عبدالله القمزي
عبدالله القمزي
كاتب إماراتي

الكتاب الإلكتروني مظلوم

الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٠

كلما أفتح صفحات الثقافة بالصحف المحلية أجد موضوعاً يتكرر كثيراً، الكتاب الورقي يتفوق على الإلكتروني. أرى تحيزاً شديداً ضد الكتاب الإلكتروني، وعدم تقدير لوجود هذا الاختراع بين أيدينا. أيهما أهم الكتاب الورقي أم الإلكتروني؟ حتى لو رجَّحت المبيعات كفة الورقي، فإن المنطق - من وجهة نظري - مع الإلكتروني.. لماذا؟ شخصياً.. كنت ضد الكتاب الإلكتروني منذ ثلاثة أعوام فقط، لكن الانطباع الأول يصنع العجائب. في منتصف صيف هذا العام، أردت التحقق من معلومة، ومن خلال بحث سريع على «غوغل»، وجدت عنوان كتاب مفصل عن الموضوع الذي أبحث فيه. للعلم لم أكن في البداية أبحث عن أي كتاب. السؤال: هل أشغل سيارتي وأذهب إلى المكتبة الكبيرة في «دبي مول» لأسأل عنه. أم أبحث عنه في موقع المكتبة الإلكتروني؟ أم أطلبه بالإنترنت، وأنتظر يومين حتى يصل؟ ولو كان غير متوافر سيصل بعد أسبوع أو 10 أيام. السؤال قادني إلى آخر: في حال عدم توافره، هل من المعقول أن أنتظر كتاباً 10 أيام وأنا في 2020؟ فتحت تطبيق «غوغل» للكتب الإلكترونية، ووجدت الكتاب بنصف قيمته، واشتريته بكبسة زر في خمس ثوانٍ بالضبط. في تلك اللحظة بالضبط، انحزت بالكامل للكتاب الإلكتروني، وهذا ما يسمى المنطق في هذا الزمن. لا يهمني إن كانت الكتب الورقية حققت مبيعات بمليارَيْ دولار، والإلكترونية لم تتجاوز المليارين. لا يهمني…

داء الجاحدة

الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠

كانت هناك امرأة جاحدة تعمل في شركة للأدوية، لم تكن الجاحدة محبوبة من زملائها لأنها غدرت بهم في مواقف كثيرة وتآمرت عليهم، كانت هي الأقدم في تلك الشركة، وكان مطلوباً منها تدريب الموظفين على نظام العمل. كان الموظفون يعلمون أن تدريبها لهم يتناول الأساسيات فقط، أما بقية التفاصيل المعقدة فكانت تتطلب مهارات وجهداً شخصياً منهم، تتذمر الجاحدة كثيراً وهي تعلّمهم وتمنّ عليهم، وأحياناً تصفهم بالجهلة، وفي المقابل كانوا هم يتندرون عليها لأنها لم تتقدم قيد أنملة في عملية تطوير مهاراتها. فوّتت الجاحدة فرصاً كثيرة لتطوير ذاتها، وكانت تتجاهل الدورات التدريبية، ولهذا السبب ارتقى الجميع بمهاراتهم ومناصبهم وبقيت هي تراوح مكانها. وقع خلاف بين مدير أحد الأقسام ومدير المختبر، وكان مدير المختبر غليظ الطباع، شرساً جداً، عُرف عنه الاعتداء السافر على زملائه، دخل مدير المختبر إلى مكتب مدير أحد الأقسام وسكب مادة كيميائية على وجهه. أُدخل مدير أحد الأقسام إلى المستشفى وغضب رئيس الشركة غضباً شديداً وأوقع أقسى عقوبة بحق مدير المختبر، وهي فصله من العمل وتحويله إلى السلطات. تضامن جميع موظفي الشركة مع مدير أحد الأقسام، إلا الجاحدة، أصرت على الوقوف مع المعتدي وسط دهشة واستنكار الجميع، لأن مدير أحد الأقسام هو المتعاطف الوحيد معها، وهو الذي تدخل عند رئيس الشركة عندما حاول الأخير إنهاء خدماتها بسبب كثرة الشكاوى ضدها.…

