الإثنين ٣١ أغسطس ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: تحلقنا كمجموعة صديقات حول صديقتنا التي اكتشفت للتو خيانة زوجها لها، جلستْ تبكي وتثرثر تائهة في شعورها وقرارها. ذكرت في مجمل ما ذكرت عبارة حُفرت في لا وعيي أو ربما في وعيي دون أن ألقي لها بالاً حينها. قالت: "لا أريد أن أطلّق منه وأدّعي أنني قوية اليوم لأجدني بعد فترة وحيدة تعيسة أندب حظي وأسلّي أيامي بالانضمام لنوادي القراءة، لأمضي الوقت مع نساء تخلى عنهن المجتمع ولم يتبق لهن رفيق سوى الكتب." بعيداً عن مآلات صديقتي وقصتها وجدتني توقفت طويلاً أمام هذه العبارة. لا أقصد هنا أنها استوقفتني في حينها، ولكنها ولسنوات طويلة كانت تحضرني كلما هممت في الاشتراك في نادي قراءة. دُست هذه الكلمات في وجداني كبذرة لنبتة كبرت سامة، ولم أتبين وجودها في أعماقي إلا مؤخراً. فالصورة التي رُسمت في خيالي لأندية القراءة بأنها مجموعات تضم أشخاصاً لا يجدون لأنفسهم مكاناً في المجتمع. وأنا على النقيض فتاة منخرطة بقوة…
الأحد ٣٠ أغسطس ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: في زمن أصبحت فيه الحملات الإعلامية جزءاً من أدوات الصراع السياسي بين الدول، تتعرض الإمارات لموجات متواصلة من الانتقادات والاتهامات. بعضها يدخل في إطار النقد السياسي المشروع، وبعضها الآخر يتجاوز ذلك إلى محاولات لبناء صورة سلبية عن الدولة وسياساتها ودورها الإقليمي. لكن بعيداً عن ضجيج المنصات والسجالات السياسية، ثمة سؤال يستحق أن يُطرح: ماذا تقول الأرقام؟ فصورة الدول لا تصنعها فقط الروايات التي تُكتب عنها، بل النتائج التي تحققها، وقدرتها على جذب الاستثمار، وتنويع الاقتصاد، وبناء المؤسسات، والتأثير دبلوماسياً، والتحرك عندما تندلع الأزمات والحروب. ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو قصة الإمارات مختلفة إلى حد كبير عن الصورة التي تحاول بعض الحملات رسمها. اقتصاد يتجاوز النفط تكشف الأرقام الأحدث حجم التحول الذي شهده الاقتصاد الإماراتي. ففي عام 2025، نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 6.2 في المئة ليصل إلى نحو 1.9 تريليون درهم، فيما نما الاقتصاد غير النفطي بنسبة 6.8 في…
السبت ٢٩ أغسطس ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: سُئلتُ ذات يوم: كيف تكيّفتِ مع رحيلها؟! كانت سائلتي تصارع قلقها وخوفها من فقْد أمها، حفظها الله وبارك في عمرها. كان سؤالًا مباغتًا لم أتهيّأ له، ولم أفكر يومًا كيف يفترض أن أجيب عنه، ولعل ذلك ما جعل ردّي متلعثمًا هزيلًا حِرْتُ في صياغته برفقٍ لا يُثقل مخاوفها. خاضت أمي - رحمها الله - رحلة مرضٍ طويلة، زادت وطأتها مع مرور الوقت، وانتهت بغيبوبةٍ عزلتها عن العالم لمدةٍ تقارب السنة. كنتُ - أو هكذا ظننتُ - واقعيةً جدًا وأنا أشهدُ تعثّر رحلة علاجها، وأقنعُ نفسي - بهدوءٍ وعقلانية - بأن بعض الأمراض لا شفاء منها، وأنني في موقفٍ يختبر تسليمي بقضاء الله، ومن ثَمَّ قبول المرحلة التالية دون وَجَل، وكأني بها أهون مِن فَجْعِ الفجأة! نحن نتخيل حين نرافق مرضانا خلال رحلة معاناتهم، أو حين يُسلب منا حضورُ مَن نُحبُّ تدريجيًا، أننا ندرّب أنفسنا على التخفيف مِن الصدمة، فنظن أن التفكير المنطقي وقبول الحقائق الطبية وإقناع…
