آراء

ذكاءٌ بلا وعي، ورِفقةٌ بلا وجود

السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست : BRB ... لا أذكر متى كانت آخر مرة قرأت فيها هذا المصطلح!      كان غارقًا في بئر النسيان إلى أن أظهره إلى السطح مرةً أخرى، الدكتور عبدالله السفياني - الكاتب والمفكر السعودي - في سياق كلمةٍ له خلال المؤتمر الدولي للغة العربية والذكاء الاصطناعي، والتي دارت حول ما يفعله الذكاء الاصطناعي برؤيتنا للوجود.      إلا أنني أذكر جيدًا أنني لم أستسغه يومًا. فأول مرة رأيته أمامي كان مكتوبًا بالحروف العربية، واختلط عليّ الأمر حينها بسبب غياب التشكيل، فقرأته: (بِرَبّ) معتقدةً أنه يتعلق على نحوٍ ما بالله! وغرقت في حيرة آنية، لعجزي عن ربط ما فهمته بسياق المحادثات التي كنت أطالعها!      إلى أن اكتشفت أنه لفظٌ مُعَرَّب للاختصار (BRB)، والذي يعني: (Be Right Back) أي (سأعود حالًا).      كانت هذه العبارة - كما ذكّرنا الدكتور عبدالله - تستخدم من قِبَل روّاد (الماسنجر) وقنوات المحادثة كإشارة إلى الابتعاد عن الجهاز، لسببٍ ما، ومن…

هندسة الوهم وتزيينه: ‏ كيف صنعَت “الجموع” سردية التفوُّق الذكوري؟

السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٦

     اعتقدتْ بعضُ الحضارات القديمة مثل: المايا والأزتيك، وبعض القبائل ‏الاسكندنافية، والحضارات الأسيوية، بأن عليها - لتسترضي البحر الثائر ‏الغاضب، الذي يشح بخيرات صيده - أن تهدي له "فتاة"، بِكرًا جميلة؛ وكانوا ‏يزيِّنون هذه الفكرة للنساء؛ ليرضخن بأنهم يهَبُوا للبحر - مصدر رزْقهم - أغلى ‏وأطهر ما لديهم. لم يقدِّموا للبحر أو الأنهار "فتًى"؛ لأن الفتى (قوة عمل)، ‏ستخرُج للصيد، ومجابَهة الأهوال. هكذا أخرَجوا الموقِف؛ لتتقبَّل المرأة التضحية ‏والموت.‏      لكن خلفية اختيار القربان تعود لكون الفتاة كيانًا غير منتِج، لن تقوم بعمل ‏الرجُل، ولن تقاوم. هل كان للفتاة أن تعترض، وإذا اعترضت؛ هل كان هناك مَن ‏سيستمع إليها؟ الجموع قرَّرت هذا واتفقت عليه.‏      ‏ أن تتفق الجموع على قصة أو سردية واحدة، تلك هي أكبر قوة في الحياة، وهذا ‏هو القانون السِّري، الذي شُيدت به الأنظمة الاجتماعية، والأيديولوجيات، وأعتى ‏الإمبراطوريات، فالتاريخ الإنساني لا يخضع للقوة المادية وحدها؛ بل يخضع ‏بالدرجة الأولى للقوة، التي تكتسبها الأفكار…

حين يصبح العمل خطرًا صامتًا… ما لا تقوله الأرقام

الأربعاء ٠٣ يونيو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست: منذ أيام، نشرت منظمة الصحة العالمية دراسة تشير إلى أن نحو 840 ألف وفاة سنويًا ترتبط بساعات العمل الطويلة والإجهاد المهني. لكن الرقم — على ضخامته — لا يقول كل شيء؛ لأن ما يغيب عن هذه الإحصاءات هو ما يسبقه: ضغطٌ يتراكم بصمت، وتآكلٌ بطيء، وأثرٌ نفسيّ واجتماعيّ لا يُلتقط بسهولة… لكنه يُعاش يوميًا. ولأن ما لا يُرى لا يدخل في الحسابات بسهولة، فإن الخسارة لا تكون إنسانيةً فقط، بل اقتصاديةً أيضًا: إنتاجيةٌ تتآكل، وغيابٌ يتكرّر، واستنزافٌ صامت لا يظهر في التقارير بوضوح… لكنه يترك أثره في كل تفصيلة. ليس ما يلفت الانتباه هو الرقم فقط، بل ما يختبئ خلفه. فنحن لا نسلّط الضوء على من رحلوا فحسب، بل على من ما زالوا هنا… تحت وطأة أثرٍ لا يُرى، لكنه يلازمهم. في العمل، لا يُقاس التعب دائمًا بالساعات، بل بما يبقى منك بعدها. فالأذى النفسي لا يحتاج إلى دليلٍ مرئيّ ليكون حقيقيًا؛ ومع ذلك… لا نصدّقه…

