علي عبيد
علي عبيد
كاتب وإعلامي من دولة الإمارات العربية المتحدة

درس الأستاذ كيتينغ

آراء

كان الأستاذ يشرح لطلابه درساً عندما قفز فجأة فوق الطاولة، وسألهم:

■ لماذا أقف هنا.. ليُجب أيُّ منكم؟

رد أحدهم:

■ لكي تشعر أنك أطول.

قال الأستاذ:

■ لا.. شكراً لمشاركتك سيد دالتون. أقف على الطاولة لكي أذكّر نفسي أنه يجب وباستمرار أن ننظر للأشياء بطريقة مختلفة.

دار حول نفسه، ثم قال:

■ العالم يبدو مختلفاً من هنا. لا تصدقونني؟ تعالوا لتروا بأنفسكم، هيا، تعالوا حيث تظنون أنكم تعرفون شيئاً يجب أن تنظروا إليه بطريقة أخرى، حتى لو بدا سخيفاً أو خاطئاً، يجب أن تحاولوا. حين تقرؤون، لا تهتموا بما يفكر به الكاتب فقط، بل اهتموا بما تفكرون به أنتم. يجب أن تبذلوا جهداً لكي تجدوا صوتكم الخاص بكم لأنه كلما انتظرتم أكثر لكي تبدؤوا قلّت حظوظكم في إيجاده. ثورو قال: «معظم الناس تعيش بإحباط صامت». (هنري ثورو كاتب وشاعر وفيلسوف أمريكي). لا تقبلوا بهذا، انطلقوا، لا تمشوا على الحافة كحيوان اللاموس، انظروا حولكم، امتلكوا الشجاعة كي تخطئوا وتجدوا أرضاً جديدة.

كان الأستاذ يقول هذا بينما الطلبة يتناوبون على الصعود إلى الطاولة ليروا مشهد الصف من فوقها، قبل أن ينهي كلامه قائلاً:

■ بالإضافة لمواضيعكم، أريدكم أن تقدموا شعراً من تأليفكم، عملاً أصلياً.

قالها وهو يغادر الصف مردداً لحناً مرحاً.

كان هذا مشهداً من الفيلم الأمريكي Dead Poets Society (مجتمع الشعراء الموتى) من إخراج بيتر وير، وبطولة الممثل الكوميدي الأمريكي روبن ويليامز.

تقع أحداث الفيلم في أكاديمية ويلتون المحافظة والأرستقراطية في شمال شرق الولايات المتحدة، وتحكي قصة مدرس الأدب الإنجليزي جون كيتينغ، الذي يلهم طلابه من خلال تعليمهم الشعر. وهو معلم غير تقليدي، متمرد على أساليب التعليم القديمة، يحاول أن يخرج عن المفهوم التقليدي للتعليم من خلال مواقف غالباً ما تكون صادمة لطلابه، لكنها تضعهم على مسار مختلف من أساليب الدراسة، وعلى مسافة من الأساتذة التقليديين الذين اعتادوا تدريسهم.

في مشهد آخر من الفيلم، يقول كيتينغ لتلاميذه:

■ يا سادة افتحوا كتبكم على الصفحة 21 من المقدمة. سيد بيري، أيمكنك أن تقرأ المقطع الافتتاحي من المقدمة، المعنون بـ «فهم الشعر»؟

يفتح بيري الصفحة 21 من المقدمة، ويقرأ:

■ «فهم الشعر» بقلم الدكتور جي إيفانز بريتشارد: من أجل فهم كامل للشعر يجب أن نكون مستوعبين أولاً لوزنه وقافيته وتعابيره المجازية، ثم نطرح سؤالين؛ أولاً: كم درجة البراعة في صياغة موضوع الشعر؟ وثانياً: ما هي أهمية الموضوع؟ السؤال الأول يصنف كمالية الشعر، والسؤال الثاني يصنف أهميته، وحين تتم الإجابة عن هذين السؤالين يصبح تحديد عظمة الشعر أمراً بسيطاً. إذا كانت درجة كمال الشعر متواضعة على المستوى الأفقي للتمثيل البياني، ودرجة أهميته على المستوى العمودي، فحساب المساحة الكلية للشعر ينتج عنه درجة عظمته.

كان الأستاذ في هذه الأثناء يرسم خطاً أفقياً وآخر عمودياً على السبورة، وكان الطلبة يرسمون الخطين نفسيهما في كراساتهم، بينما بيري مسترسل في القراءة:

■ خلال استمرارك بقراءة الشعر في هذا الكتاب، اتبع هذه الطريقة في التقييم، ستزداد قدرتك على تقييم الشعر وكذلك متعتك وفهمك للشعر.

ما أن ينتهي بيري من القراءة حتى يعلن الأستاذ رفضه لرأي الدكتور جي إيفانز بريتشارد قائلاً:

■ نحن لا نمدد أنبوباً، نحن نتحدث عن الشعر.

ويضيف:

■ الآن أريدكم أن تمزقوا هذه الصفحة. هيا مزقوا الصفحة كلها. سمعتموني؟ مزقوها، هيا مزقوها.

يتردد الطلبة في البداية ظناً منهم أن الأستاذ يمزح، ثم يشرعون في تمزيق الورقة، قبل أن يضيف الأستاذ:

■ يا سادة سأقول لكم شيئاً، لا تمزقوا هذه الصفحة فقط، مزقوا المقدمة كلها، أريدها أن تختفي من التاريخ، لا تتركوا شيئاً، مزقوها، مزقوا.

أخذ الطلبة يمزقون المقدمة، بينما ذهب كيتنغ ليحضر سلة مهملات بدأ يجمع فيها الأوراق الممزقة وهو يقول:

■ صفّي سيتعلم أن يفكر بنفسه مرة أخرى، ستتعلمون أن تتذوقوا الكلمات واللغة، مهما يقولون لكم، الكلمات والأفكار تستطيع تغيير العالم.

كان من المتوقع أن يتم طرد المدرس غير التقليدي من قبل إدارة المدرسة التقليدية، وهذا هو ما حدث فعلاً، لكن طلبة أكاديمية ويلتون لن ينسوا ما قاله لهم أستاذهم، الذي حزنوا لطرده من المدرسة، أول يوم دخل فيه الصف، وهو يقف معهم أمام صور الطلبة الذين تخرجوا قبلهم، والتي مروا بها العديد من المرات لكنهم لم ينظروا إليها فعلياً كما يعتقد. لقد دعاهم يومها إلى أن يعيشوا حياتهم ويجعلوها رائعة، لأن مصيرهم الفناء، فهؤلاء الذين في الصور أمامهم لم يكونوا مختلفين عنهم في شيء، وهم الآن سماد للنرجس.

المصدر: البيان