الثلاثاء ٠٧ يونيو ٢٠١٦
يعيق كتابةَ المأساة العربية أن النحيب والعويل لا يزالان يملآن الأفق. ومن شروط كتابة المأساة أن يتوقف النحيب والعويل اللذان يصعب أن يتوقّفا فيما آلات القتل تعمل بأقصى السرعة والفعاليّة. فالستارة أُسدلت على السياسة، وما قد تولده من معنى، لكنها لم تُسدل على عنف يمعن في إحباط السياسة والمعنى بقدر إمعانه في إطلاق الألم. لكنّ أمراً آخر يعطل كتابة المأساة هو طريقة سائدة في قراءتها لا يزال يحبذها الكتاب والمعنيون بالقراءة. وتفضي الطريقة هذه، إما عن حسن نية يشد أصحابه إلى تحليلات الزمن «الوطني» «الجميل»، وإما عن سوء نية يذهب بأصحابه إلى تقنيع الواقع بالإيديولوجيا حرصاً على هذا الواقع نفسه، إلى المضي في حجب الطائفية، علماً أن أمرها المستفحل غدا العنصر الذي يقرر أين تقيم الجماعات وكيف تُهجّر وماذا تفعل، وأي دول تذوي في المنطقة وأي دول تنشأ، وأي حدود ترسم وأي علاقات إقليمية أو دولية تنعقد؟ وكره الطائفية ليس إلا عند المغفلين سبباً كافياً لعدم رؤيتها وعدم الإقرار بها…
الثلاثاء ٠٧ يونيو ٢٠١٦
مختلفة أيام رمضان لا تشبهها أي من أيام العام أو لياليه، فالحمد لله الذي بلغنا رمضان، ونسأل الله أن يتقبل منكم ومنا الصيام وصالح الأعمال. ونحن نبدأ أيام هذا الشهر ونستشعر الجوع والعطش، وارتفاع درجات الحرارة في هذا الصيف، ونرى كيف يتعب أطفالنا في صيامهم، وكيف يقضون يومهم بسبب جوعهم وعطشهم، يجب أن نتذكر آلافاً بل ملايين من الجوعى المشردين واللاجئين، من السوريين واليمنيين، ومن كل الشعوب الأخرى في العالم، ممن لا يجدون قوت يومهم، ليس لنهار واحد، وإنما لأيام يبقون بلا طعام، ولا يعيشون إلا على قليل من الفتات الذي يساعدهم في البقاء على قيد الحياة، ومواجهة يوم جديد من الجوع والعطش والخوف، فهذه الأيام مناسبة طيبة لتذكر الفقراء والمحتاجين، وخصوصاً المتعففين منهم، ممن يجعلهم حياؤهم وعزة نفسهم يحجمون عن طلب المساعدة أو الصدقة، وأن نخصص لهم جزءاً من أموالنا لمساعدتهم، ومن المهم أن تذهب هذه المساعدات عن طريق الجهات والهيئات والجمعيات المعتمدة والمعروف جهات صرفها للأموال. في مقابل…
الثلاثاء ٠٧ يونيو ٢٠١٦
قاده الخيال إلى ذكرياته القديمة مع صاحبه الذي كان معه منذ طفولته فلقد كان معه طوال مرحلته الدراسية في المدرسة ومن ثم في سنتي الجامعة الأوليين، بدايات النشاط الممزوج بالطموح والتفاؤل. كان هو الصديق والأخ الذي لم تلده أمه، فلقد كان الأذن المصغية والقلب الكبير والعقل المشارك الذي يحاول دائماً أن يهدئ من روعه في الأزمات ليطمئن قلبه. إلى أن حدث ما لم يكن في الحسبان فلقد ابتعد صديقه عن عالمه بدون أي سابق إنذار، فيأتي أحد الزملاء المزيفين ليواسيه بعبارة مؤلمة فيقول »ليش اتكدر خاطرك، من باعنا بعناه ولو كان غالي«. هل تعلم من يفرح بهذا الخصام وهذا الهجر؟ وهل تعلم من الذي يتقطع قلبه حزناً منه؟ يفرح الشيطان ويكون في أسعد حال حين يتم هجر الأهل أوالقريب أو الصديق، وقد يفرح به أكثر أعدائك من الناس الذين يستمدون قوتهم من حطامك. ولكن الذي يحزن ويتجرع الألم بسببه هم الآباء والأمهات والمحب، فهجر الأخوة يحرق قلوب الوالدين وهجر الرفيق…
الثلاثاء ٠٧ يونيو ٢٠١٦
