خاص لـ هات بوست:
لمحاربة أي أفكار غير مرغوب بها، أو أي أيديولوجيات تُشوّه تطور ونمو المجتمع البشري ليكون أكثر مدنية، قانونية.. ليكون أكثر تطورا وانفتاحا، لا يكفي أن نتحدث عن دول تحكم بالحديد والنار، ولا عن أنظمة تعتقد أنها قادرة بالقوة وحدها على السيطرة على وعي الناس وثقافتهم. الفكرة أعمق من ذلك بكثير.. فالأفكار لا تُحل بتكميم الأفواه، ولا بالسجون، ولا حتى بالسيطرة على الإعلام… فقط .. لأن هذه القيم والأيديولوجيات لا تُفرض فقط من الأعلى، بل كثيرا ما تُبنى وتُعاد صياغتها يوميا داخل المجتمع نفسه، بصمت وبشكل غير واعٍ أحيانا، وفي حقبات زمنية معينة، يكون التأثير الخارجي هو العامل الأبرز في تشكيل الداخل.. ولا يمكن إنكار ذلك.. حيث تأتي الثقافة من الأعلى وتُرسّخ في المجتمع. مثلا قبل ثلاثين عام تقريبا.. تم استبدال منظومات فكرية كاملة في الشرق الأوسط، كانت ممثلة براية حمراء “شيوعية”..بفراغ كبير. هذا الفراغ امتلأ سريعا برايات خضراء وسوداء، أي بمنظومة دينية محافظة، وأحيانا متطرفة، لا تشبه ما كان سائدا قبلها، بل تقف على نقيضه. وهنا لا نتحدث عن الإيمان الفردي كعلاقة روحية، بل عن فكر اجتماعي كامل يُعاد إنتاجه يوميا بقوة السياسة والعسكر والاقتصاد.
فكر.. يقوم على سرديات وقصص وتفسيرات مقولبة وجاهزة، متوارثة ومعقدة.. تكبل حرية الإنسان في السؤال والتفكير النقدي.. تحاول أن تصنع نسخا متشابهة يسهل السيطرة عليهم سياسيا واقتصاديا وحياتيا لاحقا.. وهذا نموذج لطالما كان سائدا ويظهر في أي مجتمع يعيش حالة من التخبط .. الوهن والضعف وعدم الاستقرار. فالإنسان في الأزمات أكثر ما يبحث عن معنى، عن تفسير، عن راية جديدة تعيد له الأمل في القدرة على الخروج من الجحيم .. الإنسان يريد شيئا ثابتا يتمسك به ويفسر له ما يحدث له من انزلاق يومي واقعي وحياتي .. وهنا يجد ضالته في الأطر الجاهزة السهلة.
ثم المجتمع نفسه يتحول إلى مصنع لإعادة إنتاج هذه الأفكار. خاصة في العائلة، المدرسة، الشارع، الأصدقاء… فيصبح الجميع يشارك، بوعي أو بدون وعي خلال عقود في إعادة إنتاج ذات الثقافة والفكر .. من خلال ترديد نفس الكلمات، نفس الجمل، نفس التفسيرات تُعاد بشكل يومي، حتى تصبح وكأنها الحقيقة الوحيدة.
فتكرار الرسالة يجعل من الإنسان أشبه بروبوتات من لحم ودم.. وتكرار الرسالة يغرسها في لا وعي المجتمع .. وبذلك النساء لهن دور كبير جدا في التأثير وصياغة هذه المجتمعات.. من خلال التربية.. من خلال الأفكار التي يغرسنها في عقول أبنائهن، ومن خلال ما يُقال ويُعاد قوله في التجمعات والمناسبات الاجتماعية التي تصبح فرصة لترسيخ هذه الأيديولوجيات والأفكار بشكل متجذر يصعب تغييره لاحقا. هذا الدور تحديدا ربما يتم الاستهانة به كثيرا.. أو تجاهله.. رغم أنه من العوامل ذات التأثير الأساسي في بقاء بعض الأفكار وترسيخها واستمرريتها.
وهنا تكمن القوة الحقيقية.. فالأفكار التي تأتي من داخل المجتمع تصبح أقوى من أي إعلام أو سلطة. لأن الإنسان غالبا يثق بمن يشبهه أكثر مما يثق بأي جهة رسمية.
