الخميس ٢٧ أغسطس ٢٠٢٦
«ترى الصعاب تطلِع معادن.. التحديات تخلي الناس تفرّق عن بعضها البعض، كل مشكلة يا عيالي، كل تحدٍّ فيه إيجابيات، بس لازم تنظر لها من جانب آخر». بهذه الكلمات المعبرة التي ألقاها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله، أمام أبنائه الطلبة، يرسخ مفهوم الدولة الوطنية الحديثة ومواجهة الصعاب والتحديات والأزمات بصورة نمطية خاصة تكاد أن تكون إماراتية بامتياز. فسموه يبرز كعلامة فارقة حين يكون الحديث عن القيادة في أزمنة المحن والأزمات، فهو نموذج قل نظيره في العصر الحديث لقائد جمع بين الحنكة والحكمة والقوة والثبات. فشخصه يمثل حالة استثنائية من صفات القائد التي تجذرت في الإرث وصُقلت بالتجارب. فأبوه الشيخ زايد، طيب الله ثراه، ذلك الزعيم الذي شكل مدرسة تستلهم منها الشعوب والأمم قيم الفضيلة والإنسانية والحكمة، وقد ورث الشيخ محمد بن زايد هذا الإرث القيم، وأضاف عليه من خبرته وتجاربه حتى أصبح زعيماً استثنائياً، ولا نغالي إذا ما قلنا إنه…
الثلاثاء ٢٥ أغسطس ٢٠٢٦
يظنّ الناس أن النرجسية فعل بُغْضٍ، فيقولون اجتنبوا هذه البئر، إنها أغرقت «نرجس»، بينما ليس كلُّ نرجسي أنانياً، ولا كلُّ أناني نرجسياً، لأن الإنسان الذي يخرج من الأنانية، ويذهب بعيداً نحو التلاشي، ويعتقد أن هذا جزء مهم من إنكار الذات، وتلك معضلة العقل عندما يتهوّر ويخور، ويقع في المحرمات الفكرية، ويضيع في متاهات صحراء لا حدود لتضاريسها. النرجسية عندما تغتسل بماء المكرمات، فإنما هي ذاتُ محبٍّ للحياة، عاشقة للآخر، منتمية إلى السماء والأرض من دون انعطاف خارج الرصيف، ومن انحراف على ظهر موجة عارمة، ومن دون اصطفاف يفرغ الوعاء النفسي من محتواه، ومن دون جفاف ولا رعاف، بل هي الذاتية المشبّعة بفسيفساء الجمال الداخلي، المفعمة بأحلام الوردة، وتطلعات الفراشة، وطموحات الإنسانية المتصالحة مع نفسها، المنسجمة مع ذاتها، هي النجمة التي تفيض حُباً، ثرية بالمعاني. ولا يمكن لإنسان غير ذاتي أن يفيد الذوات الأخرى، ولا يمكن لإنسان غير متعلق بذاته أن يكون محافظاً على الودّ مع الآخر، المسألة ليست رياضيات، وإنما…
الإثنين ٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: تحتفل البلاد الإسلامية في هذه الأيام بذكرى المولد النبوي الشريف، أعاده الله عليكم بالخير والبركة، بغض النظر عن صحة التاريخ والتقويم المعتمدين. إذ نستذكر نبينا محمد (ص) نتذكر أن الله تعالى قد أثنى عليه في كتابه الكريم، ودعانا إلى تبجيله وتكريمه {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (الأحزاب 56)، ولا يمكن لعاقل الاعتقاد أن تكريم النبي يكون بترداد دعاء فقط، وإنما لا بد من اتباع هديه والاقتداء به. نبدأ بقوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء 107)، فرسالة الرحمة تلك ختمت الرسالات السماوية، وخففت ما جاء بها من أحكام قاسية، لتتحول الشريعة من عينية إلى حدودية، تنوس فيها الأحكام بين حدين أدنى وأعلى تمنح المشرع أريحية القوننة وفق ظروف عصره في الزمان والمكان، لا في منطقة بعينها في زمن بعينه، وإنما "للعالمين" أينما حلوا، فإذا دققنا في التنزيل الحكيم وجدنا خطوطاً عريضة،…
الإثنين ٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
