السبت ٢٠ أغسطس ٢٠١٦
منذ أواخر القرن التاسع عشر، بدأ مثقّفون عرب يهاجرون إلى أوروبا، أو يختارون منافيهم فيها. وفي باريس تحديداً، أسّس الأفغانيّ وتلميذه محمّد عبده مجلّة «العروة الوثقى» التي كان أبرز أهدافها، وفقاً لثانيهما، «صون استقلال الشعوب الشرقيّة من عدوان الدول الغربيّة، وإقلاق بال الحكومة الإنكليزيّة حتّى ترجع عن أعمالها المثيرة لخواطر المسلمين». واستمرّ تدفّق المثقّفين والمتعلّمين وطالبي العلم إلى فرنسا وبريطانيا، ولاحقاً الولايات المتّحدة. ومن هؤلاء، خصوصاً أبناء الأعيان المدينيّين والريفيّين، جاء كثر من صنّاع القرار في بلداننا. لكنّ هذه الهجرة التي كان لها الإسهام الأكبر في ما سُمّي «النهضة العربيّة»، لم تقدّم من المعرفة بـ»الغرب» ما يُذكَر. فما قيل فيه وفي تجربته لا يعدو كونه وصفاً إنشائيّاً وبرّانيّاً يصعب اعتماده مصدراً للفهم والتأويل. مع هذا، وفي صيغ مختلفة عمّا كتبه محمّد عبده، انجذبت رموز تلك النخب إلى هدف واحد تعلّمته في الغرب، هو المساواة. ولأنّ المذكورين صادرون عن أمم مستعمَرة، بدا الاستقلال الفوريّ بلا أيّ تدرّج شرطاً للمساواة. وبالطبع، كان…
السبت ٢٠ أغسطس ٢٠١٦
تذهب إلى الشرق أو الغرب، تجد نفسك طائراً فريداً، حل على ربوع الآخر، قادماً من مكان، الأجمل، والأكمل، والأنبل، هي الإمارات ولا غير.. عندما تستضيفك تلك البلاد النائية، وكنت قد قطعت آلاف الأميال، وفي ذاكرتك حلم البلاد المذكورة في الجغرافيا أنها قطعة من نعيم الدنيا، ورقعة من أديم الأرض، ولحظة وصولك أي في ذلك الزمن الذي تهبط به الطائرة الميمونة تشعر أنك خارج الزمن وداخل الإمارات، الإمارات وحدها التي تختال ضاحكة غصناً وطيباً، وركناً خصيباً، ولحناً كونياً يترنم بقيثارة الفرح، المهيب، والسعد الرحيب، لا نقلل من بلاد الدنيا، ولكن هذا هو قدر الإمارات، حباها الله بفضل وجزل وعدل، ونهل، وسهل، لا خيار للناظر إلا أن يقول إنها الأجمل والأرقى، في كل شيء.. شوارع المدن الكبرى في أوروبا تبدو أزقة ضيقة مقارنة بهذه الغرف العملاقة المؤثثة بسجادات المخمل، أنظمة المرور لا تقاس بقيمة عندما تحضر قوانيننا المكللة، بجهد الذين انتخبتهم الحياة لأن يكونوا المثال والنموذج وليالينا المضاءة بقلائد الأحلام الزاهية، وسهر…
السبت ٢٠ أغسطس ٢٠١٦
الهدف من الهجمات الأخيرة الموجهة أو المستوحاة من تنظيم "داعش" على المدنيين في الولايات المتحدة وأوروبا، هو خلق جو من الخوف، وتكثيف التوترات السياسية في جميع أنحاء العالم. وبينما تواصل هذه المنظمة الإرهابية تراجعها في العراق وسورية، فإنها تُركز أكثر على بث الرعب في الخارج. وحذّر مدير وكالة الاستخبارات المركزية، جون برينان، مرارا وتكرارا، من أن الدول الغربية يجب أن تتوقع مزيدا من الهجمات. ومثلما حول "داعش" إستراتيجيته، فينبغي على الولايات المتحدة وحلفائها أن يحولوا إستراتيجيتهم، تبعا لذلك. وقد حان الوقت لحلف شمال الأطلسي "الناتو" استدعاء بند الدفاع عن النفس، ليتيح للتحالف تحمل مسؤوليته العسكرية كاملة ضد "داعش". وعلى الرغم من أن "داعش" نفذ هجمات في أنحاء الغرب، انضم 7 أعضاء فقط من حلفاء أميركا في حلف الناتو، الذي يضم 27 دولة. والدول السبع التي شاركت في هجمات مباشرة ضد "داعش" هي: بلجيكا، وكندا، والدنمارك، وفرنسا، وهولندا، وتركيا، والمملكة المتحدة. هناك عدة دول أخرى في الناتو يمكنها المشاركة في العمليات…
