الإثنين ٢٧ يوليو ٢٠٢٦
هل وصل مفهوم الأمن القومي العربي إلى نهايته؟ ربما لم يعد هذا هو السؤال الصحيح، لأنه يفترض أن ما كان قائماً في الماضي لا يزال محتفظاً بالمعنى ذاته. السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو: هل ما زلنا بحاجة إلى هذا المفهوم بالصيغة التي صيغ بها في أدبيات القرن الماضي؟ الإجابة تميل إلى النفي. لا لأن فكرة الأمن المشترك فقدت أهميتها، بل لأنها أصلاً لم تكن حقيقة على الأرض وإن كانت قد وجدت ك "حلم" عربي فإن أدواتها وحدودها ومنطلقاتها قد تغيّرت تغيّراً جذرياً. لم يعد العالم كما كان. لم تعد الجغرافيا وحدها تحدد التحالفات، ولم تعد القومية العربية أو الهوية سبباً كافياً أو إطاراً لبناء منظومات أمنية فاعلة. ما نشهده هو إعادة تعريف شاملة للأمن نفسه. لم يعد محصوراً في حماية الحدود؛ صار يشمل أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والأمن السيبراني والتفوق التكنولوجي، بل والقدرة على إدارة أزمات عالمية معقدة وناشئة، من الأوبئة إلى النزاعات. في هذا السياق، لم يعد القرب اللغوي…
السبت ٢٥ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: كنتُ في محل عطور ذات يوم. لم أفعل الكثير خلال كلامي مع الموظف، تلطّفتُ في حديثي وابتسمتُ فقط. قال لي قبل أن أخرج: مثلكِ (يحلّي) يومنا المليء بجمود ورسمية الزبائن. وأهداني حينها الكثير من الدعاء الطيب. موقفٌ عابرٌ وغير استثنائيّ - حدث منذ بضع سنوات - ومثله مواقف عديدة ومختلفة يتجاوزها بعضنا بمجرد انتهائها. لكن، هل فكرنا أن نتوقف قليلًا ونتمعن فيها وفي هؤلاء العابرين؟ في تأثيرنا عليهم أو تأثيرهم علينا. يحيلنا مفهوم "أثر الفراشة" (Butterfly Effect) إلى كيفية قيام لفتاتٍ صغيرةٍ في السلوك أو البيئة بإحداث تأثيراتٍ واسعةٍ وعميقة. ولعلي أستعير هذا المفهوم في المواقف العابرة التي نمر بها مع من نعتبرهم غرباء، والتي تترك أثرًا قد يرافقنا أو يرافقهم لفترة طويلة، ليذكّرنا بانعكاس اللطف، وبأن الإنسانية مساحةٌ مشتَرَكةٌ نتبادل فيها الدفء دون تخطيط، ويُخلِّف كلٌّ منا شيئًا جميلًا في روح الآخر. بعبارةٍ أخرى، نحن نحمل طاقاتنا معنا أينما…
الأربعاء ٢٢ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست لم يكن المقعد الفارغ مجرد مقعد. كان الشاغر الوحيد في قاعة امتلأت عن آخرها احتفاءً بعيد ميلاد صاحب السّمو الشّيخ محمّد بن راشد آل مكتوم في مكتبة محمّد بن راشد، حيث تزيّنت الأمسية بلوحات فنية لفنانين من أنحاء مختلفة استلهموا دبي وملامح قائدها، قبل أن تتوالى القصائد بصوت كريم معتوق، ونجاة الظاهري، وحمدة المر، لتختتم الليلة بالموسيقى والغناء. لكن حكايتي لم تبدأ على المسرح. بدأت بالمقعد المجاور. كانت تجلس إلى يساري سيدة إماراتية لم أكن أعرفها، بينما كان المقعد الفاصل بيننا قد تركته إحدى الفنانات المشاركات بعدما نهضت لتقف بجوار لوحتها مع وصول كبار الضيوف والمسؤولين. نظرت إلى السيدة وقلت مبتسمة: «ربما علينا أن نحتفظ بالمقعد للفنانة حتى لا تعود فلا تجده.» وضعت نسختي من كتابي "أربعون" على المقعد، وكأنها بطاقة حجز مؤقتة لصاحبته. كان تصرفًا عفويًا. لكنه كان بداية حديث لم أكن أتوقعه. التفتت السيدة إلى الكتاب، وسألتني عنه،…