الوقت أثمن ما نملك؛ فالمال قد يُعوَّض، والفرص قد تتكرر، أما الدقيقة التي تمضي فلا تعود. جميعنا نمتلك 24 ساعة في اليوم، ومع ذلك نرى من يستطيع إنجاز مهامه وتحقيق أهدافه بكفاءة، في حين يشتكي آخر باستمرار من ضيق الوقت وعدم قدرته على إنجاز ما خطط له. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل المشكلة في قلة الوقت، أم في الطريقة التي ندير بها وقتنا ونرتب أولوياتنا؟ كانت إحدى الفتيات تحرص على وضع أهداف يومية باستمرار، لكنها تصل إلى نهاية اليوم وقد أنجزت بعض المهام البسيطة فقط، أو ربما لم تحقق شيئًا مما خططت له. وحين استشارت أحد المختصين، سألها: هل ترتبين أولوياتك وفق أهميتها، فتفرقين بين المهم والعاجل، والمهم وغير العاجل، والعاجل وغير المهم، وغير العاجل وغير المهم؟ أم تضعين جميع المهام أمامك بصورة عشوائية؟ حينها أدركت أن المشكلة لم تكن في قلة الوقت، بل في طريقة ترتيب الأولويات؛ فالعشوائية في إدارة المهام قد تستهلك…
الإثنين ٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
تشكل نظرية أفعال الكلام التي أسسها كل من أوستن وسيرل، محطة فارقة في فلسفة اللغة المعاصرة، حيث يعد سيرل خير وريث لفكر الفلسفة التحليلية من بين فلاسفة اللغة المعاصرين، في بريطانيا وأمريكا خصوصاً، وتعد أعماله في فلسفة اللغة العادية متابَعة معمّقة لمشروع أستاذه أوستين، فقد عدّل في كثير من التصنيفات وزاوج بين رأيه ورأي أستاذه أوستين وآراء غيره من فلاسفة اللغة من أمثال: فيتغنشتين، وشتراوسن وغيرهما. وحولت نظريته دراسة اللغة بوصفها شكلاً من أشكال الفعل الاجتماعي الموجه نحو غايات عملية، لكن هذا التحول التداولي لم يكن ممكناً دون أسس ظاهراتية راسخة، وعلى رأسها مفهوم (القصدية) الذي طوره إدموند هوسرل، فالعلاقة بين هوسرل وسيرل على الرغم من اختلاف المشروعين الفلسفيين - ظاهراتي تأسيسي مقابل تحليلي براغماتي - تكشف عن تشابك منهجي عميق في مقاربة شروط إنتاج المعنى وفهمه، وإذا كان البحث الفلسفي للغة يتجه بشكل متزايد نحو مقاربة الفعل التواصلي بوصفه ممارسة عملية متجذرة في سياقه اليومي والاجتماعي، فإن استحضار الأسس…
السبت ٢٢ أغسطس ٢٠٢٦
كان الأمر بسيطاً في الماضي، إلى حد يدعو للحسد. تقع الحرب، ينتصر طرف، يرفع رايته فوق الأسوار، ثم يجلس ليكتب ما حدث. ولهذا تعلمنا أن التاريخ يكتبه المنتصرون. جملة قصيرة، لكنها كانت تحمل شيئاً من الطمأنينة؛ فمهما بدا التاريخ منحازاً، كنا نعرف على الأقل أين يكمن الانحياز، وندرك أن هناك رواية أخرى في الجهة المقابلة، رواية المهزوم الذي لم يملك الحبر ولا المطبعة ولا أرشيف الإمبراطورية. أما اليوم فقد تطور الأمر بشكل مذهل. لم يعد التاريخ يكتبه المنتصر وحده، بل يكتبه المنتصر والمهزوم معاً، ويكتبه المتفرج، والحيادي، وصاحب السوبرماركت، وسائق التاكسي، ولاعب كرة القدم. ولا ننسى نمامة الفريج، التي تعرف لسبب غامض أسرار الدول الكبرى أكثر مما يعرفها كبار موظفيها. الجميع اليوم يكتب التاريخ، وكل بمنصته الخاصة وسلاحه المفضل: هذا عبر الواتساب، وذاك عبر القنوات الإخبارية، وثالث عبر إكس، أما صاحبة العرش غير المتوجة فهي تيك توك، حيث يمكن لمقطع من ثلاثين ثانية، وموسيقى حماسية، وخط أحمر عريض، أن يعيد…