شهر التسامح والغفران، لكنه بالتأكيد لن يوقف الحقد الطائفي البغيض، ولن يوقف العنف والقتل والتصفيات والتعذيب، شهر المحبة، لكنه لن ينهي الكراهية الشديدة، التي يحملها أولئك المتشددون والمتطرفون في قلوبهم للعالم، وللآخر، لن يوقف رمضان مآسي الأمة الإسلامية في العراق وسورية واليمن، لسبب واحد هو أنه رمز لتسامح الإسلام ورحمته، وهؤلاء جميعاً هم أبعد ما يكونون عن الإسلام ورحمته! أبسط نتيجة يمكن أن يصل إليها العقل، هي بعدُ الفكر التكفيري المتشدد عن سماحة الدين الإسلامي، ففي الوقت الذي تطمئن فيه نفوس المسلمين بمجرد بلوغهم رمضان، وتتغير فيه سلوكياتهم نحو الأفضل، ويتقربون من ربهم أكثر وأكثر، تجد هؤلاء التكفيريين والمتشددين يعيثون في الأرض فساداً، ويمعنون في القتل، وينشرون العنف ضد إخوانهم المسلمين أولاً، وضد العالم أجمع ثانياً، فبأي إسلام يدينون؟! وأي رمضان ذلك الذي لم يثنِ عزيمتهم عن إزهاق أرواح المسلمين بدم بارد؟! المتطرفون هم أبعد ما يكونون عن الدين الإسلامي، هم إرهابيون لا دين لهم، مهما كانت توجهاتهم وطائفتهم، هم…
الإثنين ٠٦ يونيو ٢٠١٦
المفروض أن الحديث كان عن وفاة أسطورة الملاكمة محمد علي كلاي، ولكن حديث الغذاء مع أسرة يابانية أخذنا لبطل الجودو المصري محمد رشوان. ذكر الزوج والزوجة أن ما يعرفانه عن مصر هما أبو الهول ومحمد رشوان. القصة كما روتها السيدة روميكو باختصار هي أنه وفي أولمبياد لوس أنجليس 1984 خسر بطل الجودو المصري محمد المباراة النهائية ضد منافسه بطل الجودو الياباني المتوج في ذلك الوقت ياسوهيرو ياماشيتا، وكان ياماشيتا مصابا في إحدى قدميه، وبما أن لعبة الجودو تستخدم فيها ضربات الإقدام، إلا أن اللاعب المصري رفض توجيه أي ضربة لقدم ياماشيتا المصابة، وأصر على نبل اللعبة وشرفها، ورغم أنه، حسب ما روى صديقي الياباني وزوجته لو ضربه في قدمه المصابة لكسب المباراة بسهولة، ولكن البطل المصري فضل خسارة اللقب على الإخلال بنبل الرياضة وقيمها، واكتفى بالميدالية الفضية، بدلا من ميدالية ذهبية يحصدها من بطل جريح. وكانت تلك الميدالية الفضية الوحيدة لمصر في لعبة الجودو عبر تاريخها، ورغم إمكانية الذهبية، فضل…
الإثنين ٠٦ يونيو ٢٠١٦
في اللحظات التي كانت تشهد الاستعداد لتحرير مدينة الفلوجة العراقية من قبضة تنظيم «داعش» ظهر قاسم سليماني ظهوراً سريعاً على أطراف المدينة العراقية المبتلاة بالنكبات منذ عقد ونصف العقد تقريباً، تاركاً وراءه سحباً من التوتر والتوجس والغضب الذي حوّل جزءاً من المناقشة الدائرة حول تحرير الفلوجة نحو الحديث عن هذا الظهور المنذر بالشرور. لا نتحدث هنا عن أذرع «الحرس الثوري» الإيراني التي تعبث بالعراق، على رغم التأثير الكارثي لها، ولا نتحدث هنا عن القوى العراقية التي تجعل إرضاء طهران وتنفيذ أوامرها هدفاً لها وليس العراق ومصلحة العراقيين، ولا نتحدث هنا عن الزعماء السياسيين والدينيين الذين ارتضوا بأن يجعلوا العراق العربي بكل ثقله وإمكاناته وقدراته مجرد ورقة لعب تستخدمها إيران في اللحظة التي تراها ملائمة. لا نتحدث عن «دور» قاسم سليماني، بل عن «إطلالة» قاسم سليماني في ذلك الوقت تحديداً. ولنا أن نسأل: هل كان هناك ما يمنع أن يمارس قاسم سليماني مهماته تحت غطاء السرية الذي يتقنه؟ لقد اعتادت إيران…
الإثنين ٠٦ يونيو ٢٠١٦
