مهرة سعيد المهيري
مهرة سعيد المهيري
كاتبة إماراتية

الطائفية والتكسب السياسي

آراء

يعرف معجم أوكسفورد الشخص «الطائفي» بأنه الشخص الذي يتبع بشكل مُتعنّت طائفة معينة، أي إنه الذي يرفض الطوائف الأخرى ويغبنها حقوقها أو يكسب طائفته تلك الحقوق التي لغيرها تعالياً على بقية الطوائف أو تجاهلاً لها وتعصباً ضدها، في حين لا يعني مجرد الانتماء إلى طائفة أو فرقة أو مذهب جعل الإنسان المنتمي طائفياً، كما لا يجعله طائفياً عمله لتحسين أوضاع طائفته أو المنطقة التي يعيش فيها دون إضرار بحق الآخرين.

أسوأ ما يمكن أن نتصور أن تتحول الاجتهادات السياسية، إلى معركة عقدية يغذيها كل من الجهل وطموح السياسيين قصيري النظر، وتخاض وكأنها معركة حياة أو موت، كما حدث في أوروبا القرن السادس عشر عندما تحولت كراهية الأغيار إلى حروب أهلية ضروس بين البروتستانت والكاثوليك، ولم يستطع أي منهما محو الآخر من خريطة الوطن أو الاجتهاد أو الوجود الإنساني، فعادوا بعد دفع ثمن باهظ إلى التعايش.
فالنداء (الطائفي) ليس بالضرورة أن يصدر من أشخاص متدينين، فمعظم الأحيان تكون «الطائفية» السياسية مكرسة من ساسة ليس لديهم التزام ديني أو مذهبي، بل هو موقف انتهازي للحصول على «عصبية» كما يسميها البعض أو شعبية كما يطلق عليها في لغة اليوم، ليكون الانتهازي السياسي قادراً على الوصول إلى أهدافه.

في الخليج كما في أماكن أخرى هناك تعددية اجتماعية واجتهادية تعايشت لفترة طويلة من الزمن، ولما تدخلت الأطماع السياسية بدا للمتابع أن حرباً تكاد تكون أهلية تندلع بين أطراف متعصبة من الشيعة وأخرى من السُنة، قليلة في عددها كبيرة في نفوذها، تتزايد في بيئة مركبة من الجهل والسفه لتأخذ الأغلبية المعتدلة والصامتة مع الأسف إلى حافة الهاوية الاجتماعية. وبدا الانتقاء من أحداث التاريخ ذات الوجه المتعصب هو الأكثر شيوعاً، وتغييب الأحداث الأهم ذات الوجه السمح، من أجل إبراز وجهة النظر المتعصبة في المكانين، الشيعي والسني، على أنها صاحبة القدح المعلى، أما العقل والعقلانية فتراجعا أمام دعوات التعصب.

في هذا الوضع تغيب قيمة المواطنة وقيم التعايش وقبول الآخر، التي أكدتها أجيال متعاقبة من الناس في هذه المجتمعات نتيجة تجربة تاريخية طويلة، وجدت أن التعايش هو أفضل طريق لإقامة السلم الأهلي.

قيم المواطنة تفرق بين أخطاء فرد أو أفراد والشريحة الاجتماعية أو المذهبية الأوسع المقبل منها ذلك الفرد أو المجموعة، كما أن تلك القيم تقرر أنه لا عقوبة بغير ذنب، وتؤكد أن العقوبة شخصية وفردية لا جماعية ولا تؤخذ الكثرة بجريرة القلة.لا أحد يريد أن يتجاوز الخلاف السياسي بين جمهورية إيران ودول عربية مختلفة، كما لا يستطيع أحد أن يتجاوز حقيقة أن هناك مصالح سياسية وراء هذا الخلاف والاختلاف، ولكن نقل السياسي إلى مذهبي وتمكين الطارئ من الدائم، هو الخطيئة المميتة، لأنها تعرض المجتمع إلى التآكل وتؤسس إلى شقاق عميق في المجتمع الواحد، وبذر الشكوك وعدم الأمان في النسيج الاجتماعي.

الصمت عن هذا المرض الاجتماعي الذي ينخر مجتمع الخليج بحد ذاته مثلبة، والنفخ في المخاوف المتخيلة من البعض من أجل التشهير أو الشهرة أو التكسب السياسي، هو قريب إلى الجريمة الاجتماعية ويؤسس لشق المجتمع وتقييده في سوار قاتم اسمه الطائفية، وبالتالي إضعاف مقاومته لأي تأثير خارجي. يلعب الجهل والأمية والتعصب الديني والطائفي والتكسب السياسي الرخيص دورا في تمزيق الوطن العربي إلى طوائف وقبائل.

إن انتشار الوعي الطائفي والقبلي هو نقيض للوعي الوطني أو القومي، فلابد من الحذر من الأطروحات الطائفية أو القبلية.. وارتفاع مستوى الوعي بأهمية المجتمع المدني المتعايش خارج إطار القبليات والعصبيات والطائفيات.

المصدر: الاتحاد