السبت ٢٢ أغسطس ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: صدفةٌ عابرةٌ منذ نحو أربع سنوات وضعت أمامي مفهوم (النرجسية)، إذ لم أسمع بها من قبل، ولم أكن أعلم أنها اضطرابٌ مصنَّفٌ ضمن الاضطرابات الشخصية، أو أعي أنها توصيفٌ لكثيرٍ من السلوكيات التي طالما عجزتُ عن فهمها أو تفسيرها. ومنذ ذلك الحين، تولّدت لديّ رغبةٌ جارفةٌ في الاكتشاف والاستزادة، فقرأتُ واستمعتُ للكثير من المقاطع وحلقات البودكاست، سواءً من متخصصين ومهتمين قدموها بشكلٍ جادٍ وعميقٍ وموضوعيّ، أو حتى من راكبي موجة التعطّش التفاعلي الذين وجدوا فيها (ترند) لا يجب أن يُفَوَّت، فقدموها بشكلٍ سطحي ومبتذَل. ومن خلال اطلاعي البسيط، توصّلت إلى أن النرجسية ليست مقتصرةً على المعتلين المشخَّصين كمضطربين نرجسيين، بل هناك كذلك فئةٌ يمارس أفرادها سلوكياتٍ ذات سماتٍ نرجسيةٍ جرى تطبيعها بفعل عوامل البيئة والتنشئة والعادة، وترسّخت لتصبح امتيازاتٍ انحيازيةً تَمنح سلطةً أو حقًّا ضمن سياقاتٍ اجتماعيةٍ ودينيةٍ عديدة، حيث وُضِعت هذه السلوكيات تحت تصنيفاتٍ سائدةٍ ومقبولةٍ لا يُرى فيها أذى.…
الخميس ٢٠ أغسطس ٢٠٢٦
في أحد مطاعم كيب تاون، وبمجرد أن علم النادل أننا قادمون من الإمارات، ابتسم وقال بعفوية: «لسنا بمستوى دبي، لكننا نتعلم منكم». لم تكن جملة مجاملة عابرة، فقد تكررت على مسامعي بصيغ مختلفة طوال أسبوعين قضيتهما مع عائلتي في المدينة، تارة من مرشد سياحي، وتارة من سائق أجرة. وفي كل مرة، كان المعنى واحداً: أن سمعة بلادك قد وصلت إلى أقصى الأرض قبلك.لم تكن هذه زيارتي الأولى للمدينة، فقد عرفتها عام 2008، والمقارنة اليوم تفرض نفسها. التطور ملحوظ في جودة الخدمات ونضج التجربة السياحية وتنوع الزوّار من مختلف القارات، غير أن أعمق ما يلفت الانتباه ليس البناء المادي، بل بساطة الناس ودفء التعامل، فالتفاصيل الاستهلاكية تُنسى سريعاً، بينما تبقى الابتسامة الصادقة والموقف الإنساني عالقين في الذاكرة. تتقن كيب تاون تحويل التفاصيل العادية إلى تجارب متكاملة. يمكنك أن تصعد قمة جبلية صباحاً، ثم تراقب الحيتان في عرض البحر ظهراً، لتنتقل في اليوم التالي إلى جزيرة «روبن» حيث…
الخميس ٢٠ أغسطس ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: في قراءة تأملية لفيلم سيد الخواتم، لفت انتباهي للمرة الأولى رمزية الخاتم في الفيلم وتصويره على أنه يرمز إلى فتنة امتلاك القوة لتحقيق هوى النفس وإشباع رغباتها. حاولت المقارنة بين ثلاث شخصيات مهمة من حيث طريقة تعاملهم مع الخاتم، والشخصيات الثلاث هم: فرودو، وبرومير، وغولوم. تدور أحداث الفيلم حول الخاتم الذي يُمكّن صاحبه من امتلاك قوة صُممت خصيصًا لغرض السيطرة. يملك الخاتم تأثيرًا فاتنًا يستطيع به الاستحواذ على ذهن من يرتديه أو من يقترب منه، فيُصوّر لهم أنفسهم وهم يمتلكون القوة لتحقيق أحلامهم بالقوة. نشاهد في الفيلم أن الشخصيات القيادية والتي تمثل الخير، مثل أراغون وغاندالف وغالادرييل، يخشون ويرفضون أن يقوموا بمهمة إيصال الخاتم وأخذه إلى جبل النار للتمكن من تدميره هناك، وذلك خوفًا من أن يفتنهم الخاتم أثناء الرحلة ويجعل من رغبتهم في الخير مبررًا للشر. وهذه الشخصيات تمثل النفس التي تعرف حدودها وتختار الحذر والابتعاد عن…