بعض الأشهر، الأماكن، الناس، تفرض جوّها عليك، فتصبح تصرفاتك أسيرة لها، تتملكك بحسن المعشر، وبالخصوصية التي تميزها، كالزائر للمدينة المنورة، لا يمكن إلا أن يكون طيباً مثل ناسها الذين يشبهون أعواد الريحان، كذلك رمضان له نفس الصّفة والخصوصية، لقد مر عليّ رمضان في بلدان كثيرة، طقوسه تختلف من بلد إلى آخر بدءاً من إندونيسيا، وانتهاءً بالمدينة التي لا أحب لندن، حتى المدن الرمادية التي تتنفس رائحة العوادم والمصانع، يستطيع رمضان أن يغلف ليلها بنسائمه، لكن ليس مثل مدن الشرق، والبحر المتوسط تلك التي تعطيك شيئاً منها، وشيئاً من رمضان فيها ومنها، أشياء قد لا تعرفها ولا تميزها، لكنها تنفذ في الداخل، فتمتلئ سكينة وراحة لا تعرف من أين تهب، تذكرت الآن قول أحد المجاهدين أو الفاتحين حين دنت منيّته قال «أكاد أشم ريح الجنة»، رمضان هكذا، له رائحة الجنة، وظل الماء. لقد ارتأيت شأن كل عام منذ ست عشرة سنة خلت، أن يكون عمود كل يوم من أيام رمضان، مختلفاً…
عائشة سلطانمؤسسة ومدير ة دار ورق للنشر في دبي وكاتبة عمود صحفي يومي بجريدة البيان
الإثنين ٠٦ يونيو ٢٠١٦
أحب إيمان العجائز كثيراً وهم يتعاملون مع التفصيلات ومع الأفكار الكبيرة، لا يغيرون مواقفهم ولا يتغيرون، لديهم حالة من الثبات على الموقف تلفت النظر، وإضافة للثبات فهم شديدو الاقتناع بما يؤمنون به وشديدو الوضوح في التعبير عن هذا الإيمان، وحين يعبرون فإنهم يبدون بسطاء جداً لكنها تلك البساطة التي لا يمكنك تقليدها أو الاستهانة بها، لا يمكنك سوى احترامها وإظهار التعجب والكثير من الإعجاب، هل رأيت رجلاً عجوزاً يبدل قناعاته كل يوم كما يبدل ثيابه؟ هل لاحظت اختلافاً في الانتماء للفكرة، إنها نفس الدرجة من الثبات سواء تعلقت الفكرة بالإيمان بالله أو الرفق بالأطفال والحيوان، الأمثال، السبب أنهم ينطلقون من الإيمان للتعامل مع كل التفاصيل. نحن لا نتأمل درجة التسامح التي يتمتعون بها، لا ننتبه لمنسوب الحكمة العالي الذي يتحدثون به، لا نفكر في صفاء الأفكار وسلامتها من التلوثات، لأننا معتدّون بآرائنا فقط ولأننا نسيء الظن بقدرات العجائز وما لديهم من ذخيرة فكرية، إننا نخطئ حين نظن أن قناعات اليوم…
الإثنين ٠٦ يونيو ٢٠١٦
رمضان شهر العطاء والرحمة، والإمارات في كل عام تترجم ذلك عبر أفعال ومواقف ومبادرات إنسانية وخيرية، وعطاؤها يمتد ليشمل مختلف شعوب وعواصم العالم، خصوصاً تلك الشعوب الأكثر حاجة إلى هذا العطاء، حتى أصبحت الحملات والمبادرات الإماراتية الخيرية علامة مميزة في عالم تزيد فيه المشاحنات، ويتفاقم فيه العنف، وتقل فيه الرحمة والتسامح، لتصبح الإمارات هي الشعلة المضيئة وسط الظلام الكثيف. عودنا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في كل رمضان من كل عام، إطلاق حملة إنسانية نوعية، يدعمها ويتابعها بنفسه، ويوجه بها العمل الخيري ليوحد الجهود الإنسانية الإماراتية في الشهر الفضيل، لا يهدف من ذلك سوى زرع البسمة في وجه كل حزين، وترك بصمة إنسانية دائمة لشعب الإمارات في محيطه العربي والإسلامي والإنساني. حملة هذا العام، نوعية، متميزة، غير مسبوقة، لا تركز على توفير الغذاء والماء، لكنها لا تقل أهمية عنهما، بل تزيد في أهميتها على الطعام والماء، لأنها تُغذي العقول، وتُصفي النفوس، فالعقول إذا فسدت فسد المجتمع، وإن…
الأحد ٠٥ يونيو ٢٠١٦
