آراء

السعد المنهالي
السعد المنهالي
كاتبة إماراتية

صناعة العافية

الأربعاء ٢٢ يوليو ٢٠٢٦

الحقيقة أننا نعيش مشروعاً وطنياً كبيراً بدأ منذ قامت دولتنا، وعهداً تؤكده القيادة الحكيمة يتحقق منه المواطن والمقيم كلما خرج من منزله ليومه، وذلك عبر التزامها ونجاحها في تحويل الصحراء إلى حدائق نابضة بالحياة. ففي الإمارات نسبق الأسئلة قبل أن نبحث عن إجابات، فما يحدث لدينا في أصله يعد استثماراً في صحة الإنسان الذي يعيش على هذه الأرض، قبل أن نعالج ما يصيبه، وهو ما يطلق عليه «جودة الحياة»، أي تعزيز العافية الهدف الأسمى المنشود. وبالفعل ومنذ إطلاقه كاستراتيجية في إمارة أبوظبي، ونحن نشهد توسعاً ملحوظاً في المساحات الخضراء في كل مدن إمارة أبوظبي الجديدة، رافقها تزايد عدد مسارات المشي ومرافق الرياضة العامة المتاحة للجميع. غير أن البحر الذي كان دوماً جزءاً أصيلاً من تكوين المكان وسبب بقائه بما مثله من مصدر رزق وحياة، بقي في معزل عن كل هذه التغيُّرات الحيوية، في وقت كان يجب أن يصبح امتداداً طبيعياً لمشروعنا الحضاري، عبر اعتباره مساحة يومية للصحة والتوازن وجودة الحياة.…

بين السمع والاستماع.. كيف يقاس نجاح الإعلام؟

الثلاثاء ٢١ يوليو ٢٠٢٦

يرتكز الإعلام السياسي، خاصة في القنوات الإخبارية، على قاعدة مهمة: «ليس الهدف أن يسمعنا الآخر، بل أن يستمع إلينا»، فالسماع قد يحدث دون انتباه، أما الاستماع فهو فعل واعٍ يعكس اهتمام المتلقي وثقته بما يُقدم إليه. لذلك لا يقاس نجاح الوسيلة الإعلامية بمجرد وصولها إلى الجمهور، بل بقدرتها على التأثير في فهمه، والمساهمة في تشكيل قناعاته، وكسب ثقته على المدى الطويل. وإذا فشلت الوسيلة الإعلامية في التأثير، أصبحت رسائلها مجرد محتوى عابر لا يغيّر رأياً، ولا يصنع قناعة، ولا يدفع المشاهد إلى إعادة النظر في موقفه. وقد تحقق انتشاراً واسعاً أو تحصد ملايين المشاهدات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها نجحت في أداء رسالتها، فالمصداقية ليست في ما يُبث، بل في ما يبقى في ذهن المتلقي بعد انتهاء البث. يتكوّن المشهد التلفزيوني الإماراتي من أربعة مكونات رئيسية، لكل منها جمهوره، وأهدافه، ورسائله، ودوره في المنظومة الإعلامية الوطنية. المكون الأول هو القنوات الموجهة لمواطني دولة الإمارات. وتمتلك كل إمارة تقريباً قنواتها…

قربانٌ على مذبح الصبر

الجمعة ١٧ يوليو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      قرأتُ منشورًا لأحد الأصدقاء، يطرح فكرةً جديرةً بالاهتمام والتفكيك، فحواها أن الصبر هو مقياس الحُبّ والسعادة في العلاقات، كصبر الزوج على زوجه، والأم على تربية أبنائها، والأب على مشاق العمل ومتطلبات الحياة.      وضرب الكاتب مثالَين: أولهما حادثة قصعة الطعام التي أوقعتها أمنا عائشة غيرةً، ورد فعل رسولنا الكريم الصبور والمتفهّم، وثانيهما قصة سيدنا موسى والعبد الصالح التي ذُكِرَت في القرآن الكريم، والتي وضع فيها العبد الصالح الصبر شرطًا رئيسًا للسماح لسيدنا موسى باتّباعه. مرتبة الصبر في سلم الأولويات:      في تقديري، لا تستقيم الحياة الزوجية بالصبر فقط، فالصبر وحده ليس مقياسًا ولا أولويةً ما لم يرتبط بمعايير أخرى، كرصيد الطرف الآخر، وطبيعة السلوكيات والمواقف التي نواجهها.      إن العلاقات الإنسانية تُبنى على التراكم والتبادلية، وحين يبدر خطأٌ أو مسلكٌ مسيءٌ من شريكٍ يملك رصيدًا من المودة، والتفهم، والدعم الممتد، يكون الصبر هنا مظهرًا من مظاهر الوفاء والتقدير لـ "المعدن الأصيل".…