قصة صاحبنا

الأحد ٢٣ أغسطس ٢٠٢٠

استيقظ صاحبنا من نومه في صباح يوم ما وقرّر ألا يذهب إلى العمل. وبعد أن أمضى يومه في التسكع عاد إلى البيت ونام واستيقظ ثاني يوم وقرّر ألا يعود إلى العمل. لم يعطِ سبباً معيناً لكنه لام هذا وذاك. مرت الأيام وتوقف راتبه بعد تغيبه عن العمل. وصلته الفواتير الشهرية فأخذ يسددها من جيوب الأصدقاء. مرت خمسة أشهر وطالبه مالك مسكنه بدفع الإيجار، فذهب إلى صديق وأخذ المبلغ بداعي أنه لا يعمل وسدده لصاحب المسكن. مرت سنة وبزغت في ذهنه فكرة عمل تجاري فطرحها على صديق مستثمر فأعجبت الأخير، وأخذا يضعان خطة عمل. وعندما وصلا مرحلة التنفيذ، طلب من المستثمر أن يمول رحلته إلى دولة أخرى بها مصنع بإمكانه صنع المنتج ونال ما أراد. عاد إلى مسكنه، فوجد فواتير الإيجار، فأخذها إلى صديقه المستثمر في العمل التجاري المحتمل، وطلب منه تسديد الفواتير حتى يتمكن من تطوير الفكرة والذريعة أن الفكرة ناجحة جداً لو طبقت وصاحبنا لا يستطيع التفكير بشكل صحيح وفاتورة المسكن تؤرقه. فكان له ما أراد. بعد ستة أشهر، أي عامين منذ تركه عمله، طلب صاحبنا مبلغين، الأول لإضافة تعديلات على المنتج والثاني لإيجاره. دفع المستثمر المسكين المبلغين لصاحبنا لكنه قال له هذه المرة الأخيرة ولن تحصل على شيء لأن المشروع لم يتقدم قيد أنملة. شعر صاحبنا بالامتعاض وذهب…

«تويتر».. المحتوى العربي والدجاج المقلي!

الأحد ٢٦ يناير ٢٠٢٠

ذكرنا مراراً وتكراراً أن المحتوى العربي على الـ«سوشيال ميديا»، باختلاف منصاته، كارثة ولا يمكن الخروج منه بأي فائدة، وذلك بسبب حالة الخواء الفكري والثقافي التي تعيشها المجتمعات العربية، والتي أفرزت الكثير من الأمراض النفسية، أبرزها الاستعراض. قلنا إن «تويتر» يشبه ملتقى النخبة والصعاليك، في مقال سابق، ونزيد هنا أن الحال لم تتغير، ومازلت على رأيي نفسه. هناك نوعان من المستعرضين على «تويتر»: المكشوف والمستتر، الأول لسنا بحاجة إلى شرحه لأنه لو اشترى أي شيء من الإنترنت سيعلن الخبر فوراً، أو تجده يخوض في ما لا يعنيه بشكل فج، أما الثاني فهذه سماته: أولاً، أغلب تغريداته عربية ثم يغرد باللغة الإنجليزية بشكل مفاجئ، وكلامه لو نسخته ووضعته في «غوغل» ستعلم فوراً من أين أتى به. ثانياً، يغرقك في البديهيات لأنه أستاذ في مجاله! ينتقد ما يسميه جمود مجال معين ثم يشرح لك رؤيته، وهذا من حقه، لكن عندما يتجاوز الشرح 10 دقائق، في فيديو يحمّله على حسابه، وكل محتوى الفيديو بديهيات وليس أي معلومة جديدة، فاعلم أنه لا يحمل رؤية، وإنما يتفلسف ويستعرض. البديهيات من نوع: الشمس تشرق من الشرق وعجلة السيارة تدور، والعسل يأتي من النحل، والأسطوانة تتكرر مع كل فيديو و هلم جرا. ثالثاً، ينتقد شيئاً ما بوضع نفسه بطلاً لقصة مختصرة في تغريدة، وحتى ما ينتقده ليس جديداً،…