السبت ٢٠ أغسطس ٢٠١٦
في زمن التخلف والانحطاط، يهبط المثقف والمفكر العربي من ملكوته العالي ليتحول إلى إسطوانة من الردح واللمز التي يترفع عنها حتى العوام والدهماء. في مثال المقاربة يظهر إلينا المفكر العربي المصري الكبير يوسف زيدان وهو يقول إنه لا يعرف لوسط جزيرة العرب سطراً في كتب التاريخ ولا أثراً يذكر لموروث من الحضارة الإنسانية. وأنا لا أشعر بالأسى ولا الأسف لما قال بالتحديد، لأن ذلك وارد من باب توظيف المفكر كجيب خفي في عباءة المدرسة المؤدلجة وقد سمعت مثل هذه الجملة في حياتي عشرات المرات من قبل. أشعر بالأسى والأسف فقط لأن يوسف زيدان، وبكل وضوح وصراحة ومكاشفة، جاهل بتاريخ اللسان الذي أوصل إليه وإلى قومه الكرام "لسان العرب"، وجاهل بالحضارة التي أوصلت إليه أبجدية اللغة التي يكتب بها ذات زمن التقابل القديم ما بين التقاء الحضارتين العربية والقبطية المصرية العزيزة. أنا هنا، أستاذي الكبير، أتكلم ذات لسانك، وأكتب نفس الحروف منذ أكثر من عشرة آلاف سنة، ولك أن تقرأ كل…
السبت ٢٠ أغسطس ٢٠١٦
هذا المقال خاص جدا للذين يعتقدون أن داعش أداة سياسية اجنبية خبيثة يتم استخدامها لتنفيذ أجندات التقسيم في المناطق التي يوجد بها داعش أو سمحت بوجوده، أما الذين يرون أن ربط داعش بمخطط اجنبي يرجع لفكر للمؤامرة فهذا المقال يثبت لهم ان هناك من لا يزال يعتقد بذلك، بل يذهب الى أكثر من ذلك حيث يعتقد ان الذين ينفون فكرة المؤامرة هم أقرب الى تقليد المهزوم للمنتصر "عقدة الغالب والمغلوب ". حرق ورقة داعش في العراق وسورية بات قاب قوسين، فالرؤوس الخطيرة التي لعبت بمصير هاتين الدولتين لم يعد لها حاجة في وجود داعش بعد ان فتحت لهم باب التدخل العسكري على مصراعيه، وأرهقت خصومها العنيدين على ارض الواقع، وهجّرت المكون السني والمسيحي وبعض الأقليات من أراضيهم، الرؤوس الخطيرة : موسكو وطهران، وواشنطن وربما تتبعهم أنقرة بعد ممارسة الضغوط عليها : انقلاب، وتفجيرات، دولة للأكراد على حدودها، العرب خرجوا تماما من لعبة التوازنات السياسية الكبرى، منذ 2003 بعد سقوط النظام…
الجمعة ١٩ أغسطس ٢٠١٦
على عكس النقد الذي وُجّه إلى الأمين العام لـ»حزب الله» حسن نصرالله لتجاهله معركة حلب التي وقعت قبل أيام من إلقاء كلمته الأسبوع الماضي حيث حققت المعارضة السورية تقدماً، يجوز القول إن الكلمة كانت التلخيص السياسي لنتائج المعركة كما فهمها الحزب وكما يسعى إلى استثمارها. ذلك أن العرض الذي قدمه نصرالله بضمان عودة رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة إذا انتخبت كتلة «المستقبل» النيابية مرشح الحزب ميشال عون لرئاسة الجمهورية، يرمي إلى تكريس ما بدأ يظهر من نتائج للحرب السورية على الواقع السياسي اللبناني. معلوم أن واحداً من العوائق أمام وصول عون إلى المنصب الذي يطمح إليه منذ أكثر من ربع قرن هو الامتناع شبه الكامل لكل نواب «المستقبل» عن مجرد البحث في إمكان انتخابه، ما يحرم عون الأكثرية الساحقة من أصوات السنّة اللبنانيين ويطعن بميثاقية توليه المنصب. والميثاقية تعني هنا توافق التيارات الرئيسة في الطوائف الكبرى – على غرار «المستقبل» في الطائفة السنّية- على الخيارات المحددة لمصير…