“فليتلطف”

الجمعة ١٧ يوليو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      ينشغل العالم بالذكاء الصنعي وإنجازاته، فيتغنى عالم الطب بالتقدم الذي يمكن تحقيقه على صعيد شفاء بعض الأمراض المستعصية، إضافة لتطور نوعي بشكل عام، كذلك فإن تقدماً هائلاً حصل في مجالات عدة من برمجيات وإعلام واقتصاد وتعليم وغيرها، لدرجة أن هنالك من يحذر من احتمال تطوير أنظمة فائقة القدرة لا يمكن السيطرة عليها مستقبلاً.      ربما نشعر بشيء من الفخر لما توصل إليه الإنسان، سواء كنا مشاركين أو متفرجين أو مستهلكين، (أصنف نفسي ضمن الجماعة الثالثة)، ونتفاءل خيراً حين نرى جيل الشباب في بلادنا مندفعين لنهل العلم بأقصى ما يستطيعون من جد واجتهاد، إلا أن كثيراً من الخيبة تجتاحنا عندما نرى ونسمع بعض ما يشد الركب إلى الوراء، فهذا شاب يدعو إلى عدم خروج النساء من بيوتهن، ولا داع لتعلمهن أو ليتعلمن على يد نسوة في البيوت، وإن اضطرت إحداهن لعلاج ما، فستجد "كافرة" تعلمت لتذهب إليها.      ولو أن الأمر بقي قيد…

د. سليمان الهتلان
د. سليمان الهتلان
كاتب وإعلامي إماراتي

محمد بن راشد … من الحلم إلى الواقع

الخميس ١٦ يوليو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      قبل نحو عشرين عاماً، كانت نافذة شقتي على شارع الشيخ زايد تطل على هيكل حديدي يزحف نحو الأعلى ببطء. لم يكن أحد متأكداً إلى أين ينتهي، ولا كان الرقم النهائي معلناً. كل أسبوع أجد طابقاً جديداً قد أُضيف، ثم أنصرف إلى يومي.      كان السؤال الذي يتردد في المجالس آنذاك سؤالاً معقولاً: كيف يُبنى أعلى برج في العالم في الصحراء؟ لم يكن اعتراضاً على الطموح، بل على الجغرافيا. الرمل لا يحمل، والحرارة لا ترحم، والمسافة إلى كل شيء بعيدة.      ثم توقف الارتفاع، فوجدت نفسي أنظر من نافذتي إلى أعلى بناء في العالم.      ما تعلمته من تلك التجربة أن الفارق بين الحلم والمشروع ليس في الفكرة، بل فيمن يحملها. الأفكار الكبيرة كثيرة، وأكثرها يموت في اجتماع أو ينام في درج. والفكرة لا تصبح واقعاً إلا إذا وجدت قيادة تؤمن بها، وتحميها من البيروقراطية، وتتابعها حتى تقف على قدميها. ولهذا صارت…

جمال الشحي
جمال الشحي
كاتب و ناشر من دولة الإمارات

هل ما زلنا نلتقي بمن يغيّرنا؟

الإثنين ١٣ يوليو ٢٠٢٦

أدين لمدرس لغة عربية، لا أظن أن ذاكرته اليوم تحتفظ حتى باسمي، بأثرٍ ما زلت أعيشه. قرأ يوماً نصاً كتبته، ثم قال جملة عابرة بقيت معي سنوات. لم يكن يعلم أنه لم يشجع طالباً على موضوع تعبير، إنما وضع حجراً صغيراً في طريق ما زلت أسير فيه. كلما تذكرته، لم يشغلني ماذا قال، بقدر ما شغلني كم شخصاً مرّ في حياتنا وغيّرها دون أن يعلم، ثم مضى تاركاً أثراً سيعيش بسنوات. أغرب ما في الأثر الإنساني أن صانعيه لا يعرفون غالباً أنهم صنعوه. قد لا يتذكرون أسماءنا، وربما رحلوا وهم يظنون أنهم لم يتركوا خلفهم سوى مرورٍ عابر. وربما نحن أنفسنا كذلك: أثرٌ في حياة أحدهم، لا نعرف أننا تركناه، لكن الإنسان لا يغيّر الآخرين دائماً بقصد. في الماضي، كان من السهل أن تضع الحياة في طريقنا من يغيّرنا: معلم، أو كتاب يقع في أيدينا صدفة، أو صديق يختلف عنا، أو رحلة، أو خسارة قاسية. لم تكن تلك اللقاءات جزءاً…