نهاية السينما والفيلم الأخير

الأحد ٣١ مارس ٢٠١٩

نهاية السينما موضوع جدلي قسّم الجمهور إلى رأيين، الأول يرى أن السينما باقية لكن طريقة العرض تغيرت. والثاني فريق المدرسة القديمة ويقول إن الفيلم يجب أن يعرض في السينما فقط كي يستحق التسمية على الأقل. وصل الانقسام إلى كبار مخرجي هوليوود، مثل ستيفن سبيلبيرغ ومارتن سكوسيزي وريدلي سكوت. لا أريد التحدث بلغة الأرقام الجافة وإنما سأعرض الموضوع بشكل يفهمه الجميع. نعم، السينما كما عرفناها انتهت، هذا واقع والعلامات كلها ظهرت في هذا العقد تحديداً أكثر من أي عقد مضى منذ بروز أول تحدٍ في الخمسينات على شكل التلفاز. 1- ظهور الهواتف الذكية وأجهزة «آي باد» على شكل ملايين الشاشات الصغيرة جذبت الجماهير بشكل كبير، خصوصاً صغار السن لأنها تعرض محتوى حسب رغبة المستخدم ووقته وليس العكس. 2- بروز منصات متخصصة في عرض الأفلام على الإنترنت مثل نتفليكس وأمازون برايم وهولو، وحتى هذه المنصات أصبحت تتحدى السينما بعرض محتوى أصلي لا تجده إلا عليها. 3- تفوق النصوص التلفزيونية على السينمائية، ما تسبب في انتقال أصناف سينمائية معروفة إلى التلفزيون، أهمها صنف الملاحم التاريخية (لعبة العروش) وصنف الجريمة (CSI وBreaking Bad) وغيرهما، وصنف السياسة والجاسوسية (24 وهوملاند وهاوس أوف كاردز). 4- انتقال مخرجين معروفين إلى تلفزيون الإنترنت، مثل سكورسيزي الذي صرح بأن تلك المنصات تمنحه حريات إبداعية أكثر من الاستوديوهات التقليدية التي…

مكالمة 1971

الخميس ٠٦ ديسمبر ٢٠١٨

وردنا اتصال من رقم 1971، وكانت مكالمة مسجلة بصوت صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، يهنئ الشعب باليوم الوطني المجيد لدولتنا الإمارات العربية المتحدة الحبيبة حماها الله. لم يكن حدثاً اعتيادياً أبداً، وهذه أول مرة نتلقى فيها اتصالاً من حاكم يهنئنا بهذه المناسبة. هذا المقال تحليل لهذه المبادرة، وتقديم قراءة سلوكية، لأنها استوقفتني، وأصبحت حديث الشعب خلال إجازة اليوم الوطني. نص المكالمة: «السلام عليكم.. معاكم محمد بن راشد.. حبيت أهنيكم بشكل شخصي بالعيد الوطني، وأتمنى لكم أيام سعيدة.. وأتمنى للوطن أيام مجيدة.. ونحن مستمرين في العمل من أجلكم ومن أجل الوطن.. وربي يحفظكم ويحفظ أهلكم ويحفظ دولة الإمارات..» انتهى. فكرة المكالمة الهاتفية جديدة كلياً، ومن خارج الصندوق كما يقال، سموه لم يرسل بريداً إلكترونياً ولا رسالة نصية، بل هي مكالمة وذلك يعكس حرصاً منه شخصياً على التواصل الشخصي بأسلوب حي من رقم يمثلنا جميعاً، رقم 1971 هو رمز البيت المتوحد، رقم نعشقه جميعاً، ونفتخر به، لأنه يذكرنا بقيام هذه الدولة المجيدة. الاتصال كان بصوته وكلماته. يبدأ سموه بالسلام والتعريف عن نفسه دون استخدام لقبه، وهذا يعني أنه يحدثنا كمواطن إماراتي بعيداً عن البروتوكول دون أي تصنع. قال «معاكم محمد بن راشد»، وهو أسلوب الشخصية العربية تاريخياً، وحتى اليوم في شبه…