الأربعاء ٢٢ يوليو ٢٠٢٦
الحقيقة أننا نعيش مشروعاً وطنياً كبيراً بدأ منذ قامت دولتنا، وعهداً تؤكده القيادة الحكيمة يتحقق منه المواطن والمقيم كلما خرج من منزله ليومه، وذلك عبر التزامها ونجاحها في تحويل الصحراء إلى حدائق نابضة بالحياة. ففي الإمارات نسبق الأسئلة قبل أن نبحث عن إجابات، فما يحدث لدينا في أصله يعد استثماراً في صحة الإنسان الذي يعيش على هذه الأرض، قبل أن نعالج ما يصيبه، وهو ما يطلق عليه «جودة الحياة»، أي تعزيز العافية الهدف الأسمى المنشود. وبالفعل ومنذ إطلاقه كاستراتيجية في إمارة أبوظبي، ونحن نشهد توسعاً ملحوظاً في المساحات الخضراء في كل مدن إمارة أبوظبي الجديدة، رافقها تزايد عدد مسارات المشي ومرافق الرياضة العامة المتاحة للجميع. غير أن البحر الذي كان دوماً جزءاً أصيلاً من تكوين المكان وسبب بقائه بما مثله من مصدر رزق وحياة، بقي في معزل عن كل هذه التغيُّرات الحيوية، في وقت كان يجب أن يصبح امتداداً طبيعياً لمشروعنا الحضاري، عبر اعتباره مساحة يومية للصحة والتوازن وجودة الحياة.…
الثلاثاء ٢١ يوليو ٢٠٢٦
يرتكز الإعلام السياسي، خاصة في القنوات الإخبارية، على قاعدة مهمة: «ليس الهدف أن يسمعنا الآخر، بل أن يستمع إلينا»، فالسماع قد يحدث دون انتباه، أما الاستماع فهو فعل واعٍ يعكس اهتمام المتلقي وثقته بما يُقدم إليه. لذلك لا يقاس نجاح الوسيلة الإعلامية بمجرد وصولها إلى الجمهور، بل بقدرتها على التأثير في فهمه، والمساهمة في تشكيل قناعاته، وكسب ثقته على المدى الطويل. وإذا فشلت الوسيلة الإعلامية في التأثير، أصبحت رسائلها مجرد محتوى عابر لا يغيّر رأياً، ولا يصنع قناعة، ولا يدفع المشاهد إلى إعادة النظر في موقفه. وقد تحقق انتشاراً واسعاً أو تحصد ملايين المشاهدات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها نجحت في أداء رسالتها، فالمصداقية ليست في ما يُبث، بل في ما يبقى في ذهن المتلقي بعد انتهاء البث. يتكوّن المشهد التلفزيوني الإماراتي من أربعة مكونات رئيسية، لكل منها جمهوره، وأهدافه، ورسائله، ودوره في المنظومة الإعلامية الوطنية. المكون الأول هو القنوات الموجهة لمواطني دولة الإمارات. وتمتلك كل إمارة تقريباً قنواتها…
الجمعة ١٧ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: قرأتُ منشورًا لأحد الأصدقاء، يطرح فكرةً جديرةً بالاهتمام والتفكيك، فحواها أن الصبر هو مقياس الحُبّ والسعادة في العلاقات، كصبر الزوج على زوجه، والأم على تربية أبنائها، والأب على مشاق العمل ومتطلبات الحياة. وضرب الكاتب مثالَين: أولهما حادثة قصعة الطعام التي أوقعتها أمنا عائشة غيرةً، ورد فعل رسولنا الكريم الصبور والمتفهّم، وثانيهما قصة سيدنا موسى والعبد الصالح التي ذُكِرَت في القرآن الكريم، والتي وضع فيها العبد الصالح الصبر شرطًا رئيسًا للسماح لسيدنا موسى باتّباعه. مرتبة الصبر في سلم الأولويات: في تقديري، لا تستقيم الحياة الزوجية بالصبر فقط، فالصبر وحده ليس مقياسًا ولا أولويةً ما لم يرتبط بمعايير أخرى، كرصيد الطرف الآخر، وطبيعة السلوكيات والمواقف التي نواجهها. إن العلاقات الإنسانية تُبنى على التراكم والتبادلية، وحين يبدر خطأٌ أو مسلكٌ مسيءٌ من شريكٍ يملك رصيدًا من المودة، والتفهم، والدعم الممتد، يكون الصبر هنا مظهرًا من مظاهر الوفاء والتقدير لـ "المعدن الأصيل".…
