المجهول.. فالأفكار ما هي إلا رواسب ماضية، وخرائب قادمة، ومن يعش في الدائرتين فإنه يسحق ذاته، ويبدو مثل كائن محشور في شراك الحبس الانفرادي، فالأفكار طاردة للسعادة، مبيدة للفرح، قاتلة للوعي. وما يحتاجه الإنسان هو العيش في اللحظة، فهي الزمن الحقيقي وما عدا ذلك من أزمنته، ما هو إلا سراب في صحراء قاحلة. مع الماضي نعيش عقدة الذنب، يتبعها جلد الذات، ومع المستقبل نغوص في أعماق محيط لا قرار له. اللحظة وحدها التي تنعش الذات، وتعيد التوازن إلى الشخصية، وتمحو خربشات الأزمنة على صفحات الشخصية. فخذ وقتك في اللحظة، ولا تدعها تفلت منك، لتصبح ماضياً تأسف عليه، انتهز فرصة العيش في المنطقة التي تعيش فيها، ستجد نفسك، جزءاً من الكون الفسيح، فاتحد فيه، كن غصناً في شجرة، وجناحاً لطير، وعشبة على تربة خصبة،…
الجمعة ١٨ نوفمبر ٢٠١٦
لم تعرف البشرية تسامحاً كريماً عظيماً كما عرفته في الإسلام؛ لأنه دين الله الخالص الحنيف القيم، الذي ارتضاه لنفسه فبه يُعبد، وخلقه به يتعاملون، لذلك أقام هذا الدين على أسس التسامح العقدي والعبادي والتعاملي، وجعله أحد معايير الأخلاق العظيمة، وقد عبّر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله: «إني بعثت بالحنيفيِّة السمحة، ولم أبعث بالرهبانية البدعة، فكلوا اللحم، وائتوا النساء، وصوموا وأفطروا وقوموا وناموا؛ فإني بذلك أُمرت»، والسمحة هي السهلة في الأخذ والتعامل، وهي ضد الغلو في العقائد أو العبادات، وضد التشاح في المعاملات، حتى يكون المسلم يفيض رحمة وحناناً وإحساناً على نفسه وغيره، ومعنى كونه بعث بذلك أن من لم ينهج منهجه فإنه يكون في طرف الغلو المنهي عنه. وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فقال: «السماحة والصبر»، فقيل: فأي المؤمنين أفضل إيمانا؟ قال: «أحسنهم خلقاً»، فقيل: فأي المسلمين أفضلهم إسلاماً؟ قال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده». ومن هذا الأساس كانت شريعتنا وسطية فلا إفراط…
الخميس ١٧ نوفمبر ٢٠١٦
كانت داعش قبل سنة أو أكثر تعتبر (إخواننا المجاهدين) ثم أصبحوا بعد أن طال مشروعها الشكوك (إخواننا بغوا علينا) واليوم بعد أن تأكد المصير المحتوم أصبح داعش مؤامرة صهيونية. هل نطلق على هؤلاء أذكياء؟ قد يبدو السؤال سهلا ولكنه على الأقل بالنسبة لي من أصعب الأسئلة التي فتحتها على نفسي. ما الذي كانت تملكه داعش لكي تجد من يضع املا في انتصارها؟ لا شيء. أسلوب داعش أهدافه توقيته إمكانياته. أسلوبه يقوم على معاداة الجميع. أهدافه قيام امبراطورية لا حدود لها. توقيته القرن الواحد والعشرين. إمكانياتها جيوب ورشاشات حتى مهربي المخدرات أكثر تسليحا منه.. كيف يأتي مدرس في جامعة يحمل شهادة دكتوراه يراهن على أن هذا الكيان سوف يصنع له خلافة إسلامية؟ أعد مراجعة أشرطة ومحاضرات وخطب السنتين الماضيتين لتعرف الحجم الهائل الذي راهن على مشروع داعش وبشر به. أضعنا وقتا كثيرا في الحديث عن محنة صغار السن الذين انضموا إلى داعش.. كيف نعاقبهم؟ كيف نصلحهم... الخ؟ وأضعنا أيضا وقتا كبيرا…
الخميس ١٧ نوفمبر ٢٠١٦