سياحة المطاعم

الأحد ١٨ نوفمبر ٢٠١٨

عندما تقرّر السفر إلى مدينة زارها غيرك من الأهل أو الأصدقاء، فإنك عادة تطلب منهم قائمة بأهم الأماكن التي يتوجب عليك زيارتها. نفس الشيء ينطبق على السياحة الداخلية، فعند افتتاح مَعْلم سياحي جديد في الدولة فإن الناس تضعه في قائمة مقترحاتها. قبل التوجه إلى لندن، لم أطلب من أحد اقتراح أماكن للزيارة لأني أعلم بالضبط ما أريد، لكن بسبب لطف الناس، خصوصاً الأقارب، فإنهم وضعوا قوائم بأهم الأماكن، وصلتني أكثر من قائمة وعندما راجعتها وجدتها كلها عبارة عن مطاعم فقط. بالمقارنة مع الرحلة السابقة إلى فرنسا، التي كانت قبل لندن بـ12 يوماً فقط، نظمها مكتب حكومة ليون السياحي، فلم تحتوِ على مطعم واحد، وهذا أكثر ما لفت نظري.. نظرة الغربي إلى السياحة تختلف اختلافاً جذرياً عن نظرة العربي، خصوصاً الخليجي. الغربي يهتم بالتعرف إلى أي مدينة يزورها، ويريد التعرف إلى قيمتيها التاريخية والثقافية وإرثها الحضاري، العربي والخليجي، بشكل عام، يريدان المقاهي والشيشة والتسوق والمطاعم والمتنزهات والملاهي، وهناك دائماً استثناءات. في الأماكن السياحية بلندن وفرنسا، التي يؤمّها الأوروبيون والغربيون عموماً، ومعهم الروس واليابانيون وحتى الإسرائيليون، لا تجد بينهم عربياً واحداً! و في تلك الأماكن تتوافر ترجمة بكل اللغات، باستثناء اللغة العربية، وهذا أكبر مؤشر إلى أن العرب لا يذهبون إليها. بالمقابل، قررت تجربة بعض المطاعم من تلك القائمة، لكني لم أجد…

«تويتر» وقضايا الرأي العام

الخميس ٢٧ سبتمبر ٢٠١٨

من سمات العقد الثاني من القرن الـ21 ظهور منصات سوشيال ميديا، وسحبها البساط من تحت الصحف في ما يتعلق بصميم صناعة الأخبار. أحبّ صنّاع الخبر منصة التغريدات وتوجهوا إليها بشكل مباشر. اختلف الترتيب وأصبحت الصحف هي التي تنقل عن «تويتر»، وليس العكس الذي كان متبعاً منذ أقل من 10 سنوات. استقطب «تويتر» الجميع من صانع القرار والمثقف إلى الصعاليك، وحتى الأطفال الذين لا يعرفون الفرق بين التاء المفتوحة والمربوطة. اتسعت رقعة المجتمع الافتراضي، وخُيّل إلينا أننا جميعاً متواجدون في ذلك العالم. البعض يراه منصة حرة لإبداء الرأي، وآخر يراه أداة شريرة لإفساد المجتمع، وبينهما من يراه من منظور تقني بحت. عندما يصدر خبر عادي وليس بالضرورة مثير للجدل، لكنه مثلاً يؤثر في أفراد المجتمع، سواء في أميركا أو هنا في الدولة، ولنعتمد مثال الدولة، فإن الجميع يحتشدون في «تويتر» ويبدون آراءهم، ويتحول الخبر إلى قضية رأي عام. الجهة المسؤولة إما تغرد بتوضيح أو تتجاهل المسألة ويبقى الأمر غامضاً. المتابع يضيع وسط الجدل الدائر لعدم وجود الوسيط الذي ينظم المسألة. هذا النوع الأول من قضايا الرأي العام على «تويتر». النوع الثاني: تصدر جهة قراراً يخص فرداً ارتكب خطأ دون توضيح الملابسات الكاملة لما حصل. مثلاً فصل المواطن الوحيد في إدارة أو قسم أو مؤسسة لارتكابه مخالفة. تصدر الجهة قرار الفصل، ويعتبر…