ترمب ليس أوباما

السبت ٣٠ مايو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست :     إذا تجاوزنا الضجيج والادعاءات المحيطة بالمفاوضات، فإن مجرد استمرارها يظل مؤشراً على أن الطرفين يدركان أن كلفة الانهيار أعلى من كلفة التنازل. الأزمة المعلّقة تستنزف الجميع،  واستئناف الحرب سيكون مدمراً، فيما لا تبدو إدارة ترمب راغبة في خوض حرب كبرى بلا غطاء سياسي كافٍ، ولا تبدو طهران قادرة على مواصلة النزيف الاقتصادي طويلاً تحت وطأة العقوبات وحرمانها من عوائد النفط، مهما بالغت دعايتها في تصوير العكس.      لكن السؤال الأهم: ماذا لو بدا الاتفاق، في شكله الظاهري، قريباً من اتفاق أوباما عام 2015؛ أي اتفاقاً يركّز على الملف النووي مقابل تخفيف العقوبات؟ هنا تحديداً يجب ألا نقع في فخ المقارنة السطحية. ترمب ليس أوباما، أوباما دخل الاتفاق بوصفه مشروع تسوية تاريخية مع إيران، أما ترمب فيتعامل معه بوصفه صفقة مشروطة بالقوة والضغط والنتائج. الفارق ليس في النصوص وحدها، بل في فلسفة التفاوض: أوباما راهن على دمج إيران، بينما يراهن ترمب على كسر…

سؤال الكتابة

الثلاثاء ٢٦ مايو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      أنت تتحرج بشكل طبيعي من الخوض في هذا الحديث الشائك، تهز رأسك كيفما اتفق وتغير الموضوع..      أن تكون كاتباً في الوطن العربي، أن تسول لك نفسك التورط في إثم التفكير وتلويث أصابعك بحبر الكتابة الإبداعية الدبق، ثم الدخول في حقل النشر الملغم بالضبابية والخيبات الثقيلة..      تتوهم أن مهمتك انتهت بسهر الليالي وهواجس الكتابة وأكواب القهوة الثقيلة التي تجرعتها، ومتلازمة الصداع المزمن والذهول الدائم، والانشغال بإعمال الفكر والخيال والتدوين والتدقيق والتحرير، وكائنات الكتابة التي تطاردك في النوم واليقظة، وتحرمك لذة العيش السوي.      كنت غافلاً أيها المسكين عن دهاليز دور النشر المعتمة ومتاهاتها واشتراطاتها، بل يُعدك الجميع محظوظاً جداً إذ اقتنعت دار نشر معتبرة بعملك وتبنته وقررت نشره دون أن تكلفك أي مبلغ، لكنها ألمحت طبعاً إلى ارتفاع كلفة الطباعة والشحن، وجشع الموزعين وفوضى معارض الكتاب، وإلى شح الإقبال على القراءة والكتب، وإلى أنك أيها الجميل ستحصل فقط على بضع…

حين تصبح الكتابة فعلاً وطنياً

الإثنين ٢٥ مايو ٢٠٢٦

لا يمكن أن تُبنى الدول بالمشروعات الاقتصادية وحدها ولا تقاس نهضة المجتمعات بالبنى التحتية فقط. تقوم الدول قبل ذلك وبعده على بناء الإنسان الواعي القادر على فهم معنى الدولة وقراءة تجربتها والدفاع عن منجزها وتفسير موقعها بالتاريخ والجغرافيا والسياسة وتقديم صورتها للعالم. من هنا، تأتي أهمية الكتابة بوصفها فعلاً وطنياً، لا مجرد ممارسة لغوية أو تعبيرية، فالكتابة الواعية تسهم في تشكيل الوعي المجتمعي وتكوين الرأي، وبناء الفهم، وترسيخ الهوية الوطنية، وحماية السردية الوطنية من التشويه أو حتى الاختزال أو القراءة السطحية. هنا، سأتحدث عن تجربتي من خلال المشاركة في الورشة التدريبية لكتابة المقال، التي نظمتها جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية ضمن مسار "السردية الإماراتية"، لقد كانت تجربة علمية ومعرفية مهمة وضرورية أضافت للمشاركين الكثير وكشفت لهم عن أن المقال ليس مجرد نص قصير يُكتب للتعبير عن رأي أو شرح وتفسير لقضية أو حدث عابر، بل هو بناء فكري متكامل يبدأ من الفكرة، ويمر عبر التحليل، وينتهي إلى موقف واضح…

