أطفالنا.. أكبادنا

آراء

في الإمارات الإنسان أولاً، وفاتحة الاهتمام هو الطفل لأن به يكمن المستقبل وعلى جبينه تضاء قناديل الأمل، وبين يديه صنارة البحر محراث الأرض وصورة زاهية لغدٍ يتقدم بتفاؤل وصدق وحب؛ لأن عافية الطفل هي السند والعضد، هي الطاقة حاملة الإرادة نحو غايات وأهداف لا يمكن تحقيقها إلا بعزائم أطفال نشؤوا على الثقة بالنفس والثبات على القيم والمثابرة والمبادرة والمهارة في اتخاذ القرارات، والجودة في اتباع الخطط والبراعة في تقديم الآراء والذكاء في تناول المعطيات.

كل هذه الجداول المتدفقة من ضمير الطفل لا تتم إلا إذا تشبع النهر من زخ المطر الأسري، وأصبح فياضاً بالعذوبة، هياباً في التعبير عن المواقف.

يتحدث الكثيرون عن تنمر الأطفال، وهذه طامة كبرى يقع فيها المنظرون والمحللون؛ لأن التنمر في الأساس لا يبدأ من الطفل وليس طفرة جينية مباغتة، بل إن التنمر فعل أسرة جهلت التعامل مع الطفل وأفقدته الثقة بالوالدين، مما جعله يبحث في الخارج عن «الأنا الأعلى» والذي كان من المفترض أن يجده في البيت وفي أحضان الأسرة.

الإمارات بوعي المسؤولين عن علاقة الطفل بالأسرة وفي مختلف المؤسسات المعنية، أصبح اليوم الطفل فيها «طفلاً كبيراً»، بمعنى أن هذا الطفل الذي حظي بالرعاية والعناية من قبل الوالدين، وبدعم كامل من الدولة خرج إلى الشارع متسلحاً بمعنويات عالية وبثقافة تملأ وعاء العقل بسبائك الذهب، الأمر الذي جعله يواجه الحياة من دون خوف ولا تردد ولا امتعاض ولا إحباط؛ لأن المخزون وافر، ولأن العقل يمتلك زمام الأمور بحرية ومن ودون التعلق بالخواء، إنه العقل المزروع بأخضر المشاعر، مشاعر الحب، واعتناق علاقة التضامن مع الآخر.

الإمارات تعتبر اليوم المثال في إنتاج مشاعر الألفة ونموذجاً مشرفاً في بناء أسرة طيبة الأعراق.

فاحترام الطفولة وما له من مطالب ورغبات ملحة وفطرية هو ترياق النجاح في صناعة جيل خال من التشوهات نقي من مخلفات الجاهلية الأولى، والمجتمعات الإنسانية اليوم تراهن على الطفولة، كونها مصنع التقدم والرقي، ولكن هذا المصنع قد يصبح مفرزة لقطع غيار فاسدة إذا لم تتم عملية تشذيب المشاعر، ليس للأطفال فحسب، بل أولاً وأخيراً لمن أنيطت بهم تربية هؤلاء والتعامل معهم كأصدقاء لا غرباء تسوقهم عصا العصبية والحماقات نتيجة لأمراض داخلية لدى أحد الوالدين أو كليهما.

وهذا الآن ما تقوم به الإمارات من خلال الجمعيات الأسرية والمؤسسات الصحية، وهي مناطق احتواء ما يحدث لدى الكبار قبل أن ينتقل إلى الصغار، ومهما يكن فاليوم العالم تغير، وعلى الرغم من الصدمات الحضارية التي تصيب بعض المجتمعات، فإن التحول إلى الحضارة فرض واقعاً جديداً على العالم، وهو العمل بقوة على الاهتمام بالطفل، لأن نقطة البداية باتجاه المستقبل.

المصدر: الاتحاد