السبت ١٤ مايو ٢٠١٦
يصعب ألاّ يُرى ألم السوريّين قويّاً ومعبّراً، بل صافعاً للوجوه وفاقئاً للأعين، يتجاوز الوطن السوريّ إلى ديار اللجوء الواسعة ونقاط العبور إليها. ويصعب ألاّ يُرى بشّار الأسد بوصفه الصانع الأوّل لذاك الألم، قتلاً وتهجيراً وإذلالاً، هو الذي لا يجيد من الصناعات إلاّ التفنّن في إيلام مواطنيه. لكنْ يصعب أيضاً ألاّ يُرى ذاك الهزال الذي يسم تجاوب العالم مع ألم السوريّين، المقيمين منهم واللاجئين، ومع المسؤوليّة الأولى عنه. فهو وصمة على جبين إنسانيّتنا عموماً، وعلى جبين أقويائها وقادريها في شكل خاصّ. ومفهوم جدّاً، حيال هذه الدراما الإنسانيّة الإرهب منذ الحرب العالميّة الثانية، أن تسود حالة سوداويّة ومتشائمة في أوساط السوريّين والمتعاطفين معهم في مأساتهم. لكنْ يصعب، في المقابل، ألاّ يُرى من هذه الإنسانيّة المتقاعسة إلا الوصمة التي على جبينها. وهذا فضلاً عن أنّ تحويل السوداويّة إلى موقف قاطع إنّما يعلن انسداد أبواب الكون تماماً في وجوهنا، كما يعلن انسداد أبواب السياسة. وهو قد يعزّز ذاك الخليط الجامع بين الرومنسيّة القوميّة الجريح…
عائشة سلطانمؤسسة ومدير ة دار ورق للنشر في دبي وكاتبة عمود صحفي يومي بجريدة البيان
السبت ١٤ مايو ٢٠١٦
بعد أكثر من نصف ساعة من الحديث حول الإرهاب وأسبابه وطرق التصدي له، وقفت سيدة من بين الحضور لتسأل: لماذا وصل الأمر بالشباب العربي في بعض الدول إلى أن يفجروا أنفسهم بالأحزمة الناسفة؟ لماذا لم نسمع عن ذلك في الخمسينيات مثلًا؟ ولم تنسَ أن تسأل: هل نحارب الإرهاب أم نبحث في أسباب تورط شبابنا في هذا الطريق المدمر؟ أسئلتها هي أسئلتنا جميعاً، إن أي امرأة عربية بسيطة تجتاز الطريق في إحدى مدن العراق أو سوريا محملة بالأحزان والهموم ومسكونة بضياع الأمان والأحلام، أي امرأة يمكنها أن تطرح هذه الأسئلة الوجودية والمعبرة عن القلق والخوف في الوقت نفسه! أجبتها مباشرة: إنها جريمة الأنظمة التي حكمت تلك الدول والإنسان بالحديد والنار والسجون والمعتقلات وتكميم الأفواه وسرقة الثروات ومصادرة الحريات والحقوق والكرامة، وبدل أن تستخدم الثروة في بناء الإنسان والمكان استخدمتها ضده، حتى جاء اليوم الذي انفجرت فيه الشوارع العربية مطالبة بأبسط حقوقها قبل أن يتم حرف المسار كله وتغيير اتجاه المطالبات لتتحول…
السبت ١٤ مايو ٢٠١٦
منذ أن قطن الحي قبل سنوات، اعتاد أن يوقف سيارته في المكان نفسه.. ولم يتلق يوماً شكوى من أحد، أو حاول أن يشكو أحداً، كما لم يشعر يوماً بأنه بحاجة إلى بناء «كراج» خاص بسيارته.. فالحي الهادئ والجيران الطيبون المتفاهمون، يعطون أماناً مضاعفاً لبقية السكّان. لكن ذات صباح، فور خروجه إلى عمله، فوجئ بأن سيارته غير موجودة في مكانها، اعتقد للوهلة الأولى أنه قد أوقفها في مكان ما في الحي ونسي ذلك، بدأ بالبحث حول منزله ومنازل الجيران دون جدوى، فتيقن أن سيارته قد سرقت.. اتصل بالشرطة، وقام بالتعميم عليها، وجلس يفكر من وكيف ولماذا سرقها؟ اتصل بمديره في العمل وطلب منه إجازة لذلك اليوم، بسبب سوء حالته النفسية.. ظل في البيت ينتظر اتصالاً من الشرطة، أو من صديق يخبره بمكانها.. لكن لا جديد.. أخيراً استجاب للمثل القائل: «إذا كثرت همومك نام لها».. فنام الرجل بعد المغرب مهموماً مغلولاً قليل الحيلة.. في صباح اليوم التالي استيقظ مبكراً ليلحق بعمله، وليتابع…