الجمعة ١٧ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: ينشغل العالم بالذكاء الصنعي وإنجازاته، فيتغنى عالم الطب بالتقدم الذي يمكن تحقيقه على صعيد شفاء بعض الأمراض المستعصية، إضافة لتطور نوعي بشكل عام، كذلك فإن تقدماً هائلاً حصل في مجالات عدة من برمجيات وإعلام واقتصاد وتعليم وغيرها، لدرجة أن هنالك من يحذر من احتمال تطوير أنظمة فائقة القدرة لا يمكن السيطرة عليها مستقبلاً. ربما نشعر بشيء من الفخر لما توصل إليه الإنسان، سواء كنا مشاركين أو متفرجين أو مستهلكين، (أصنف نفسي ضمن الجماعة الثالثة)، ونتفاءل خيراً حين نرى جيل الشباب في بلادنا مندفعين لنهل العلم بأقصى ما يستطيعون من جد واجتهاد، إلا أن كثيراً من الخيبة تجتاحنا عندما نرى ونسمع بعض ما يشد الركب إلى الوراء، فهذا شاب يدعو إلى عدم خروج النساء من بيوتهن، ولا داع لتعلمهن أو ليتعلمن على يد نسوة في البيوت، وإن اضطرت إحداهن لعلاج ما، فستجد "كافرة" تعلمت لتذهب إليها. ولو أن الأمر بقي قيد…
الخميس ١٦ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: قبل نحو عشرين عاماً، كانت نافذة شقتي على شارع الشيخ زايد تطل على هيكل حديدي يزحف نحو الأعلى ببطء. لم يكن أحد متأكداً إلى أين ينتهي، ولا كان الرقم النهائي معلناً. كل أسبوع أجد طابقاً جديداً قد أُضيف، ثم أنصرف إلى يومي. كان السؤال الذي يتردد في المجالس آنذاك سؤالاً معقولاً: كيف يُبنى أعلى برج في العالم في الصحراء؟ لم يكن اعتراضاً على الطموح، بل على الجغرافيا. الرمل لا يحمل، والحرارة لا ترحم، والمسافة إلى كل شيء بعيدة. ثم توقف الارتفاع، فوجدت نفسي أنظر من نافذتي إلى أعلى بناء في العالم. ما تعلمته من تلك التجربة أن الفارق بين الحلم والمشروع ليس في الفكرة، بل فيمن يحملها. الأفكار الكبيرة كثيرة، وأكثرها يموت في اجتماع أو ينام في درج. والفكرة لا تصبح واقعاً إلا إذا وجدت قيادة تؤمن بها، وتحميها من البيروقراطية، وتتابعها حتى تقف على قدميها. ولهذا صارت…
الإثنين ١٣ يوليو ٢٠٢٦
أدين لمدرس لغة عربية، لا أظن أن ذاكرته اليوم تحتفظ حتى باسمي، بأثرٍ ما زلت أعيشه. قرأ يوماً نصاً كتبته، ثم قال جملة عابرة بقيت معي سنوات. لم يكن يعلم أنه لم يشجع طالباً على موضوع تعبير، إنما وضع حجراً صغيراً في طريق ما زلت أسير فيه. كلما تذكرته، لم يشغلني ماذا قال، بقدر ما شغلني كم شخصاً مرّ في حياتنا وغيّرها دون أن يعلم، ثم مضى تاركاً أثراً سيعيش بسنوات. أغرب ما في الأثر الإنساني أن صانعيه لا يعرفون غالباً أنهم صنعوه. قد لا يتذكرون أسماءنا، وربما رحلوا وهم يظنون أنهم لم يتركوا خلفهم سوى مرورٍ عابر. وربما نحن أنفسنا كذلك: أثرٌ في حياة أحدهم، لا نعرف أننا تركناه، لكن الإنسان لا يغيّر الآخرين دائماً بقصد. في الماضي، كان من السهل أن تضع الحياة في طريقنا من يغيّرنا: معلم، أو كتاب يقع في أيدينا صدفة، أو صديق يختلف عنا، أو رحلة، أو خسارة قاسية. لم تكن تلك اللقاءات جزءاً…