عائشة سلطانمؤسسة ومدير ة دار ورق للنشر في دبي وكاتبة عمود صحفي يومي بجريدة البيان
الجمعة ١٩ أغسطس ٢٠١٦
هذه تجربة مريض وقفت على كل تفاصيلها: في أحد المستشفيات الخاصة بالدولة، مرّ المريض الذي كان يئن من المرض، على أربعة أطباء خلال أسبوع واحد، كان من أصعب أيام حياته، ربما كانت بدايته مع الطبيب الخطأ، والخطأ هنا ليس في الطبيب أو في مستواه المهني، ولكن في معاينته لمريض ليس في نطاق اختصاصه ربما، ولذا، فإن ما ترتب على تلك المعاينة، قد وقع ضرره كاملاً على المريض وحده، بينما كسب الطبيب والمشفى والصيدلية، المال، وانتهى الأمر عندهم هنا، بينما استمرت معاناة المريض! في اليوم التالي مباشرة، عاد المريض للمشفى نفسه، وإلى عيادة الطوارئ تحديداً، مدفوعاً على كرسي متحرك لسوء حالته، وهناك فحصه طبيبان، ألغيا كل ما وصفه طبيب البارحة من أدوية، وكتبا له أدوية أخرى، مع موعد جديد مع طبيب آخر، ومرة أخرى، دفع المريض مبلغاً لعيادة الطوارئ، ومبلغاً للصيدلية، بينما تكفل التأمين بتغطية الجزء الأكبر من قيمة العلاج! بعد يومين من المعاناة، التقى الطبيب المختص، الذي طمأنه على وضعه،…
الجمعة ١٩ أغسطس ٢٠١٦
السفر إلى أفريقيا لا يأتي هكذا كالسفر إلى أوروبا أو آسيا، فهناك محاذير يجب مراعاتها، وتدابير عليك اتخاذها، ربما بسبب حال أفريقيا ودولها البعيدة عن النور والشمس الإعلامية، وربما لقرارات في النفس البشرية أن المجهول هو أسود دائماً، وربما لقلة الاستعدادات، وأهمية الخدمات، فنظرتنا لهم أنهم الأقرب منا للغاب، والأكثر خشونة في مواجهة أمور الحياة، ما يجعل سائحاً أوروبياً يشكو من كحة بسيطة، فيصبح مصاباً بربو دائم بعد رجوعه من غينيا بيساو أو سائحة أميركية عجوزاً عطست ثم فارقت الحياة في الغابون، وأخبار أن السود بهم داء السرقة، وحمل السلاح، واللجوء للعنف، أقلها أن يسرقك نشال أفريقي من الذين يمكن أن يصبحوا من عدائي المئة متر، بلا تدريب مستمر، فيقطع نَفَسك، ويغيب مع محفظتك، تلك الصورة الهوليودية عن زنوج أميركا، ولكن العالم يسحبها على الأصل الأفريقي. تجربة السفر إلى أفريقيا سبقها توصيات من الفريق المسافر معي، حيث طلبوا مني الابتعاد وعدم التدخل، ونسيان كلمتي المعتادة: «ما في مشكلة»! لا.. في…
الجمعة ١٩ أغسطس ٢٠١٦
كم لله علينا من نعمٍ يغدقها علينا ليلاً ونهاراً وصيفاً وشتاءً! نتذكر بها المنعم جل في علاه فنزداد له شكراً، ويزيدنا عطاءً، وفي هذا الصيف القائظ الذي يحرق الشجر والبشر، نجده ينعم علينا بنعم الطَّلع النضيد الذي يقول عنه سبحانه: {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ}أي فارهات الطول، ولها من الثمر ما هو متراكب بعضه فوق بعض لكثرته وجودته - نضيد أي منضود، يقال: نضَّد متاعه إذا وضع بعضه فوق بعض - فيصف لنا المولى سبحانه حال ثمر النخل وهو طلع ثم بلح ثم زهوٌ ثم بسر ثم رطب ثم تمر، ونحن الآن في أوان كونه رطباً، وهو ألذ ثمراً وأطيب أكلاً، وكل الناس يتوق إليه، وكم قد تطلعوا إليه! ووجوده يهوِّن لهب الحر، وفائدته المادية والمعنوية تهون تعب زرعه وسقيه حتى أتى يوم حصاده. وفي هذه المنَّة الإلهية حقٌّ لا ينسى، وهو الزكاة التي فرضها الله تعالى في مثل هذه النعمة للفقراء والمساكين، الذين يتطلعون إلى نصيب فيه يكفيهم مؤنة…