اقتصاد الإدمان (3)

الخميس ١٣ سبتمبر ٢٠١٨

قد تستغرب عندما تمرّ بمقهى راقٍ في مركز تجاري، مثل دبي مول، وترى طابوراً على ذلك المقهى. أنت تعلم في قرارة نفسك أن القهوة التي يبيعها هذا المقهى لا تختلف كثيراً عن تلك التي يبيعها المقهى المجاور. ربما يكون لدى هذا المقهى حلويات جيدة، لكنها لا تعجب الكل بالضرورة، ويوجد لها نظير في المقاهي الأخرى. المؤثر من يستطيع تكوين أو توجيه رأي عام، أو يغير فكراً سائداً، أو يأتي بطريقة تفكير جديدة. وحتى الأطباق ليست بالضرورة محصورة لديه، إذاً فلماذا الطابور؟ قف لمدة 10 دقائق وربما أقل، وراقب سلوك الناس، ستجد صنفين بارزين: الأول: نصف مجموعة تتحدث، ونصفها الآخر لا يشارك. الثاني: مجموعة لا يتحدث أعضاؤها لأنهم مشغولون بهواتفهم الذكية. نعود للطابور الذي تفسيره واحد: سوشيال ميديا! فكل هؤلاء يريدون مشاركة أصدقائهم وأحبابهم تلك الصورة الجميلة الرائعة، صورة يتهافت عليها الجميع ويغمرونها باللايك، والتعليقات المنبهرة بالشيء العجيب والغريب والمذهل الذي فعله ملتقطها! فهو، أو هي، لم يذهب إلى قمة إيفيرست ليأكل كعكة! وحتماً ليس في القطب الشمالي يحتسي قهوته بجانب دب. الصورة الجميلة العجيبة المبهرة هي لكعكة وكوب كابتشينو، أو حتى شيء متوافر في المنازل، مثل فنجان قهوة عربية. شاب، أو شابة، التقطها وحملها على حسابات السوشيال ميديا! هذا هو الجانب الآخر من العلاقة بين شركات التقنية والمستخدمين: وهو إدمان…

اقتصاد الإدمان (2)

الخميس ٠٦ سبتمبر ٢٠١٨

لا يدرك معظم الناس مقدار الوقت الذي يمضونه مع هواتفهم الذكية، وغالباً ما يقللون من شأن الأمر، وينفون عنهم صفة الإدمان، وهذا ما يسمى نقص الوعي الذاتي. بعد اختراع تطبيقات احتساب الوقت «المحروق» على الهواتف الذكية، اتضح أننا بالمعدل العام نتفحص هواتفنا مرة كل ست دقائق، أو 150 مرة في اليوم. حتى عندما يكون جهازك بجانبك على طاولة، فإن انتباهك يتشتت بمجرد وجوده بقربك، حتى وأنت مشغول بأمر آخر. وما يضعف تركيزك أكثر هو سماعك لرنات التنبيهات، أو الاهتزازات في حال لم توقف خاصية تشغيلها. وفي أقل من عقدين، هبطت نسبة تواصلنا الطبيعي وجهاً لوجه مع الأهل والأصدقاء بنسبة 30%. لا أريد أن يفهم كلامي بأني ضد التقنية، وأعرف تماماً مدى أهمية هذا الجهاز في حياتنا، ودوره في تسهيل أسلوب الحياة ودورة العمل. لكننا غير مدركين عواقب سلوكنا السلبي الجديد الناتج من وجود هذا الاختراع بين أيدينا، ومعظم مستخدمي الهواتف الذكية ينكر بشدة حقيقة تشتته بسبب هذا الجهاز. هذا بالضبط سبب امتلاك شركات التقنية صناعة الإعلانات الرقمية، فهي تحصل على المليارات من المعلنين حول العالم، وتمتلك كل المعلومات التي تحتاج إليها عن المستخدمين وفي الوقت نفسه ابتكرت كل ما من شأنه أن يؤدي إلى ضمان التصاق المستخدم بهاتفه الذكي. الإدمان انتقل حتى إلى أطفالنا، فمن يستطيع إطعام طفله أو إسكاته…

