كاتب و ناشر من دولة الإمارات
خاص لـ هات بوست:
أؤمن أن الكتابة من مكان ما تعني أنك عشته، لا أنك مررت به.
في نهاية إحدى الندوات بمعرض بكين الدولي للكتاب، حيث حلّت دولة الإمارات العربية المتحدة ضيف شرف هذا العام، اقترب مني شاب صيني بعد أن خلع سماعة الترجمة الفورية من أذنه. نظر إليّ بهدوء وقال بابتسامة:
“فهمت كلماتك… لكنني أريد أن أفهم شيئاً آخر.
ماذا تعني اللغة العربية بالنسبة لك؟”
لم يكن يسأل عن قواعد النحو أو تاريخ اللغة، بل عن ذلك الجزء الذي لا تستطيع الترجمة أن تنقله مهما بلغت دقتها. في تلك اللحظة، أدركت أن التقنية تستطيع أن تنقل المعنى، لكنها لا تستطيع أن تحمل الذاكرة التي صنعت ذلك المعنى.
قضيت أياماً في بكين أراقب مدينة تبدو وكأنها جاءت من المستقبل. كل شيء يعمل بسرعة مذهلة — التطبيقات، القطارات، الترجمة، والدفع. لكن ما شدّ انتباهي لم يكن هذا كله، بل شيء أكثر هدوءاً وأعمق أثراً: كل هذا المستقبل كان يتحدث الصينية. حينها أدركت أن اللغة هنا ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل قرار حضاري يرافق كل خطوة نحو المستقبل. لم أشعر أن التكنولوجيا جاءت لتستبدل الهوية، بل جاءت لتعمل داخلها. لم يطلب الصينيون من لغتهم أن تتراجع أمام التقنية — بل جعلوا التقنية تتحدث بلغتهم. تطبيقاتهم صينية، محتواهم الرقمي صيني، وحين تدخل إلى سوقهم الرقمي عليك أن تتعلم قواعدهم، لا أن تفرض عليهم قواعدك.
حين زرت معبد السماء، شعرت بتلك المهابة التي نعيشها أمام شواهدنا التاريخية في الإمارات والخليج — ذلك الإحساس بأن المكان يحمل أرواحاً سبقتنا. لكن ما لفت انتباهي أكثر أن الجمهور كان صينياً في معظمه. لم يكن هؤلاء سياحاً يلتقطون الصور — كانوا يزورون أنفسهم، يعودون إلى جزء منهم لم يتركوه يوماً. وحين حاولت حجز تذكرة للمدينة المحرمة، اكتشفت أن الحجوزات ممتلئة لأسبوعين كاملين. شعب بمليار ونصف يتزاحم على زيارة تاريخه — هذه ليست سياحة، هذه علاقة حب راسخة لا تعرف الخوارزمية كيف تترجمها. وفي تلك اللحظة تذكرت مشهداً يتكرر في الإمارات؛ حين يصطحب الآباء أبناءهم إلى القلاع القديمة، أو إلى المجالس والمتاحف، لا ليشاهدوا حجارةً عتيقة، بل ليورثوهم إحساساً بالانتماء. أدركت أن المسافة بين بكين وأبوظبي أو الشارقة أبعد جغرافياً مما هي ثقافياً؛ فالشعوب التي تحترم ذاكرتها لا تزور تاريخها بدافع الحنين، بل لتتأكد أنها ما زالت تعرف الطريق إلى المستقبل.
بعد عودتي إلى دبي، وجدت صورة قديمة لبيتنا الأول. كانت باهتة، ممزقة، ومليئة بالخدوش. فتحت أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي لإعادة ترميمها. في ثوانٍ، أصبحت الصورة مثالية — الوجوه واضحة، الألوان زاهية، الخدوش اختفت. لكن شيئاً ما اختفى معها. لم أستطع في البداية أن أحدد ما هو. ثم فهمت: الخوارزمية لم ترتكب خطأ. لقد نجحت أكثر مما ينبغي. لقد أعادت ترتيب الماضي… لكنها لم تستطع أن تعيد رائحته. وربما لهذا السبب لا نخشى أن تصبح الآلة أكثر ذكاءً، بل أن نصبح نحن أقل إحساساً بما يجعل ذكرياتنا تستحق أن تُحفظ.
في تلك اللحظة، خطر لي سؤال مختلف. ربما لا يكون السؤال الحقيقي في عصرنا هذا: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفكر مثل الإنسان؟ بل: هل يستطيع أن يشتاق مثله؟ أن يحتفظ بصورة ممزقة لأنه لا يريد أن يخسر الألم الذي يسكنها؟ الخوارزمية لا تعرف لماذا يرفض إنسان التخلص من رسالة قديمة، أو يحتفظ بكوب شاي مكسور، أو يعود إلى شارع لم يعد يسكنه أحد. إنها ترى البيانات. أما الإنسان، فيرى المعنى.
وربما لهذا السبب لا أخاف على الهوية — الإماراتية أو الصينية أو أي هوية إنسانية — من الذكاء الاصطناعي. أخاف عليها منا نحن. أخاف من اليوم الذي نبدأ فيه باختيار ما هو أسرع بدلاً مما هو أعمق. حين نستبدل الذكرى بنسختها المحسنة. والعلاقة برسالة مختصرة. والتأمل بإجابة جاهزة. ويبدو أن الصينيين فهموا هذه المعادلة مبكراً — بنوا جداراً ثقافياً لا يقل صلابة عن جدارهم العظيم، يحمون خلفه لغتهم وتراثهم، بينما يشرعون نوافذه للمستقبل والتقنية على مصاريعها. ليس عناداً — بل وعي عميق بأن الهوية تبدأ من التفاصيل الصغيرة قبل الشعارات الكبيرة.
*
الصين لم تُقنعني بأن المستقبل ينتصر على الماضي. بل أقنعتني بشيء أكثر دقة وأهمية: أن المستقبل يصبح أقوى عندما يعرف جيداً من أين جاء. ولهذا، لم أعد أسأل: كيف نحمي هويتنا من الخوارزمية؟ بل: كيف نجعل الخوارزمية تعمل في خدمة هوية تعرف نفسها جيداً؟ في الإمارات نسأل هذا السؤال كثيراً — كيف نبني المستقبل دون أن نفقد ما يجعلنا نحن. وبكين، بكل ما رأيته فيها، كانت أحد أعمق الإجابات التي صادفتها.
فالآلة ستصبح أكثر ذكاءً كل يوم. أما الإنسان… فلن يبقى إنساناً إلا إذا احتفظ بذلك الجزء الذي لا يمكن برمجته، ولا ترجمته، ولا استعادته.