الجمعة ٢٨ أغسطس ٢٠٢٦
فى لقاءٍ مع إحدى الأُسر الصدِيقة، منذ أيام، والتى ضمَّت أكثرَ من خمسة أطفال، أعمارهم تبدأ من ثلاث سنواتٍ حتى الثانية عشرة، لم أسمع حوارًا واحدًا باللغة العربية بين الآباء والأمهات وأولادهم، وحين تحدَّثتُ إلى أحدهم- الذى تجاوَز العَشرَ سنوات- باللهجة المصرية؛ تحدَّث معى وكأنه أجنبيٌّ يتحدث العربية بصعوبة. ولا تنطبق هذه الظاهرة على أُسرة واحدة؛ بل تتكرر فى شرائحَ واسعةٍ، وتُنذر بخطرٍ أبعدَ من مجرَّد التحدث بلُغة عدَا العربية. ١ــ ماذا فعلنا بلُغتنا العربية، والأهم بهُوَيتنا؟ تواجِه معظمُ المجتمعاتِ العربية المعاصِرة تحوُّلاتٍ ثقافيةً عميقة، طالت البنْية الجوهريةَ للشخصية العربية، وعلى رأس هذه التحوُّلات أزمةُ تراجُع مكانة اللغة العربية، لصالح اللغات الأجنبية، ولا سيَّما الإنجليزية. منذ البداية، لستُ ضِد تعليم اللغات الأجنبية، بل أعرف أهميتها، لكن للأسف لمْ تعُد هذه الظاهرةُ مجرَّد تفضيل شخصيٍّ أو حاجة عمل؛ بل تحولتْ إلى منظومة اجتماعية متكامِلة، تبدأ من جدران المنازل، وتمُر عبْر غُرف الأطفال، مع المُربِّيات الأجنبيات،…
الخميس ٢٧ أغسطس ٢٠٢٦
«ترى الصعاب تطلِع معادن.. التحديات تخلي الناس تفرّق عن بعضها البعض، كل مشكلة يا عيالي، كل تحدٍّ فيه إيجابيات، بس لازم تنظر لها من جانب آخر». بهذه الكلمات المعبرة التي ألقاها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله، أمام أبنائه الطلبة، يرسخ مفهوم الدولة الوطنية الحديثة ومواجهة الصعاب والتحديات والأزمات بصورة نمطية خاصة تكاد أن تكون إماراتية بامتياز. فسموه يبرز كعلامة فارقة حين يكون الحديث عن القيادة في أزمنة المحن والأزمات، فهو نموذج قل نظيره في العصر الحديث لقائد جمع بين الحنكة والحكمة والقوة والثبات. فشخصه يمثل حالة استثنائية من صفات القائد التي تجذرت في الإرث وصُقلت بالتجارب. فأبوه الشيخ زايد، طيب الله ثراه، ذلك الزعيم الذي شكل مدرسة تستلهم منها الشعوب والأمم قيم الفضيلة والإنسانية والحكمة، وقد ورث الشيخ محمد بن زايد هذا الإرث القيم، وأضاف عليه من خبرته وتجاربه حتى أصبح زعيماً استثنائياً، ولا نغالي إذا ما قلنا إنه…
الثلاثاء ٢٥ أغسطس ٢٠٢٦
يظنّ الناس أن النرجسية فعل بُغْضٍ، فيقولون اجتنبوا هذه البئر، إنها أغرقت «نرجس»، بينما ليس كلُّ نرجسي أنانياً، ولا كلُّ أناني نرجسياً، لأن الإنسان الذي يخرج من الأنانية، ويذهب بعيداً نحو التلاشي، ويعتقد أن هذا جزء مهم من إنكار الذات، وتلك معضلة العقل عندما يتهوّر ويخور، ويقع في المحرمات الفكرية، ويضيع في متاهات صحراء لا حدود لتضاريسها. النرجسية عندما تغتسل بماء المكرمات، فإنما هي ذاتُ محبٍّ للحياة، عاشقة للآخر، منتمية إلى السماء والأرض من دون انعطاف خارج الرصيف، ومن انحراف على ظهر موجة عارمة، ومن دون اصطفاف يفرغ الوعاء النفسي من محتواه، ومن دون جفاف ولا رعاف، بل هي الذاتية المشبّعة بفسيفساء الجمال الداخلي، المفعمة بأحلام الوردة، وتطلعات الفراشة، وطموحات الإنسانية المتصالحة مع نفسها، المنسجمة مع ذاتها، هي النجمة التي تفيض حُباً، ثرية بالمعاني. ولا يمكن لإنسان غير ذاتي أن يفيد الذوات الأخرى، ولا يمكن لإنسان غير متعلق بذاته أن يكون محافظاً على الودّ مع الآخر، المسألة ليست رياضيات، وإنما…