إضافة جديدة ضمتها دبي إلى مشروعاتها التنموية المتميزة، هذه الإضافة ليست مشروعاً سياحياً ولا برجاً عالياً جديداً، بل هي «مستشفى» لا يقل في أهميته عن أي مشروع آخر، بل يتفوق على بقية المشروعات، كونه يهتم بثروة مستقبلية هائلة، هذه الثروة هي «صحة الأطفال». «مستشفى الجليلة التخصصي للأطفال» في دبي - الذي يعمل تحت مظلة «مؤسسة الجليلة»، ويضم 200 سرير، ليكون بذلك الأول من نوعه على مستوى المنطقة من ناحية الطاقة الاستيعابية - يأتي تأكيداً لحرص دبي على تقديم أعلى مستويات الرعاية الصحية للأطفال، ودعماً لتوجهاتها أن تصبح الوجهة الأولى للسياحة العلاجية على مستوى منطقة الشرق الأوسط، مع استهداف الوصول بالصرح الطبي الجديد إلى مصاف أكبر 10 مستشفيات تخصصية للأطفال على مستوى العالم خلال السنوات المقبلة. ما يميز هذا المستشفى أنه جاء مختلفاً عن بقية مستشفيات دبي، من حيث الاستقلالية المالية والإدارية، وهذه بالتأكيد ميزة كبيرة ستؤدي حتماً إلى استقلالية القرارات وسرعة اتخاذها، والبُعد عن البيروقراطية وتقييد الميزانية، خصوصاً أننا نتحدث…
الأربعاء ١٦ نوفمبر ٢٠١٦
نعيش هذه الأيام في أوقات عصيبة فرضتها مجموعة من التحديات غير المسبوقة، حيث عادت سياسة الخوف وأجواؤه لتلقي بظلالها على الساحة العالمية. وقد وفرت الظروف الحالية الفرصة الثمينة للمتطرفين وذوي النزعات الشعوبية والطائفية من كافة الألوان والأطياف لشنِّ حربهم البغيضة التي تكرس الطائفية وتزرع بذور الحقد والكراهية والتعصب. ونتيجة لذلك، ازدادت الانقسامات بين المجتمعات في كافة أرجاء العالم بشكل مضطرد، حيت طفت على السطح ثانية الانشقاقات والتصدعات الاجتماعية بصورة لافتة للنظر. ويبدو هذا جليا في منطقتنا أكثر من غيرها من المناطق حول العالم، مما يستدعي من المجتمع الدولي العمل على وجه السرعة على تعزيز روح التسامح والوحدة لوضع حدّ لموجة الخوف والحقد والكراهية التي تسود المنطقة. وأصبح لزاما علينا جميعا أن نعمل يدًا بيد في هذه الأوقات العصيبة تحديدا، لتعزيز روح التسامح وترسيخها بين الشعوب بغض النظر عن الدين والجنس والتراث والثقافة، وتعزيز قدرة التصدي لنزعات التطرف والحقد والكراهية والانقسام. وعلينا أن نعمل جاهدين لنسمو فوق خلافاتنا والعمل على ترسيخ…
الأربعاء ١٦ نوفمبر ٢٠١٦
يعد تطبيق «القودريدز» المنصة الأولى في العالم لما يعرف بـ«القراءة الاجتماعية»، ويعمل تماماً مثلما تعمل مواقع الحجوزات السياحية التي تنقل آراء الأشخاص العاديين وتوصياتهم حول الفنادق والمطاعم التي زاروها أخيراً، بعبارة أخرى هو البرنامج الذي جعل من القراءة عملاً اجتماعياً بعد أن كانت نشاط فردياً حبيس الجدران، وبذلك تغير مفهوم القراءة لتتجه نحو التفاعل الاجتماعي في البيئات الرقمية، الإحصاءات تشير إلى أن عدد مشاهدات «القودريدز» تخطى المليار مشاهدة سنوياً، وتحتل أميركا المركز الأول في عدد المستخدمين، اللافت هنا أن الفلبين تفوق جميع الدول العربية في معدلات الاستخدام بأربعة أضعاف. الأرقام هذه تعكس حال القارئ العربي الذي يعيش تحت هيمنة ما يسمى بـ«المثقف» القادم من ثلاثينات القرن المنصرم، معتمراً الطربوش ومحاولاً فرض الوصاية على ذائقة القراء، أضف لذلك العبارة التي بت أسمعها كثيراً في ندوات عام القراءة، وملخصها أن القراءة وسيلة، وأن الكتابة عمل نخبوي، والصحيح أن القراءة غاية في حد ذاتها، أما نخبوية الكتابة فماتت منذ أن حل الإنترنت ليفتح…
د. السيد ولد أباهكاتب وأستاذ جامعي موريتاني، له كتب ودراسات عديدة منشورة في ميادين الفلسفة المعاصرة وإشكالات التحول الديمقراطي.