الجمعة ١٩ أغسطس ٢٠١٦
بدعوة كريمة من معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير الثقافة وتنمية المعرفة في الإمارات العربية المتحدة، أتيح لنا مع مجموعة كبيرة من أبناء الإمارات حضور الحفل الذي أقامته كلية ساندهيرست SAND HURST العسكرية الشهيرة بالقرب من مدينة لندن في يوم الجمعة 12 أغسطس الجاري.. وكان الجو ممتعاً والطقس جميلاً مشمساً والسماء صافية تنعكس ألوانها الفيروزية الرائعة على مناظر الخضرة والبستنة المحيطة بالمكان، فيتحول كل شئ إلى بهجة تسر الناظرين.. ومما زاد من هذه البهجة حضور عدد كبير من أبناء الإمارات يزيد عددهم على المائة شخص، كل هؤلاء حضروا لمشاهدة حفل تخريج الشيخ شخبوط بن نهيان آل نهيان الذي أمضى في هذه الكلية قرابة عام متدرباً ودارساً للعلوم العسكرية التي عرفت بتدريسها هذه الكلية العريقة في بريطانيا والمشهورة عالمياً. ومن بين الحضور، بالإضافة إلى معالي الشيخ نهيان بن مبارك، كان الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان وسليمان حامد المزروعي سفير الإمارات العربية المتحدة لدى المملكة المتحدة وعدد…
الخميس ١٨ أغسطس ٢٠١٦
يحاجج كثير من الإخوة في معرض عجز البعض عن تفسير ظاهرة الإرهاب الجديد: من اين يأتي هؤلاء الإرهابيون الصغار؟ فالصحوة التي سادت في الثمانينيات والتسعينيات انتهت ولم يعد ثمة دعاة يجمعون الأطفال واليافعين في المخيمات والرحلات الدعوية والمعسكرات الصيفية وزيارات القبور، ولم تعد جماعات الصحوة تسيطر سيطرة كاملة على المدارس ولم يعد لبس الشماغ بلا عقال وتقصير الثياب موضة الحزب. كيف يخرج شاب صغير لم يتجاوز عمره العشرين سنة ويفجر مسجدا هنا وثكنة هناك؟ من أين ظهر هذا الشاب ومن لقنه ومتى تحقق له ذلك في هذا الزمن القصير (جدا). سبق أن قصصت في إحدى مقالاتي قصة الشاب الذي يلعنني ويلعن الكتاب والصحفيين والصحافة من اساسها. اقصها عليكم لكي تعرفوا من اين جاء صغار الإرهابيين. في احدى الرحلات من تورنتو إلى دبي جلس إلى جانبي شاب صغير لا يتجاوز عمره العشرين عاما، يلبس بنطلون برمودا وقصة شعره على احدث موضة والسماعات في اذنيه، ومن حركاته الطربانة تعرف انه يستمع إلى…
الخميس ١٨ أغسطس ٢٠١٦
لم يكن محمد عبده حين غنى (أفاطم مهلا) ليلة افتتاح مهرجان سوق عكاظ يدشن رسميا عودة حفلات الغناء التي كانت معلما من معالم حفلات ومهرجانات الصيف في عدد من مدن المملكة قبل أن يطويها تيار الصحوة مع ما طواه من قيم الفن والجمال والثقافة في بلادنا على مدى الثلاثين عاما الماضية، لم يكن محمد عبده يدشن في ليلة الافتتاح حضور الفن والغناء في مهرجان سوق عكاظ بل وفي مهرجانات المدن الأخرى فحسب وإنما كان يعيد إلى الطائف روحها المرتبط بالفن والغناء حينما كانت ساحاتها العامة تتحول إلى مسارح مفتوحة تصدح فيها أصوات المغنين ويتجمهر حولها عشاق الفن. كان ليل الطائف مجمعا للسمار من المصطافين وأهالي الطائف حين كانوا يتحلقون حول رواد فن الغناء في الحجاز: حسن جاوا وعمر باعشن ومحمد علي سندي وفوزي محسون وفؤاد بنتن وعمر كدرس. ولم تكن حديقة أو ساحة في الطائف تخلو من ليالي الغناء ولكل حارة برحتها وساحتها التي تزينها بعقود الكهرباء وتزودها بالمقاعد ومنصات…