الإثنين ٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: تحتفل البلاد الإسلامية في هذه الأيام بذكرى المولد النبوي الشريف، أعاده الله عليكم بالخير والبركة، بغض النظر عن صحة التاريخ والتقويم المعتمدين. إذ نستذكر نبينا محمد (ص) نتذكر أن الله تعالى قد أثنى عليه في كتابه الكريم، ودعانا إلى تبجيله وتكريمه {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (الأحزاب 56)، ولا يمكن لعاقل الاعتقاد أن تكريم النبي يكون بترداد دعاء فقط، وإنما لا بد من اتباع هديه والاقتداء به. نبدأ بقوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء 107)، فرسالة الرحمة تلك ختمت الرسالات السماوية، وخففت ما جاء بها من أحكام قاسية، لتتحول الشريعة من عينية إلى حدودية، تنوس فيها الأحكام بين حدين أدنى وأعلى تمنح المشرع أريحية القوننة وفق ظروف عصره في الزمان والمكان، لا في منطقة بعينها في زمن بعينه، وإنما "للعالمين" أينما حلوا، فإذا دققنا في التنزيل الحكيم وجدنا خطوطاً عريضة،…
الإثنين ٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
الوقت أثمن ما نملك؛ فالمال قد يُعوَّض، والفرص قد تتكرر، أما الدقيقة التي تمضي فلا تعود. جميعنا نمتلك 24 ساعة في اليوم، ومع ذلك نرى من يستطيع إنجاز مهامه وتحقيق أهدافه بكفاءة، في حين يشتكي آخر باستمرار من ضيق الوقت وعدم قدرته على إنجاز ما خطط له. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل المشكلة في قلة الوقت، أم في الطريقة التي ندير بها وقتنا ونرتب أولوياتنا؟ كانت إحدى الفتيات تحرص على وضع أهداف يومية باستمرار، لكنها تصل إلى نهاية اليوم وقد أنجزت بعض المهام البسيطة فقط، أو ربما لم تحقق شيئًا مما خططت له. وحين استشارت أحد المختصين، سألها: هل ترتبين أولوياتك وفق أهميتها، فتفرقين بين المهم والعاجل، والمهم وغير العاجل، والعاجل وغير المهم، وغير العاجل وغير المهم؟ أم تضعين جميع المهام أمامك بصورة عشوائية؟ حينها أدركت أن المشكلة لم تكن في قلة الوقت، بل في طريقة ترتيب الأولويات؛ فالعشوائية في إدارة المهام قد تستهلك…
الإثنين ٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
تشكل نظرية أفعال الكلام التي أسسها كل من أوستن وسيرل، محطة فارقة في فلسفة اللغة المعاصرة، حيث يعد سيرل خير وريث لفكر الفلسفة التحليلية من بين فلاسفة اللغة المعاصرين، في بريطانيا وأمريكا خصوصاً، وتعد أعماله في فلسفة اللغة العادية متابَعة معمّقة لمشروع أستاذه أوستين، فقد عدّل في كثير من التصنيفات وزاوج بين رأيه ورأي أستاذه أوستين وآراء غيره من فلاسفة اللغة من أمثال: فيتغنشتين، وشتراوسن وغيرهما. وحولت نظريته دراسة اللغة بوصفها شكلاً من أشكال الفعل الاجتماعي الموجه نحو غايات عملية، لكن هذا التحول التداولي لم يكن ممكناً دون أسس ظاهراتية راسخة، وعلى رأسها مفهوم (القصدية) الذي طوره إدموند هوسرل، فالعلاقة بين هوسرل وسيرل على الرغم من اختلاف المشروعين الفلسفيين - ظاهراتي تأسيسي مقابل تحليلي براغماتي - تكشف عن تشابك منهجي عميق في مقاربة شروط إنتاج المعنى وفهمه، وإذا كان البحث الفلسفي للغة يتجه بشكل متزايد نحو مقاربة الفعل التواصلي بوصفه ممارسة عملية متجذرة في سياقه اليومي والاجتماعي، فإن استحضار الأسس…