السبت ١٤ مايو ٢٠١٦
التاريخ يُعيد نفسه في عَود أبدي، والحضارات لا تختفي بقدر ما هي تحتجب لتبرز حضارة موازية، قابلة للامتداد والسرد، والتعبير عن نفسها في معطيات قوية ومؤثرة. الحضارة العربية ربما تلاشت في مكانها، لكنها برزت في القرن الواحد والعشرين، في الإمارات، هذا القرن قرن الإمارات وحضارتها الزاهية المزدهرة، ومنجزاتها العملاقة المعبرة عن جهد ثقافي وفلسفي كرّس واقعاً إنسانياً مشهوداً. اليوم في الإمارات نرى هذا الزحف الحضاري، والتنوع الثقافي والإنجاز على مستويات مختلفة، كل ذلك يضع الإمارات في لب المشهد، وقلب الأحداث، ومقلة العقل. الإمارات بفضل حكمة الحكم، وحكم الحكمة، تبدو كوكباً تخرج من ثناياه ضياء التفوق والتميز والفرادة والاستثنائية، فلا يمر شروق شمس، إلا ترسل معها خيوط لإنجاز جديد، وحدث باهر، وفعل مدهش، هذه القوة الفاعلة، المتفاعلة، يتوسط أخذها وعطاءها، فكر إنساني أمسك بألباب المعرفة، وسخرها في خدمة البناء المجتمعي. ليصير الوطن بكامله قدرة فائقة يتوخى الآخر التماثل معها، ويستبصر في نسجيها، فلا يجد غير جباه مرفوعة، وسواعد تتشابك كالبنيان المرصوص…
الجمعة ١٣ مايو ٢٠١٦
تقديم البرامج السياسية «الساخرة» في هذه الأوقات يحمل مكاسب سريعة، ومخاطر أسرع. المكاسب هي سرعة الانتشار، وكلنا يتذكر كيف انتشر البرنامج المصري الساخر بعنوان «البرنامج» لباسم يوسف، حتى صار أشهر عرض ساخر عربيًا لبعض الوقت، لكنه غاب عن المشهد بنفس السرعة التي سطع فيه، لأسباب كثيرة. بالبرنامج الساخر، هناك وجهة نظر محددة، رأي حاد، تجاه قضايا سياسية هي بطبيعتها موضع جدل وانقسام. مثال ذلك ما جرى مؤخرا مع برنامج الممثل المصري أحمد آدم بعنوان «بني آدم شو»، الذي تبثه قناة «الحياة» المصرية. البرنامج تميز بخفة الظل، والنكتة المصرية المميزة بأداء مسرحي جذاب للفنان آدم. المسار السياسي للبرنامج واضح، ضد جماعة الإخوان وكل المعادين للمرحلة الحالية بقيادة السيسي، يسخر منهم، ويسخر من الدول التي يرى البرنامج أنها تدعمهم. كل هذا قد يكون مقبولا في ظل أن الفريق الآخر المنتمي له باسم يوسف مثلا، لم يتوقف عن تسديد البرامج الساخرة ضد من يسميهم السيساوية. لكن ثمة عثرات لا يمكن قبولها من أي…
الجمعة ١٣ مايو ٢٠١٦
تستمر روسيا والولايات المتحدة الأميركية في التأرجح بين تثبيت الهدنة في سورية وبين تغطية خرقها من جانب النظام السوري. وكلما بلغت المجازر التي يرتكبها بدم بارد، في ريف حلب وحماة وريف دمشق، تستبقان ارتفاع الأصوات الأوروبية والعربية، بالعودة إلى «بلفة» تثبيت الهدنة وتوسيعها، مع زرع أسباب خرقها عبر دعوة المعارضة إلى التمايز عن «جبهة النصرة»، فتستفيد موسكو من تداخل مواقع التنظيمات المعتدلة مع مواقع «النصرة»، لتبرير اندفاع بشار الأسد والقوات الإيرانية نحو «الانتصار». هكذا فعلت الدولتان العظميان حين أصدرتا بيانهما المشترك عن تثبيت الهدنة ليل الأحد الماضي، لاستباق اجتماع باريس الاثنين، للبحث في تقديم المساعدة للمعارضة السورية في وجه مشاهد الإبادة التي ميزت خروق الهدنة من النظام، وللقوطبة على اجتماع «أصدقاء سورية» الـ17 في باريس الثلثاء المقبل. الهدف هو الحؤول دون الرد بتمرير الأسلحة النوعية التي ظهرت منها صواريخ «تاو» في يد المعارضة قبل أيام، رداً على مجازر النظام، ما أتاح إنزال خسائر بدباباته وبمقاتلي الجيش الإيراني في ريف حلب…
