محمد خميس
محمد خميس
كاتب إماراتي

ترامب .. آلو واسطة

آراء

خاص لـ هات بوست:

     سنوات طويلة ونحن نستمع إلى الرواية ذاتها، إذا جلست مع بعض الناس في الخارج، فلا بد أن تجد من يبتسم ابتسامة العارف بأسرار المجتمعات، ثم يقول لك بثقة لا تهتز:

“إذا أردت أن تنهي أي معاملة في أي دولة خليجية، فلا تنسَ الواسطة.”

     يقولها وكأنه اكتشف قانونًا من قوانين الفيزياء.

      أما إذا كان الجالس مثقفًا، فاستعد لمحاضرة مجانية قد تمتد أكثر من المعاملة نفسها، سيعدل نظارته، ويخفض صوته قليلًا، ثم يبدأ بتحليل يعتقد أنه عميق:

“في الحقيقة، الواسطة في الخليج ليست مجرد ظاهرة اجتماعية، بل هي نتاج البناء القبلي.”

     ثم تنطلق المصطلحات الثقيلة، التضامن الاجتماعي، البنية التقليدية، شبكات النفوذ، إعادة إنتاج العلاقات، إلى آخر القائمة التي تجعل السامع يشعر أنه يحضر مؤتمرًا في علم الاجتماع لا جلسة شاي.

ثم يخبرك بثقة أكبر أن الدراسات أثبتت ذلك، وأنا، في كل مرة، أتساءل، أين هذه الدراسات؟ لا أحد يعرف، ولا أحد قرأها.

     ويبدو أن المثقف وحده يملك النسخة الوحيدة من هذه الدراسة، محفوظة في درج لا يفتحه إلا عند الحديث عن الخليج، فهو لوحده يعرف انه ولان في المجتمعات القبلية، يجب على الكبير أن يفزع للصغير، وأن يتوسط له، وأن يقف معه، لذلك ولدت الواسطة.

وكأن بقية شعوب الأرض لا تعرف أبًا يساعد ابنه، أو صديقًا يتصل بصديقه، أو مسؤولًا يوصي بقريب له.

     وكأن الإنسانية كلها كانت تعيش وفق مبدأ الجدارة المطلقة، حتى جاء الخليجي واخترع الواسطة! لكن يبدو أننا ظلمنا أنفسنا عندما صدقنا أن الواسطة اختراع خليجي، فالواسطة، فيما يبدو، ليست لهجة محلية، بل هي لغة عالمية.

تختلف الأسماء، ولا تختلف الأفعال، ففي بلد تسمى “توصية”، وفي أخرى يطلق عليها “معرفة، وفي مكان ثالث تدعى “نفوذ”.

     وعند بعضهم لا تسمى شيئًا أصلًا، لأنها تتم خلف الأبواب المغلقة، ثم يخرج أصحابها لإلقاء المحاضرات على الآخرين عن الشفافية وتكافؤ الفرص.

ولذلك، كلما سمعت أحدهم يسخر من “واسطة الخليج”، ابتسمت.

     ليس لأنني أنكر وجودها، بل لأنني لم أعد أصدق أنها تحمل جواز سفر خليجيًا وحده.

بل أصبحت مقتنعًا بأنها تحمل كل الجنسيات، وأعترف أنني أحيانًا أترك الواقع جانبًا، وأطلق العنان لخيالي، فأتصور مشهدًا ساخرًا لا يمكن إلا أن يبتسم له القارئ.

     أتخيل الرئيس الأمريكي يرفع سماعة الهاتف، ويتصل برئيس الفيفا.

يرد رئيس الفيفا فورًا:

     “نعم سيدي الرئيس.”

فيقول الرئيس:

     “لدينا مشكلة… لاعب منتخبنا “فولارين بالوغون” حصل على بطاقة حمراء، أريد إلغاءها.”

يصمت رئيس الفيفا للحظة، ثم يقول بتردد:

     “سيدي… هذه قوانين اللعبة… والبطاقة الحمراء قرار حكم داخل الملعب… ماذا سنقول للعالم؟”

فيرد الرئيس، بكل هدوء:

     “قل لهم… انه من طرفي”، عندها يبتسم رئيس الفيفا، ويغلق الهاتف، بينما أجلس أنا متأملًا وأقول لنفسي:

ربما أخطأنا عندما سجلنا “الواسطة” كعلامة تجارية خليجية.

     كان ينبغي أن نسجلها باسم آخر.

“صنع في الإنسان.”

     فحيثما وجد النفوذ، ووجدت المصلحة، سيولد شخص يقول:

“دعه… أنه من طرفي .”