د. سليمان الهتلان
د. سليمان الهتلان
كاتب وإعلامي إماراتي

حين يصبح الوفاء موقفاً: محمد بن زايد في الكويت

الأحد ١٢ يوليو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      حين غدر صدام حسين ونظامه، في لحظة حماقة، بدولة الكويت الشقيقة، وباغتوها ذات فجرٍ مشؤوم، لم تتردد الإمارات لحظة، فقد كانت على أهبة الجاهزية لنصرة الأشقاء، حيث ارتدى الشيخ الشجاع بدلته العسكرية، وأخذ، مع قادة جيش بلاده، يجهّز الصفوف استعداداً للمشاركة في معركة التحرير. هذا الموقف لم يكن عابراً، بل عقيدة راسخة: الكويت شقيقة، ودمها من دمنا. مرّت السنون، وتبدّلت الوجوه والملفات، لكن الثابت الوحيد لم يتبدّل؛ فقد كان صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، وما زال، حاضراً مع الكويت في أوقات الرخاء وأوقات الشدة. هو القائد الكبير الوفيّ لأصدقاء بلاده، فما بالك بدولةٍ شقيقة تجمعنا بها وبأهلها تاريخ من المحبة والتعاون والتآزر. وقد جاءت زيارة سموّه، مؤخرًا، للكويت، في توقيتٍ بالغ الدقة، وسط ظروف إقليمية تتسم بحساسية أمنية متزايدة، لتحمل رسالة واضحة تؤكد ثبات الموقف وصلابة الالتزام، وتعكس نهجًا راسخًا في الوفاء بالأشقاء. ولم تكن هذه الخطوة مستغربة من قائدٍ واجه بحزم كل…

تهافت التهافت

الأحد ١٢ يوليو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      ما لهذا العنوان من صلة مباشرة بالفيلسوف الأندلسي، وقاضي قرطبة الألمع، ابن رشد، وكتابه الرائع "تهافت التهافت"، إلا في حدود ولعي بابن رشد وزمانه، والبيئة التي كتب فيها، وانتصاره للفلسفة وروحها السامية.      جاء كتابه ردّاً تفكيكيّاً بالغ الذكاء على الآليات الجدلية التي اعتمدها الغزالي في "تهافت الفلاسفة"، حيث برهن على خلو كثير منها من الصرامة العلمية اللازمة، واعتمادها على المغالطات السفسطائية لتحقيق انتصارات خطابية، وتلبيس الخصم وإلزامه ما لا يلزم، مؤكداً أن الفيلسوف الحقيقي يطلب الحق، ولا يسعى إلى إسقاط خصومه بالمصادرات اللفظية.. ومن خلال هذا التفكيك، شيد ما يمكن أن نسميه "أخلاقيات الحوار"، القائمة على الأمانة في النقل، ومقارعة الحجة بالحجة وفق شروط القياس البرهاني، رافضاً الخلط بين المنهج الخطابي الإقناعي الموجَّه للجمهور، والمنهج البرهاني الخاص بالراسخين في العلم، ليختتم بحثه الأنيق بالانتصار لقانون السببية وضرورة العقل، وعدم تعارض الفلسفة مع الدين.      ظل عنوان كتابه يطرق ذهني، وأنا ما…

الجوهرُ الثابت

الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      سألتني ابنتي - كثيرةُ الأسئلة - ذات يوم: ماذا لو ناديتكِ (ميرة)، وليس (ماما)؟! كانت المرة الأولى التي أسمع فيها ابنةً تنادي والدها باسمه، في مسلسل (ليالي الحلمية)، حيث دأبت (قمر) على مناداة (زينهم) باسمه المجرّد.      لم يبدُ لي الأمر حينها مستهجَنًا، رغم أنه غير مألوف ويكسر القالب الاجتماعي المعتاد، ولم أتوقف عنده كثيرًا، ولا عند مواقف مشابهة تكررت لاحقًا في القليل من الأعمال الفنية.      لكنني توقفت أمام سؤال ابنتي. كنت أعلم أنه سؤالٌ ضمن الكثير مما يزدحم به رأسها، وقد لا يتكرر طرحه، لكنني وجدت نفسي أتمعّن في أبعاد السؤال: ماذا لو نادتني (ميرة) وتراجعت (ماما) إلى الخلف؟! ما معنى (ماما) أصلًا؟!      هل هي تعريفٌ يحدد صلة هذه البنت بي وبالعالم، كوني ملاذها الأول الذي تنضوي في حضنه؟ أم استحقاقٌ نابعٌ من تحمل مسؤولية الوفاء بمتطلبات هذه الرسالة من رعايةٍ وتربيةٍ والتزامٍ حقيقيٍ تجاهها؟      أفهم…