تحدث معي الأخ عبد الحميد الجحدلي قائلاً: تخيل أنك تجد فتاة مغمى عليها وسط الطريق، فتبادر أنت لأخذها إلى المستشفى. قلت له: جزاك وجزاني الله خيرًا. قال: ولكن بعد الفحص، تتفاجأ بالدكتور يبارك لك بالمولود القادم، فتقول له: لكنني لست والد الطفل، وإذا بالفتاة تصرخ بوجهك: بل أنت والده وتصر هي على ذلك. وبعد مشادة كلامية، تطلب فحص (DNA)، وبعدها يخبرك الطبيب بأنك لست والد الطفل، وأنك لا يمكن أن تكون كذلك، لأنك بكل بساطة عقيم. فتخرج من المستشفى وأنت سعيد وحزين، سعيد لأنك بريء، وحزين لأنك عقيم، وفجأة تتذكر أنك متزوج وعندك ثلاثة أبناء، وتأخذ تضرب أخماسًا بأسداس وتتساءل: من أين أتوا إذن وأنا عقيم؟! قلت له: يا ساتر استر. قال: ثم استيقظت من النوم ففرحت أنك كنت تحلم، وتناولت كأسًا وشربتها من شدة العطش، وفجأة تذكرت أنك صائم، ونظرت إلى الساعة وإذا هي العاشرة، وتذكرت أنك تأخرت على الدوام، وذهبت إلى سيارتك غير أنها لم تشتغل، فسارعت وركبت…
الأحد ٠٥ يونيو ٢٠١٦
سيبدو بالنسبة إلى البعض أن هذا السؤال خارج السياق، ويتصادم رأساً مع منطق الإسلام وتاريخه. وهذا موقف طبيعي لا بد من تفهمه، لما له من مبررات، نظراً إلى السائد في الثقافة العربية عن الموضوع لقرون متصلة. لكن السائد لا يعني دائماً أنه الحقيقة النهائية. الأرجح أنه ساد لأن الشروط والمعطيات في زمن وظروف معينة وفرت له إمكان السيادة، وعندما تتغير الشروط والمعطيات تتغير بالتبعية زاوية النظر إلى الواقع، ومن ثم إلى الموضوع. من هذه الزاوية تحديداً، أتمنى أن يكتسب السؤال، في نهاية المقالة على الأقل، شيئاً من المعقولية ومشروعية التداول حوله. لماذا السؤال الآن؟ وفي ظروف إقليمية مضطربة جداً تشهد هجمة طائفية بشعة تقودها إيران بوعي وتعمد لا تخطئهما عين؟ هذا صحيح تماماً، حيث بات من المسلَّم به أن مشروع إيران في المنطقة هو مشروع طائفي ضد السنة العرب تحديداً، كما هو واضح في العراق وسورية ولبنان. وهو مشروع طائفي في منطلقه وآلياته وأهدافه. منطلقه دستور يرسم الطبيعة الدينية للدولة…
عائشة سلطانمؤسسة ومدير ة دار ورق للنشر في دبي وكاتبة عمود صحفي يومي بجريدة البيان
الأحد ٠٥ يونيو ٢٠١٦
في فصل اللغة الإنجليزية الذي انضممت إليه عندما كنت في مدينة كامبردج البريطانية، كانت المعلمة سيدة خمسينية شديدة الطيبة وتنتمي لعائلة معروفة بمناصرتها للقضية الفلسطينية، فحين ذهبت ذات يوم إلى لندن بدعوة من اتحاد الطلبة الإماراتيين، هناك تعثرت في طريقي بمظاهرة ترفع شعارات مضادة لإسرائيل، كانت تلك المعلمة في مقدمتها ترفع شعاراً مضاداً لشركة بريطانية تدعم إسرائيل! كانت واحدة من تلك المعلمات اللواتي كأنهن ولدن ليقدن الناس إلى طريق المعرفة والحكمة، ففي الفصل كانت غالباً ما تتحدث عن تجارب عائلتها وخاصة أبناءها الذين كانوا يقفون معها في التظاهرة! أتذكر واحدة من التجارب التي حدثتنا عنها تدور حول ثقافة اكتشاف العالم بالنسبة لمراهق أنهى دراسته الثانوية، حيث إن الشباب في كثير من عائلات كامبردج - والغرب عموماً - كانوا بعد إنهاء المدرسة العليا وقبل الالتحاق بالجامعة يتزودون بأقل ما يمكنهم من الملابس والمال، يضعون حقائبهم خلف ظهورهم، ويغادرون لاكتشاف العالم حولهم خارج حدود العائلة والقرية والمدينة والأصحاب إلى حيث العالم الكبير…