الأحد ١٢ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: حين غدر صدام حسين ونظامه، في لحظة حماقة، بدولة الكويت الشقيقة، وباغتوها ذات فجرٍ مشؤوم، لم تتردد الإمارات لحظة، فقد كانت على أهبة الجاهزية لنصرة الأشقاء، حيث ارتدى الشيخ الشجاع بدلته العسكرية، وأخذ، مع قادة جيش بلاده، يجهّز الصفوف استعداداً للمشاركة في معركة التحرير. هذا الموقف لم يكن عابراً، بل عقيدة راسخة: الكويت شقيقة، ودمها من دمنا. مرّت السنون، وتبدّلت الوجوه والملفات، لكن الثابت الوحيد لم يتبدّل؛ فقد كان صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، وما زال، حاضراً مع الكويت في أوقات الرخاء وأوقات الشدة. هو القائد الكبير الوفيّ لأصدقاء بلاده، فما بالك بدولةٍ شقيقة تجمعنا بها وبأهلها تاريخ من المحبة والتعاون والتآزر. وقد جاءت زيارة سموّه، مؤخرًا، للكويت، في توقيتٍ بالغ الدقة، وسط ظروف إقليمية تتسم بحساسية أمنية متزايدة، لتحمل رسالة واضحة تؤكد ثبات الموقف وصلابة الالتزام، وتعكس نهجًا راسخًا في الوفاء بالأشقاء. ولم تكن هذه الخطوة مستغربة من قائدٍ واجه بحزم كل…
الأحد ١٢ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: ما لهذا العنوان من صلة مباشرة بالفيلسوف الأندلسي، وقاضي قرطبة الألمع، ابن رشد، وكتابه الرائع "تهافت التهافت"، إلا في حدود ولعي بابن رشد وزمانه، والبيئة التي كتب فيها، وانتصاره للفلسفة وروحها السامية. جاء كتابه ردّاً تفكيكيّاً بالغ الذكاء على الآليات الجدلية التي اعتمدها الغزالي في "تهافت الفلاسفة"، حيث برهن على خلو كثير منها من الصرامة العلمية اللازمة، واعتمادها على المغالطات السفسطائية لتحقيق انتصارات خطابية، وتلبيس الخصم وإلزامه ما لا يلزم، مؤكداً أن الفيلسوف الحقيقي يطلب الحق، ولا يسعى إلى إسقاط خصومه بالمصادرات اللفظية.. ومن خلال هذا التفكيك، شيد ما يمكن أن نسميه "أخلاقيات الحوار"، القائمة على الأمانة في النقل، ومقارعة الحجة بالحجة وفق شروط القياس البرهاني، رافضاً الخلط بين المنهج الخطابي الإقناعي الموجَّه للجمهور، والمنهج البرهاني الخاص بالراسخين في العلم، ليختتم بحثه الأنيق بالانتصار لقانون السببية وضرورة العقل، وعدم تعارض الفلسفة مع الدين. ظل عنوان كتابه يطرق ذهني، وأنا ما…
الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: سألتني ابنتي - كثيرةُ الأسئلة - ذات يوم: ماذا لو ناديتكِ (ميرة)، وليس (ماما)؟! كانت المرة الأولى التي أسمع فيها ابنةً تنادي والدها باسمه، في مسلسل (ليالي الحلمية)، حيث دأبت (قمر) على مناداة (زينهم) باسمه المجرّد. لم يبدُ لي الأمر حينها مستهجَنًا، رغم أنه غير مألوف ويكسر القالب الاجتماعي المعتاد، ولم أتوقف عنده كثيرًا، ولا عند مواقف مشابهة تكررت لاحقًا في القليل من الأعمال الفنية. لكنني توقفت أمام سؤال ابنتي. كنت أعلم أنه سؤالٌ ضمن الكثير مما يزدحم به رأسها، وقد لا يتكرر طرحه، لكنني وجدت نفسي أتمعّن في أبعاد السؤال: ماذا لو نادتني (ميرة) وتراجعت (ماما) إلى الخلف؟! ما معنى (ماما) أصلًا؟! هل هي تعريفٌ يحدد صلة هذه البنت بي وبالعالم، كوني ملاذها الأول الذي تنضوي في حضنه؟ أم استحقاقٌ نابعٌ من تحمل مسؤولية الوفاء بمتطلبات هذه الرسالة من رعايةٍ وتربيةٍ والتزامٍ حقيقيٍ تجاهها؟ أفهم…