انتوا أهلها

الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      “انتوا أهلها كأنكم في أبوظبي”.. عبارة قصيرة قالها سمو أمير دولة الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، وهو يستقبل صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، لكنها حملت من المعاني ما يفوق الكلمات، واختصرت تاريخاً طويلاً من الأخوة والمواقف المشتركة بين البلدين.      لم تكن تلك الكلمات بروتوكولاً دبلوماسياً عابراً، بل كانت رسالة سياسية وإنسانية تعكس طبيعة العلاقة الاستثنائية بين الإمارات والكويت؛ علاقة لم تُبنَ على المصالح الآنية أو الحسابات المؤقتة، وإنما على الثقة والاحترام والمواقف التي صمدت أمام اختبارات التاريخ.      وجاءت هذه الزيارة في توقيت بالغ الحساسية تمر به المنطقة، حيث تتصاعد التوترات الأمنية وتزداد المخاوف من تهديدات الصواريخ الإيرانية ومحاولات زعزعة الاستقرار في الخليج العربي. وفي مثل هذه الظروف، تصبح الزيارات واللقاءات بين القادة أكثر من مجرد مناسبات رسمية، فهي تعبير واضح عن وحدة المصير وتماسك الصف الخليجي.      وجود الشيخ محمد…

د. سليمان الهتلان
د. سليمان الهتلان
كاتب وإعلامي إماراتي

مصر التي هزّت وجدان العرب!

الأربعاء ٠٨ يوليو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      لست من أولئك الذين يتابعون كرة القدم بشغف، ولا أدّعي امتلاك القدرة على تقديم تحليل فني للمباريات أو تقييم أداء المنتخبات. لكن بعض المباريات تتجاوز حدود الرياضة، وتتحول إلى لحظة إنسانية ووطنية تستحق المتابعة، وهذا ما دفعني إلى الحرص على مشاهدة مباراة مصر والأرجنتين على ملعب مرسيدس بنز في أتلانتا، ضمن دور الـ16 من كأس العالم.      لسبب يصعب تفسيره، أشعر دائماً أن المنتخب المصري ليس منتخب دولة شقيقة فحسب، بل فريق نمثّل جميعاً جزءاً من جمهوره. وأعتقد أن هذا الإحساس يشاركني فيه كثير من العرب. ففي كل مواجهة يخوضها المنتخب المصري أمام الكبار، يصبح الانتماء أوسع من حدود الجغرافيا، وتتحول المدرجات العربية، ولو كانت بعيدة، إلى مساحة تشجيع واحدة. في تلك اللحظات أشعر وكأنني أشجع فريقي الوطني؛ أصفق لكل هجمة، وأتوتر مع كل فرصة ضائعة، وأغضب مع كل قرار تحكيمي أراه مجحفاً، حتى أكاد أخاطب الحكم قائلاً: "اتق الله يا رجل!"  …

بين الرسالة والإرسال… حين تتآكل الحدود بين العمل والحياة

الأربعاء ٠٨ يوليو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      مع التطور التكنولوجي المتسارع، ودخول الأجهزة والتطبيقات في تفاصيل حياتنا اليومية، شخصيًا ومهنيًا، أصبح استخدامها أمرًا اعتياديًا يكاد لا يُلاحظ. لكن هذا الاعتياد لا يلغي أن هذه المساحات الرقمية تخضع، بدرجات متفاوتة، لأطر قانونية قد يجهلها كثير من المستخدمين، أو لا يدركون حدودها إلا عند وقوع الإشكال.      وقد يُفترض أن الأجهزة الشخصية تمثل مساحة خاصة، إلا أن هذا الافتراض ليس دقيقًا بالكامل. فالرسائل، أو إعادة إرسال المحتوى، سواء كان نصًا أو صورة أو ملفًا، قد تبدو تصرفات بسيطة، لكنها قد تترتب عليها آثار قانونية أو مهنية تبعًا لطبيعة المحتوى وسياق استخدامه.      فقد يعيد شخص توجيه رسالة أو صورة دون التحقق من صحتها، أو دون إدراك أبعادها، بينما يُفهم هذا التصرف لاحقًا خارج سياقه الأصلي، أو يُستخدم بطريقة تختلف تمامًا عما قصده مرسلها.      وفي الحياة اليومية، تتداخل الحدود بين ما نراه تواصلًا طبيعيًا، وما قد يتحول إلى تجاوز غير…