محمد خميس
محمد خميس
محمد خميس روائي صدر له من أمريكا رواية لفئة المراهقين بعنوان "مملكة سكابا" ، وله باللغة العربية مسرحية أدبية بعنوان "موعد مع الشمس"

أدغال نفسية

آراء

مولت ولاية كاليفورنيا الأمريكية بعثة علمية لدراسة ومراقبة سلوك الغوريلات، في إحدى غابات جنوب إفريقيا. ضمت البعثة كلاً من جيمس ستون (دكتوراة في علم الاحياء)، وريتشل ديفيد (عالمة في سلوك القردة)، والمصور روميل ستفنسون.

انسجم أعضاء الفريق مع بعضهم البعض منذ اليوم الأول لتلاقيهم، واختاروا بقعة مخفية بين الأشجار الكثيفة ليعسكروا فيها، حتى يتمكنوا من مراقبة الغوريلات دون انكشاف أمرهم. بعد مرور ثلاثة ايام، ظهر أمامهم فجأة مراهقان، شاب وشابة، ومعهما طفل رضيع تحمله الفتاة لا يتجاوز عمره أسبوعين على أكثر تقدير.

بدا على المراهقين الاضطراب والحيرة والخوف، وكان الحزن بادياً على الفتاة بالذات التي كانت تبكي بحرقة وبصوت مسموع، وتغرق الرضيع بقبلات متتالية،  بينما طفق الشاب يربت على كتفها في محاولة منه للتخفيف عنها، ولم يلاحظا وجود أعضاء الفريق الذي كانوا يراقبون الأمر من مكانهم خلف الأشجار الكثيفة.

وضعت الفتاة الرضيع تحت إحدى الأشجار، وترددت لبرهة قبل ان يسحبها صاحبها، وتخطو معه خطوات مرتبكة، وما إن ابتعدا قليلاً، حتى علا صوت الرضيع عالياً وكأنه يترجاهما العودة اليه. توقفت الفتاة وهمَت بالرجوع، لولا أن الفتى سحبها من يدها، طالباً منها ان تكمل مسيرتها دون الالتفات الى الوراء.

تجمد أعضاء الفريق في أمكانهم لبرهة من هول الصدمة، محاولين أن يفهموا ما يجري، بينما راح المصور روميل يلتقط ويوثق الأحداث بكاميرته في لقطات سريعة، وقبل أن يستفيق الفريق من صدمته، حدث أمرٌ آخر أشد غرابةً مما حدث من المراهقين وما كان منهما مع الطفل الرضيع، فقد اقتربت إحدى الغوريلات من الطفل وشرعت تتفحصه،  حبس أعضاء الفريق أنفاسهم وتبادلوا النظرات في صمت وخوف، إلى أن حثهم المصور روميل على انقاذ الطفل، وهَمَ أن يقترب من الغوريلا لوحده بعد أن رأى بلادة زملاءه، لكن العالمة ريتشل منعته، وطلبت منه التريث قليلاً ومراقبة ما ستقوم به الغوريلا، ناقشها روميل بأنها قد تقتله، فطلب منه الدكتور جيمس التزام الصمت، فهم قادرون على انقاذه، قبل ان تتمكن الغوريلا من إيذائه، انتظر روميل في مكانه على مضض، يلتقط الصور ويوثق.

أخذت الغوريلا الطفل وأرضعته، ثم حملته إلى حيث تجمع فصيلتها، احتج المصور روميل، وحملهم مسؤولية انقاذ الطفل التى أصبحت شبه مستحيلة وهو وسط تجمع الغوريلات. لم تبد على الدكتور جيمس أو الدكتورة ريتشل إمارات القلق، بل على العكس، بدا سعيدين، واقترحت الدكتورة ريتشل أن يتركوا الطفل مع الغوريلا، ليتسني لهم فرصة دراسة سلوك الغوريلات وتعاملها مع المخلوقات الأخرى.

وأضاف الدكتور جيمس، بأنها فرصة علمية نادرة، لن تتكرر، لدراسة طبيعة الإنسان من دون تدخل الثقافة والمجتمع فيها.

اعترض المصور روميل، فطرحا الموضوع للتصويت، وخسر روميل.

أطلقت الدكتورة ريتشل اسم “ستيف” على الطفل، وراقبوه وهو يكبر مع الغوريلات، كانت أمه الغوريلا هي قائدة الغوريلات، وكانت جميع الغوريلات تطيعها، وتتبعها أينما ذهبت.

كبر ستيف وهو يُعامل معاملة خاصة من الغوريلات الأخرى، فكانوا بسلوكهم معه وكأنهم بشر.

تناوب أعضاء الفريق على مراقبة “ستيف”، وتدوين الملاحظات، كلٍ من وجهة نظر اختصاصه،  تغيب الدكتورة ريتشل في إجازة، ثم يتبعها روميل، ثم الدكتور جيمس ، وهكذا دواليك، لاحظ أعضاء الفريق، بعد مرور سبع سنوات، وكل على حدة، أن لـ”ستيف” نظرات غريبة، لم يستطع أي منهم تفسيرها. كانت تلك النظرات الغريبةلا تظهر الا نادراً، وبشكل خاص حينما كانت تجبره أمه على اتباعها.

في ذات يوم ربيعي، بينما مجموعة الغوريلات تتنقل من مكان لى أخر، انعطفت الغوريلا القائدة في اتجاه اليمين، وانعطف وراءها الجميع، ما عدا “ستيف”، فانعطف يساراً، ووقف ينظر إلى الجميع وكأنه يريدهم أن يتبعوه هو وليس أمه. لم يلتفت أحد إلى “ستيف”، فبقى في مكانه لبرهة قصيرةيراقب الآخرين، واعتلته تلك النظرة الغامضة مرة أخرى، ثم فجأة لمع في عينه بريق، سرعان ما انطلق بعدها وأخذ حجراً وهوى به على رأس أمه، وطفق يضربها به ضربات متتالية وسريعة حتى هشم رأسها وفارقت الحياة دون أن تقاومه. نهض “ستيف ودماء أمه الغوريلا تملأ يداه وشرع يضحك بصوت تغمره السعادة. كانت تلك أول مرة يضحك فيها “ستيف”، رغم أنه لم يسبق أن شاهد أحداً في حياته يضحك، خطى الفتى عدة خطوات مبتعداً عن جثة أمه، ثم توقف والتفت الى الوراء ينظر إلى بقية المجموعة يطلب منهم بعينيه أن يتبعوه، فما كان منهم إلا أن هجموا عليه وقتلوه ضرباً.

دوّن المصور روميل أحداث البعثة في مذكراته الخاصة التى عثروا عليها بعد وفاته، واتضح منها أنه تتبع الفتى والفتاة  واكتشف أنهما كانا ينحدران من ثقافتين مختلفتين، تدين كل منها بدين مختلف عن الآخر، وكانا في علاقة حب ممنوعة، وما “ستيف” إلا نتاج ذلك الحب المحرم، فكان لا بد من التخلص منه، وإلا قامت حرب بين ثقافتيهما.

اختتم روميل مذكراته بدحض مقولة جان جاك رسو ” الإنسان طيب بالفطرة ولكن المجتمع أفسده “

خاص لـ ( الهتلان بوست )