وفي ظل واقع اقتصادي صعب، سياسي هش، أمني مستباح، وغياب قانون فعّال، غالبا ما يعود الناس إلى أنماط فكرية ثقافية قيمية جاهزة.. أفكار لا تقبل السؤال والنقد كثيرا.. وهنا تبدأ الخطورة في عدم الانفتاح على نقد وتحليل القيم والأفكار.. مما ينتج حالة من التزمت.. التحفظ المتطرف. والذي ينعكس لاحقا على الكثير من مناحي الحياة.
أفكار عن الصبر، عن الابتلاء، عن انتظار التعويض لاحقا. ويتحول الخطاب إلى آلية نفسية للتعامل مع العجز.. وقبول العجز.. العجز يصبح حالة عامة تساهم في فشل المجتمعات والدول أكثر.. وينتج استسلاما جماعيا أيضا. تتحول هذه الأفكار إلى مبرر لعدم التغيير. يصبح الواقع مكتوبا.. ومقبولا بمرارته وجحيمه.. والمواطن يعتاد المشهد.. من سيادته المعدومة.. اقتصاده المنهار.. خدماته المفقودة.. عدالته الضائعة.. ويصبح السعي لتغيير كل شيء إما غير ممكن أو غير مطلوب.
وإذا نظرنا إلى الواقع الأوسع، نجد أن هذه الحالة ليست محصورة في بلد واحد، بل تمتد عبر مجتمعات عاشت حروبا وأزمات متراكمة.. ففي مثل هذه البيئات، تتشكل سرديات مغلقة.. تعيد تفسير العالم بطريقة تمنعها من رؤية وتفسير واقعها بطريقة واضحة وحقيقية وتمنعها من تغيير واقعها أو إنشاد بوصلتها الحقيقية.
لكن إذا كان هذا هو الواقع، فالسؤال: كيف يمكن تغييره؟
ربما ليس بالقوة وحدها. لا يمكن كسر مجتمع فجأة، ولا يمكن اقتلاع أفكار مترسخة بالقمع. أي محاولة من هذا النوع ستؤدي إلى نتيجة عكسية.. التغيير الحقيقي يحتاج مسارا أبطأ، وأذكى لتغيير جوهر ثقافة وقيم وفكر الأفراد.
أولا، لا يمكن الحديث عن تطور فكري وتغيير ثقافي واجتماعي وقيمي في ظل فقر. الفقر والمعاناة ليست بيئة صالحة لازدهار الفكر والأخلاقيات والعدالة والقيم. الإنسان المنهك يبحث عن النجاة، لا عن التفكير. والإنسان المنهك يتصرف غالبا بما يشبه واقعه.
ثانيا، لا بد من وجود نخب فكرية قريبة من الناس، تشبههم، تتحدث بلغتهم، وتفهم واقعهم. نخب لا تتعالى، بل تدخل إلى داخل المجتمع، وتبدأ بتعديل الأفكار تدريجيا، لا بفرض بدائل جاهزة.
ثالثا، التعليم. منذ عام 2020، ومع كورونا، ثم الحروب، في كثير من الدول لم يعد هناك تعليم حقيقي. وهذا أخطر مما يبدو. لأن غياب التعليم لا ينتج فقط جهلًا، بل ينتج أجيالا لا تحب السؤال، ولا تميل للتفكير، وتكون أكثر قابلية لتبني سرديات جاهزة ومقولبة. وفي ظل هذا الفراغ، تصبح الأيديولوجيات الجاهزة هي البديل الطبيعي.
الدول التي تريد أن تنجو، لا يكفي أن تصبر. عليها أن تتصرف. أن تحترم نفسها، وأن تبني قانونا حقيقيا، وأن تعيد الاعتبار للتعليم، وأن تفتح المجال للفكر..للسؤال..للتحليل.. للقراءات المختلفة.. والاراء المغايرة. أي عليها أن تتحرك من الداخل أولا وتنقذ نفسها داخليا.. حتى تتمكن من الصمود في وجه أي تحديات خارجية لاحقا.
التاريخ مليء بدول انهارت بعد حروب مدمرة، لكنها لملمت نفسها من خلال التعليم، والقانون، والعلم، والعمل.. وتغير نهجها الفكري.. دون تقديس إرث معين وتبني قوالب جاهزة.
هذه الدول لم تنتظر مكتوفة الأيدي تشاهد انهيارها بصمت .. تنتظر من ينقذها.. ولم تنتظر التعويض لاحقا.. بل عملت على تغييره هنا.. حاولت أن تصنع واقعا جديدا، رغم كل ما حدث.