لو كان القانون رادعًا.. لما قُتلن!! (١)

الجمعة ٢٢ مايو ٢٠٢٦

ــ لماذا يرى الرجل- بالرغم من حصوله على قدر من العلم والثقافة، واشتغاله بمنظومة العدالة والحقوق البشرية- أن قتل طليقته التى تزوجت مرة أخرى أمر يمكن التفكير فيه وتنفيذه؟ لقد رأى الزوج السابق أن قتلها أفضل من حياتها وهى زوجه لغيره، بالرغم من أنه تزوج قبلها من أخرى!! ــ ولماذا يرى بعض الرجال الآخرين- سواء الذين على قدر من التعليم، أو من محدودى الثقافة- أن من حقهم إذا رفضت المرأة استكمال خطبتها له، أو إتمام الزواج منه، معاقبتها بالقتل أحيانا، أو الضرب والإهانة فى أحايين كثيرة، كما تشويه السمعة دائمًا؟ - ما المانع أن ترفض فتاة فى مصر أو العراق أو الأردن أو الجزائر أو أى بلد عربى الزواج من ابن عمها، أو أى رجل اختاره لها أهلها، ولماذا تُرغم على الزواج ممن لا تريد؟ هل لهذا الكائن «المرأة» فى الثقافة العربية حق الاختيار؟ وإذا حاولت الهرب من مصير لا تريده، لماذا يحق لهم قتلها، وادعاء أنهم تخلصوا منها تحت…

الحاضر الذي لا يغيب

الجمعة ٢٢ مايو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:       جاءت احتفالية تكريم الفائزين في جائزة المقال الإماراتي في دورتها الثانية – التي شُرِفْتُ بعَرافَتِها - مفعمةً بالجمال، والأبهى أنها حملت معها ألقًا ثقافيًا مؤثرًا أضفاه حضور سمو الشيخة الدكتورة شما بنت محمد بن خالد آل نهيان، رئيسة مجلس إدارة مؤسسة الشيخ محمد بن خالد آل نهيان الثقافية والتعليمية، إذ تأتي رعايتها الكريمة للحفل ترسيخًا لنهجها المعهود في دعم الساحة الثقافية، ورعاية أهل الفكر وحملة الأقلام.      ومع اعتزازي بالمحطات المتنوعة التي تناولتها سمو الشيخة الدكتورة شما في كلمتها، إلا أن إشارتها لصفحة (رأي الناس) في صحيفة الاتحاد قد لامست قلبي، وأثارت شجوني، وأحيت ذكرى مرحلة لطالما حنَنْت إليها، تلك الصفحة الغنية التي أُنشئت في تسعينيات الألفية الماضية، وخُصِّصَت حصرًا لاحتضان كتابات قرّائها.      وقد وصفت سمو الشيخة الدكتورة شما صفحة (رأي الناس) - في كلمتها خلال الحفل - وصفًا بالغ الدقة حيث قالت إنها "تحولت إلى ما يشبه مرآة يومية يرى…

لا تنتظر بل تنطلق.. الإمـارات 4.0

الخميس ٢١ مايو ٢٠٢٦

تلتقي بهم في الصباح... أكثر من 400 مسؤول، بعضهم جاء من أماكن بعيدة، لكن المشهد واحد: وجوه مبتسمة، وحضور مفعم بالحيوية، وعيون تحمل شغفاً واضحاً لخدمة الوطن والقيادة والشعب. يتبادلون التحية، يتحاورون، ويستعدون لحضور خلوة المستقبل... خلوة الذكاء الاصطناعي المساعد. خلوة لم تنتظر طويلاً، فقد التأمت خلال أقل من 48 ساعة فقط من إعلان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، إطلاق أكبر ورشة حكومية في العالم لتدريب 80 ألف موظف على أدوات الذكاء الاصطناعي المساعد. ولم يكن اختيار المكان تفصيلاً عابراً، قصر الوطن... ليس مجرد موقع للاجتماع، بل رمز..رمز للدولة، لهيبتها، ولرؤيتها، فأن تُعقد خلوة الذكاء الاصطناعي في هذا المكان تحديداً، فذلك يحمل رسالة واضحة: أن المستقبل يُصنع من قلب السيادة، وأن التحول ليس مشروعاً إدارياً، بل خيار دولة بكامل ثقلها. في قصر الوطن، حيث تُتخذ القرارات الكبرى، اجتمع الحاضر مع المستقبل. وكأن الرسالة تقول: ما يُبنى هنا…