عائشة سلطانمؤسسة ومدير ة دار ورق للنشر في دبي وكاتبة عمود صحفي يومي بجريدة البيان
الجمعة ١٣ مايو ٢٠١٦
قرأت آخر أعمال الكاتب التشيكي الأصل ميلان كونديرا "حفلة التفاهة"، فلم أستطع استساغة الرواية ولم أكملها، ففكرتها معقدة وترجمتها لم تكن جيدة، وحين زرت براغ للمرة الثانية منذ مدة، تصادف سكني في فندق يحتفي بالكتاب التشيكيين الكبار، فقد قرأت على غرفة الاجتماعات "قاعة ميلان كونديرا"، وعلى الجانب الأيسر للباب المقابل لغرفتي قرأت اسم "فرانز كافكا"، وحين خرجت للشارع أبحث عن مقهى دخلت بالمصادفة إلى واحد يحمل اسم "كافكا كافيه" في الساحة الرئيسية، عندها فكرت أن الأشياء لا تحدث بالمصادفة أبداً، وأن علي أن أقرأ شيئاً لهؤلاء الكبار! بعد أن عدت إلى دبي، تذكرت "حفلة التفاهة" واجتهدت في إكمالها برغم صعوبة فكرتها التي تدور حول: التفاهة في مقابل وجودنا الإنساني، أو التفاهة كمعادل لكل ما يحيط بنا، لكنني أنهيتها وحققت نقطة لصالحي، بعدها استغرقت في طرح الكثير من الأسئلة حول الرواية لأنها تزرعك بالأسئلة فعلاً! ما أشعل أسئلتي حفلة التفاهة الفعلية المقامة على امتداد جغرافيا الشرق الأوسط، ثم أحاديث واهتمامات الكثير…
الجمعة ١٣ مايو ٢٠١٦
لاتزال صناعة الاقتصاد الإسلامي تحث الخُطى نحو التمكن في الأرض ونفع الناس، لأنها الصناعة التي تنفع الناس وتمكث في الأرض، وتحمي الإنسان من محاربة الملك الديان، وها هي تنتشر في الأرض وتقبل عليها البشرية لملاءمتها لحاجاتهم، وتحقق لهم النفع والإفادة. وقد عقدت هيئة المحاسبة والمراجعة (أيوفي) مؤتمرها 25 في المدينة المنورة، برعاية أميرها الكريم، فيصل بن سلطان، وفي رحاب جامعة طيبة، الذي خصصته لمراجعة شاملة لمسيرة المصرفية الإسلامية في عقدها الأربعين، وقد كان الرعيل الأول من صُنَّاع هذه الصناعة، كالأمير محمد الفيصل وصالح كامل والحاج سعيد لوتاه، بنيابة ابنه البار صالح؛ حاضرين ومستحضرين مراحل تكوينها وتطورها ومعوقاتها واستشرافها، ولم يتورعوا عن نقدها التقويمي، وكان أبرز ما فيه أنها لم تتحول إلى استثمار حقيقي، بل بقيت في إطار المصرفية البنكية، وفي منتجات محدودة، لا تلبي طلب السوق، ولا تستوعب أبواب الاقتصاد الأخرى، ومع أهمية الاقتصاد في وضعه المصرفي وكبير نفعه، لأن مصارفه هي الوحيدة التي تماسكت وابتعدت عن عاصفة الانهيارات والأخطار…
الجمعة ١٣ مايو ٢٠١٦
ما بين الموت والحياة خيط رفيع فإما تدمر أو تعمر، وما الكراهية إلا وحش أعمى، يقود إلى سفك الدماء وهتك الأعراض، والاعتداء على السيادة. في هذا اليوم، صرنا نتذكر فقط، كانت على الخريطة دولة اسمها الصومال وأخرى ليبيا، وفي الطريق بلدان بدأت تتلاشى وتذوب مثل فصوص الملح، فعندما لا يحضر العقل ويغيب الوعي، يصبح الموت وسيلة للتعبير عن الإسقاط الداخلي على الخارجي، فما معنى أن يقدم كائن شبه بشري على تفجير نفسه من أجل قتل أبرياء، أطفال ونساء وشيوخ، وما معنى أن يرفع أحد مصاصي الدماء سيفه عالياً ليهوي به على عنق إنسان لم يرتكب ذنباً سوى أنه ولد في أرض ما توافر فيها الحقد بكثافة. ما معنى كل هذا النزيف العاطفي، ما معنى كل هذا النزوح باتجاه مناطق الكراهية، إنه العبث الوجودي، والعدم الأخلاقي والعشوائية الثقافية. فاليوم في سوريا، القاتل والمقتول، والسائل والمسؤول، كل يضع أقدامه على جحيم البغضاء، وتذهب سوريا باتجاه الفناء بعد أن دمر الحقد بنيتها التحتية،…