الثلاثاء ١٥ نوفمبر ٢٠١٦
رغم الضجة الهائلة التي خلفها نجاح «رونالد ريغن» عام 1981، لم يحدث للولايات المتحدة أن عرفت هزة سياسية مماثلة لتلك التي ولدها وصول رجل الأعمال المثير للجدل «دونالد ترامب» للسلطة في انتخابات 9 نوفمبر الجاري. لم يكن ريغن القادم للعمل السياسي من هوليوود غريباً عن الحقل السياسي الأميركي وهو الذي تولى لمدة دورتين ولاية كاليفورنيا ومثّل الجناح الأقوى في الحزب الجمهوري (الجناح النيوليبرالي المحافظ) كما أحاط نفسه بأبرز رموز النخب الجامعية الأميركية، فيما بدا ترامب نشازاً في الحياة السياسية حتى داخل الحزب الذي رشحه للسلطة، محدود الصِّلة بمراكز التأثير والنفوذ الفاعلة في الشأن العمومي بما فيها الأوساط الإعلامية. كثير من المعلقين والمحللين اكتفوا في تفسيرهم نجاح ترامب بأطروحة «العولمة المريضة»، أي الاختلالات الاجتماعية المتولدة عن حركيّة التبادل الاقتصادي والتجاري مع العالم، والتي قوضت القاعدة الصناعية المحلية وقلصت فرص الشغل وحكمت على ملايين الأميركيين بالتشريد والإقصاء. الاختلالات المتولدة بالخصوص عن الأزمة المالية الأخيرة هي التي تفسر وفق هذه المقاربة نجاح ترامب…
الثلاثاء ١٥ نوفمبر ٢٠١٦
قد يشكّل فوز دونالد ترامب بالرئاسة انتقالة نوعية في السياسة الأميركية. المسألة هنا ليست سابقة أن الرجل يأتي من خارج القطاع السياسي ويفتقد كامل الخبرة والاطلاع، ولا أنه أظهر الفاحش من السلوك والأخلاق. ولا هي في إبراز شروخ عميقة، جيلية وطبقية وثقافية وعرقية، كانت مطموسة إلى حد ما في المجتمع والثقافة في الولايات المتحدة، وإن كان هذا الأمر يستحق المتابعة والمعالجة بعيداً من كل الإهمال الذي طاوله والمبالغات التي تجعله في أعقاب فوز ترامب ظاهرة خطيرة مفاجئة... ولا في تبيان الوهن في المؤسسات الحزبية، فالجمهورية منها عجزت عن احتواء ظاهرة ترامب ابتداءً، والديموقراطية تخلّفت عن إيجاد السبيل إلى احتواء حملته الانتخابية، ما أدّى إلى خسارة هيلاري كلينتون الرئاسة، على رغم تفوّقها عليه في مجموع أصوات الناخبين. الانتقالة النوعية هي أن ترامب مهيّأ لنقل الولايات المتحدة إلى نظام حكم استبدادي يناقض تجربتها التاريخية الطويلة. النظام الدستوري في الولايات المتحدة يسعى صراحة إلى تجنب التفرد بالسلطة أو إساءة استعمالها عبر الفصل والموازنة…