كاتب إماراتي
كان الأمر بسيطاً في الماضي، إلى حد يدعو للحسد. تقع الحرب، ينتصر طرف، يرفع رايته فوق الأسوار، ثم يجلس ليكتب ما حدث. ولهذا تعلمنا أن التاريخ يكتبه المنتصرون. جملة قصيرة، لكنها كانت تحمل شيئاً من الطمأنينة؛ فمهما بدا التاريخ منحازاً، كنا نعرف على الأقل أين يكمن الانحياز، وندرك أن هناك رواية أخرى في الجهة المقابلة، رواية المهزوم الذي لم يملك الحبر ولا المطبعة ولا أرشيف الإمبراطورية.
أما اليوم فقد تطور الأمر بشكل مذهل. لم يعد التاريخ يكتبه المنتصر وحده، بل يكتبه المنتصر والمهزوم معاً، ويكتبه المتفرج، والحيادي، وصاحب السوبرماركت، وسائق التاكسي، ولاعب كرة القدم. ولا ننسى نمامة الفريج، التي تعرف لسبب غامض أسرار الدول الكبرى أكثر مما يعرفها كبار موظفيها. الجميع اليوم يكتب التاريخ، وكل بمنصته الخاصة وسلاحه المفضل: هذا عبر الواتساب، وذاك عبر القنوات الإخبارية، وثالث عبر إكس، أما صاحبة العرش غير المتوجة فهي تيك توك، حيث يمكن لمقطع من ثلاثين ثانية، وموسيقى حماسية، وخط أحمر عريض، أن يعيد تشكيل فهم ملايين البشر لحدث استغرق وقوعه سنوات.
كانت نمامة الفريج قديماً تعرف أخبار بضعة بيوت وتنقلها من باب إلى باب. أما اليوم فقد صار العالم كله فريجاً واحداً، وصار لكل منا نمامته الخاصة في جيبه، تخبره بما وقع، ولماذا وقع، ومن انتصر، ومن كذب، قبل أن تتضح القصة أصلاً.
في الماضي كان الوصول إلى الحقيقة صعباً لأن المعلومات قليلة، أما اليوم فيكاد يصبح مستحيلاً لأن المعلومات كثيرة. يشاهد الإنسان مقطعاً فيقتنع بحقيقة ما، ثم يشاهد بعد دقائق مقطعاً آخر يثبت العكس، حتى لا يعود يعرف إن كان يتابع حدثاً سياسياً أم حملة إعلامية.
في السابق كان المؤرخ يحسد من عاشوا الأحداث. اليوم أغلب الظن أن مؤرخاً بعد مئة عام سيحسد نفسه لأنه لم يعشها. نتصور أن وجودنا داخل الحدث يقربنا من الحقيقة، بينما نحن محاصرون بضجيج الكاميرات والتعليقات، وبالخبر العاجل الذي يلحقه خبر عاجل ينفيه، وبكل ساعة تنتج تفسيراً جديداً لما ظننا أننا فهمناه.
السؤال الحقيقي اليوم: أي تاريخ تقصد؟ فالتاريخ لم يعد كتاباً واحداً، بل ملايين النسخ المتصارعة. ولم تعد المشكلة غياب السردية، بل فائضها؛ فكل رواية تملك شهودها وخبراءها ووثائقها ومقاطعها الداعمة.
وفي النهاية، بعد ساعات من القراءة والمشاهدة والتدقيق، يكتشف الإنسان أنه لا يقترب من اليقين، بل يبتعد عنه. فلا يبقى أمامه إلا أن يميل إلى سردية ما، لا لأنها الحقيقة المطلقة، بل لأن العمر أقصر من اختبار كل الادعاءات، بينما مصانع الروايات تعمل أربعاً وعشرين ساعة بلا توقف.
كان المنتصر يكتب التاريخ في الماضي، أما اليوم فيكتبه الجميع، ولهذا السبب تحديداً، ربما لن نعرفه أبداً.