اقتصاد الإدمان

الخميس ٣٠ أغسطس ٢٠١٨

كان يوم العيد خير شاهد على التغيّر الذي طرأ على سلوكنا ابتداءً من هذا العقد. الكل مطأطئ رأسه وعينه على شاشة هاتفه الذكي، والصمت يخيّم على الجميع، ما عدا همسات هنا وهناك. الملل هو دائماً أسوأ ما نتوقّعه، ونسعى لتجنّبه بشتى الطرق. في اليوم نفسه، ذهبت إلى مقهى في دبي مول، ولاحظت أن الشاب الجالس إلى الطاولة المجاورة لم يخرج من تطبيق «إنستغرام» مدة قاربت الساعة ونصف الساعة، بينما كان أصدقاؤه منهمكين في أحاديث. لو سألت أحد الزائرين في المجلس لماذا تشغل نفسك في الجهاز وتمتنع عن مشاركتنا الحديث؟ فسيقول لك الكلمة التي لم نعرفها سوى هذا العقد، وهي: العيد ملل، والعيد لم يكن كذلك قط منذ أن جئنا إلى هذه الدنيا. العيد ليس مُملاً، لكن هؤلاء يقولون ذلك لأنهم، في واقع الأمر، مدمنون على استخدام أجهزتهم الذكية أو ما يعرف بإدمان التقنية، وهنا أسباب الإدمان: أولاً، المكافأة: كلما تدخل إلى «فيس بوك» أو «إنستغرام» أو «تويتر» قد تجد 10 تنبيهات، آخر مشاركة لك على «إنستغرام» قد تحظى بـ20 لايك أو 200. نظام المكافآت هذا آسر لأسباب لا تحتاج إلى شرح، وهو ما يدفع المستخدم إلى العودة من أجل المزيد كلما خرج من التطبيق. أي تغذية مرجعية Feedback تأتيك فوراً وتتغير كل دقيقة، وهذا ما يتسبب في تكوين عقلية مشابهة…

الإعلانات تصنع نسختك الأفضل منك (2)

الخميس ١٦ أغسطس ٢٠١٨

ذكرنا في مقال سابق بتاريخ 30 مارس 2017 أن شركة جيليت لأدوات الحلاقة وأدوات العناية الشخصية، استخدمت عبارة ما يستحقه الرجال لترويج شفرات الحلاقة التي تصنعها. ومازلنا في سياق الحديث نفسه، حيث إن «جيليت» ربطت بذكاء بين منتجها والرجولة، وهي رسالة تصل إلى كل الشريحة المستهدفة من المستهلكين، ومن قوة العبارة لم تغيرها الشركة منذ عام 1989 حين أطلقتها خلال مسابقة السوبر بول الأميركية، وتُرجمت إلى 14 لغة. «جيليت» وكل الأمثلة التي ذكرناها في المقال السابق لم تأتِ بتلك الأفكار من فراغ، بل كان هناك ملهم واحد: شركة بيبسي كولا! إليكم القصة: عام 1957، شركة بيبسي تتخبط وتعاني أزمة هوية لا تعرف من تستهدف، ورغم كل الجهود التسويقية المبذولة إلا أن المنافس الشرس (كوكا كولا) كان طاغياً ومهيمناً على السوق. كان العيب في التسويق والعلامة التجارية وروح المنتج، كانت الشركة بلا شخصية ولا اتجاه، بينما كانت «كوكا كولا» تعيش عصراً ذهبياً بعد إقناع المستهلك الأميركي بأن مشروبها يمثل روح الحياة الأميركية، ووصل الأمر إلى توظيف شخصية سانتا كلوز (بابا نويل) في إعلاناتها، وهذه شخصية شعبية محبوبة جداً عند الشعب الأميركي. عام 1963، عينت «بيبسي» رجلاً يُدعى آلان بوتيش، كان صغيراً في السن لكنه معروف بعبقريته. كانت مهمته صعبة وهي إعادة إحياء علامة بيبسي والخوض ضد أقوى منافس في السوق: «كوكا…