الخميس ١٢ مايو ٢٠١٦
ليل الخميس - الجمعة (5 - 6 أيار - مايو) قصف طيران النظام السوري مخيم «غطاء الرحمة» للنازحين في بلدة الكمونة بريف إدلب. كان هؤلاء هربوا من جحيم حلب إلى ما ظنّوه ملاذاً آمناً أو شبه آمن. قتل وأصيب أكثر من مئة منهم في جريمة حرب موصوفة، بعد ساعات على جلسةٍ لمجلس الأمن دان فيها معظم الأعضاء الهجمات الوحشية للنظام على حلب واعتبرتها الأمم المتحدة جريمة حرب نظراً إلى تدمير منهجي للمستشفيات والبنية التحتية للمدينة. لكن روسيا منعت مجلس الأمن من إصدار بيان، مجرّد بيان تنديد، لئلا يشكّل ورقة أولى في ملف جرائم نظام بشار الأسد لمحاسبته بموجب القانون الدولي. وتأسيساً على هذه «الحصانة» التي توفّرها روسيا أغار طيران الأسد على مخيّم النازحين. هذه المرّة طلب بان كي مون بوضوح أن يتخذ مجلس الأمن إجراءات لإحالة ملف سورية إلى المحكمة الجنائية الدولية. ما لبثت موسكو ودمشق أن لجأتا إلى التضليل لتمييع المسؤولية عن هذا القصف الإجرامي، بل اتهمتا «جبهة النصرة»…
الخميس ١٢ مايو ٢٠١٦
أواه ما هذا الذي في أمتي قد حلّ حتى اسودت الآفــاق ناديت (جلَّق) وهي في أسمالها ونظرت وهي خرائب ومحاق وبأرض بابل أي سحرٍ أسودٍ أدمى فلم يعد العراق عــراق هذه هي واقع الحال العربي، كما وصفها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في رائعته الشعرية الجديدة التي كانت بعنوان «إلى أمتي»، حيث تمر الأمة بأسوأ مراحلها، وتتوالى النكبات تلو النكبات لتصيب الأوطان والشعوب، ضاعت سورية و(دمشق)، وأصبحت المدن دماراً وخراباً، وتحول ملايين السوريين إلى لاجئين، والعراق لم يعد هو العراق منارة الثقافة والفكر والعلم العربية، بل زاد فيه الشقاق والقتل والتدمير، والوضع العام العربي يتّشح بالسواد، ولا أحد يستطيع أن يتكهن بمستقبل مضيء أبداً في ظل الظلام الدامس الذي يغطي مساحات معظم الدول العربية.. هذا الواقع المرير كان هو محور كثير من الحوارات الجانبية بين المفكرين والإعلاميين والمثقفين العرب الذين حضروا على مدار اليومين الماضيين جلسات وورش عمل منتدى الإعلام العربي في دبي، حديثهم تملؤه الغصة، وتحليلاتهم…
عائشة سلطانمؤسسة ومدير ة دار ورق للنشر في دبي وكاتبة عمود صحفي يومي بجريدة البيان
الخميس ١٢ مايو ٢٠١٦
من السهل على الناس وعلى المجتمعات في لحظات الشحن العاطفي والتوتر أن تقع في شر التطرف، باعتبار أن الناس يظنون أن المبالغة نوع من تأكيد الإيمان بالفكرة، فيصرخون ويتصايحون ويحملون السلاح - أياً كان نوع السلاح - هم يعتقدون أن ذلك دليل أكيد على صدق إيمانهم، المصيبة أن المبالغة أو المغالاة لا تُعبّر بالضرورة عن صدق الإيمان، لكنها تدلل حتماً على استعداد صاحبها للانسياق وراء عاطفته ومبالغاته للوقوع في المحظور، والمحظور المقصود هنا هو التطرف والمجاهرة بإرهاب الآخرين وتهديد أمنهم تحت ذريعة الدفاع عما نحبه ونقدسه! ليس هناك من بلاء أشد على المجتمعات من التطرف، وهذا ما نراه ونعايشه اليوم، الملاحظ دائماً أن التطرف كالخلية السرطانية ينتشر بسرعة وينقسم إلى ما هو أخطر على جسد المجتمعات والدول، لاحظوا كيف بدأ التطرف بما يعرف بتنظيم (القاعدة) بعد حرب أفغانستان بكل ما صاحبها من مبالغات وأكاذيب لا حدود لها، واليوم أين وصل العالم؟ كم نوعاً من التطرف نعاني؟ تطرف على أساس العرق،…