الأحد ١٦ أغسطس ٢٠٢٦
حين أهدَتْني د. سونج جيا باي؛ "الصينية الجنسية"، منذ أيامٍ، عُلبةً من الشاي الصيني الفاخر؛ تذوقتُه؛ فوجدت له رائحة ومذاقًا مختلِفًا ومتفرِّدًا، ثم قرأت عنه؛ لأعرف بعض التقاليد الصينية العريقة والمميزة للشاي وأنواعه، حينها شعرت أنني اقتنيت تحفةً نباتية دقيقة. فهذه الأوراق البِكر، والبراعم الصغيرة، مقطوفة بتأنٍّ، قبْل هطول المطر، وشِدة حرارة الشمس، البراعم التي جُمعت قبْل أن تكتمِل فيها قسوةُ النضج، والتي يحفظونها بعناية فائقة في عُلَب ذهبية محكَمة، والتي تحمل سِحرًا فريدًا، يتجلَّى لحظةَ تلامُس الماء الدافئ لمَسامها؛ إذ تبدأ - بما يُعرف في التقاليد الصينية - بـ"رقصة الأوراق"، حيث تتفتَّح البراعم الصغيرة الرقيقة ببُطء؛ لتطلِق نكْهتها الزهريةَ العِطرية، التي لها رائحة البكارة. وهنا سألتُ ذاتي: هل بإمكاننا تجفيف جَمال البدايات في كل شيء، كما فعلوا مع براعم شجر الشاي، والاحتفاظ بها؛ لنتمكَّن من أن نرويَها بالمياه والحياة، مَرَّةً أخرى، وكلَّما أردنا؟ في هذا الطقس المتأمل - الذي يتطاير على أجنحة…
الأحد ١٦ أغسطس ٢٠٢٦
من دبي إلى العالم العربي… ربع قرن من صناعة التميز ورسم ملامح إعلام أكثر تأثيرًا. منذ انطلاقتها من دبي عام 1999، حملت جائزة الإعلام العربي رسالة تتجاوز حدود التكريم، واضعةً الإبداع والتميز والارتقاء بالممارسة الإعلامية في صميم أهدافها. واليوم، تُبرز الجائزة في دورتها لعام 2026 ذكرى اليوبيل الفضي، احتفاءً بمرور 25 عامًا على مسيرتها الحافلة بتكريم نخبة من الكفاءات والجهود الإعلامية البارزة في العالم العربي. ولم تكن الجائزة مجرد منصة لتكريم الفائزين في مجالات إعلامية مختلفة، بل مهّدت الطريق أمام كثير من المبدعين والمهتمين بتطوير الإعلام العربي، ومكّنتهم من ترك بصمات نوعية يُحتذى بها. فعلى مدى 25 عامًا، استقطبت الجائزة أكثر من 82 ألف مشاركة من مختلف أنحاء العالم العربي، وسجّلت مسيرتها تكريم 359 فائزًا ومكرّمًا، في حصيلة تعكس اتساع أثرها وحضورها في المشهد الإعلامي العربي. ومن أبرز ما حققته الجائزة خلال مسيرتها نجاحها في بناء شبكة مهنية واسعة تجاوز أثرها حدود التكريم، لتصبح…
السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست : لم يعد البقاء على اتصال هو المشكلة في عصرنا؛ بل أعتقد أن التحدي الحقيقي هو أن نحافظ على انسانيتنا ونحن متصلون إلكترونيا. لا شك أن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي جعلا إيقاع حياتنا أسرع. فنحن متصلون على الدوام، حتى حين لا نحمل الهاتف المحمول أو أي جهاز إلكتروني آخر بأيدينا: إشعارات الرسائل، ورسائل البريد الإلكتروني في ساعات متأخرة من الليل، والأخبار العاجلة، وإعلانات أعياد الميلاد، و إشعارات الوفاة، وكل ما يقع بين هذا وذاك. ثمة دائمًا شيء يصل، وشيء يستدعي انتباهنا، وشيء يذكّرنا بأن حدثًا ما يجري في مكان ما من دوننا. أعتقد أن الخوف من ألا نكون متصلين طوال الوقت ينبع مما أحب أن أسمّيه “الكرّ أو الفرّ الرقمي”. فقد طوّرنا حاجة تكاد تكون غريزية إلى البقاء حاضرين في العالم الرقمي: أن نتفقد، ونرد، وننشر، ونتفاعل، ونمرّر الشاشات، ونتأكد من أننا لم نفوّت شيئًا. لقد أصبح النشر المستمر إحدى وسائلنا الأساسية…