ترامب ليس مجنوناً

الإثنين ١٨ مايو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      لطالما وُصف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بالجنون أو الاندفاع في سياسته الخارجية، إلا أن نظرة متعمقة لاستراتيجياته تكشف عن عقلانية خفية ومنهجية واضحة، وإن كانت غير تقليدية. يرى العديد من المحللين والخبراء أن ما يبدو فوضى هو في الحقيقة تطبيق دقيق لـ “نظرية الرجل المجنون”، وهي تكتيك يهدف إلى دفع الخصوم لتقديم تنازلات خوفًا من ردود فعل غير متوقعة.      يؤكد جيفري سوننفيلد، الخبير في القيادة بجامعة ييل، أن ترامب “ذكي كالثعلب”، وأن تصرفاته التي تبدو غير عقلانية هي جزء من “منهج في الجنون” مصمم لتحقيق أهدافه هذه الاستراتيجية تعتمد على تكتيكات الصدمة والترهيب، حيث يهدد ترامب بالتصعيد الشديد ثم يعرض التفاوض بشكل مفاجئ، مما يترك الخصوم في حالة من عدم اليقين ويدفعهم لإعادة تقييم مواقفهم.      في الشرق الأوسط، تجلت هذه الاستراتيجية بوضوح في تعامله مع إيران ومضيق هرمز، ومشروع الحرية الذي يتبناه، والذي اصبح الكماشة على النظام الإيراني، ومع…

سعيد أفندي… أوطان وذاكرة

الأحد ١٧ مايو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:       في عصريةٍ صيفيةٍ هادئةٍ من أمسيات مايو، دخلتُ مستعجلةً من بوابة متحف اللوفر في أبوظبي، رياحٌ شماليةٌ منعشةٌ مسحت لسعة الشمس من جسدي، مؤذنةً بأمسيةٍ تفوح فيها رائحة سطح بيتنا في ليالي الصيف.      تلمستُ طريقي إلى كرسيٍّ في مدرجات سينما المتحف، كان الفيلم قد بدأ. لم أكن أتوقع هذا الصوت والصورة الواضحة، فلقد سمعتُ أن فيلم سعيد أفندي أُعيد ترميمه وتنظيف صورته وصوته بعناية قبل مهرجان كان ٢٠٢٥. فيلمٌ أُنتج في ١٩٥٦ في العراق، رممته التكنولوجيا وعالجت كسور شريطه الصوري. تساءلتُ في نفسي: هل يستطيع الزمن أن يرمم كل الذي كُسر؟ كان الأبيض والأسود يتحرك أمامي بهدوء، لكن داخلي كان يمتلئ بالألوان والأنوار والذكريات.      أحسستُ بدفء الكرسي كما لو أنني عدتُ طفلة أجلس في حضن أمي قبل عقود. كان الفيلم نفسه يُعرض يومها، في بيتنا القديم، على شاشة تلفزيون تتداخل فيها الصورة ويختنق الصوت كلما هبّت الريح وحرّكت “الأريل” على…

انحلالُ عقدٍ لا فناءُ نسيج

السبت ١٦ مايو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      نُشرت تغريدةٌ عبر منصة إكس قبل أيامٍ، موجَّهة إلى معالي رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، تشكو كثافة نشر أخبار الطلاق في الصحف ومنصات التواصل الاجتماعي، والتي تهدف - حسب رأي الكاتبة - إلى إثارة الرأي العام، وقد استنكرتْ التغريدةُ التركيز على ما وصفته بـ (الزوايا السوداوية)، محذرةً من أن الاستمرار في تكثيف تداول هذه الأخبار ينعكس سلبًا على المجتمع، ويشوّه الصورة الذهنية للحياة الأسرية لدى الشباب والفتيات، حيث يتعارض هذا - في رأيها - مع مبادرة (عام الأسرة)، وتوجّهات الدولة الرامية إلى تعزيز الاستقرار الأسري وتشجيع الزواج.      وعلى الرغم من تعقيبي سابقًا على تلك التغريدة، إلا أنني أجد من الضروري معاودة تسليط الضوء على هذا الطرح، كونه يمثل نمطًا فكريًّا شائعًا في عموم المجتمع تجاه قضية الطلاق، وما يكتنف تناولها المجتمعي والإعلامي من مغالطات وتضخيم. وقبل الاسترسال، فإنني أتفق مبدئيًا مع الجزئية المتعلقة بالاعتراض على طرح قضايا الطلاق بهدف الإثارة وصناعة الجدل من…