السبت ٢٢ أغسطس ٢٠٢٦
كان الأمر بسيطاً في الماضي، إلى حد يدعو للحسد. تقع الحرب، ينتصر طرف، يرفع رايته فوق الأسوار، ثم يجلس ليكتب ما حدث. ولهذا تعلمنا أن التاريخ يكتبه المنتصرون. جملة قصيرة، لكنها كانت تحمل شيئاً من الطمأنينة؛ فمهما بدا التاريخ منحازاً، كنا نعرف على الأقل أين يكمن الانحياز، وندرك أن هناك رواية أخرى في الجهة المقابلة، رواية المهزوم الذي لم يملك الحبر ولا المطبعة ولا أرشيف الإمبراطورية. أما اليوم فقد تطور الأمر بشكل مذهل. لم يعد التاريخ يكتبه المنتصر وحده، بل يكتبه المنتصر والمهزوم معاً، ويكتبه المتفرج، والحيادي، وصاحب السوبرماركت، وسائق التاكسي، ولاعب كرة القدم. ولا ننسى نمامة الفريج، التي تعرف لسبب غامض أسرار الدول الكبرى أكثر مما يعرفها كبار موظفيها. الجميع اليوم يكتب التاريخ، وكل بمنصته الخاصة وسلاحه المفضل: هذا عبر الواتساب، وذاك عبر القنوات الإخبارية، وثالث عبر إكس، أما صاحبة العرش غير المتوجة فهي تيك توك، حيث يمكن لمقطع من ثلاثين ثانية، وموسيقى حماسية، وخط أحمر عريض، أن يعيد…
السبت ٢٢ أغسطس ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: صدفةٌ عابرةٌ منذ نحو أربع سنوات وضعت أمامي مفهوم (النرجسية)، إذ لم أسمع بها من قبل، ولم أكن أعلم أنها اضطرابٌ مصنَّفٌ ضمن الاضطرابات الشخصية، أو أعي أنها توصيفٌ لكثيرٍ من السلوكيات التي طالما عجزتُ عن فهمها أو تفسيرها. ومنذ ذلك الحين، تولّدت لديّ رغبةٌ جارفةٌ في الاكتشاف والاستزادة، فقرأتُ واستمعتُ للكثير من المقاطع وحلقات البودكاست، سواءً من متخصصين ومهتمين قدموها بشكلٍ جادٍ وعميقٍ وموضوعيّ، أو حتى من راكبي موجة التعطّش التفاعلي الذين وجدوا فيها (ترند) لا يجب أن يُفَوَّت، فقدموها بشكلٍ سطحي ومبتذَل. ومن خلال اطلاعي البسيط، توصّلت إلى أن النرجسية ليست مقتصرةً على المعتلين المشخَّصين كمضطربين نرجسيين، بل هناك كذلك فئةٌ يمارس أفرادها سلوكياتٍ ذات سماتٍ نرجسيةٍ جرى تطبيعها بفعل عوامل البيئة والتنشئة والعادة، وترسّخت لتصبح امتيازاتٍ انحيازيةً تَمنح سلطةً أو حقًّا ضمن سياقاتٍ اجتماعيةٍ ودينيةٍ عديدة، حيث وُضِعت هذه السلوكيات تحت تصنيفاتٍ سائدةٍ ومقبولةٍ لا يُرى فيها أذى.…
الخميس ٢٠ أغسطس ٢٠٢٦
في أحد مطاعم كيب تاون، وبمجرد أن علم النادل أننا قادمون من الإمارات، ابتسم وقال بعفوية: «لسنا بمستوى دبي، لكننا نتعلم منكم». لم تكن جملة مجاملة عابرة، فقد تكررت على مسامعي بصيغ مختلفة طوال أسبوعين قضيتهما مع عائلتي في المدينة، تارة من مرشد سياحي، وتارة من سائق أجرة. وفي كل مرة، كان المعنى واحداً: أن سمعة بلادك قد وصلت إلى أقصى الأرض قبلك.لم تكن هذه زيارتي الأولى للمدينة، فقد عرفتها عام 2008، والمقارنة اليوم تفرض نفسها. التطور ملحوظ في جودة الخدمات ونضج التجربة السياحية وتنوع الزوّار من مختلف القارات، غير أن أعمق ما يلفت الانتباه ليس البناء المادي، بل بساطة الناس ودفء التعامل، فالتفاصيل الاستهلاكية تُنسى سريعاً، بينما تبقى الابتسامة الصادقة والموقف الإنساني عالقين في الذاكرة. تتقن كيب تاون تحويل التفاصيل العادية إلى تجارب متكاملة. يمكنك أن تصعد قمة جبلية صباحاً، ثم تراقب الحيتان في عرض البحر ظهراً، لتنتقل في اليوم التالي إلى جزيرة «روبن» حيث…