شموس المثل

آراء

بلغة تحلق مثل أجنحة الطير، تحدق مثل عيون الصقر، تهذب الكلمات مثل جديلة منسابة على خصر ومتن تشذب العبارة مثل موجة تهدهد أطراف السواحل، تسكب الجملة تلو الجملة مثل جدول يختال من بين أزهار وأشجار، هكذا يسبك الدكتور حماد الخاطري النعيمي لغته في شفافية مثل أهداب حسناء جبلية، مثل خيوط الشمس تفرز خد الأرض فترشف من معينها المعنى والمغزى.

كتاب «شموس المثل في أشعار آل زعل» يرصد الكاتب والباحث نتاج إبداعي جميل شاع على الألسن واتسع في قلوب العشاق من دنفوا بالكلمة المبدعة، واستلبتهم العبارة الدالة، في هذا الكتاب يقف الدكتور حماد على شعر ثلاثة فرسان من فرسان الشعر في الظفرة، في بادية أبوظبي، وهم «سعيد وزعل وأحمد» أبناء سيف بن زعل آل سلطان الفلاحي، ويقول الباحث نزولاً عند رغبة العديد من محبي قصائد آل زعل الذين سبق أن نشرت أشعارهم في كتاب «أعذب الألفاظ من ذاكرة الحفاظ» في أن يكون لهم ديوان مستقل شرعت من جديد بالعمل في هذا الإصدار الخاص بالأخوة أبناء سيف بن زعل الفلاحي بشكل مختلف حيث عمدت إلى شرح مفردات الألفاظ والتعريف بهؤلاء الشعراء الذين كانوا نجوماً في الفضاء الشعري الإماراتي في هذا الجزء العزيز من أرض العرب.

هذا الكتاب وعاء من ذهب المعرفة ومعطف من صدف شتاء، يدنو ما قد يغيب عن الذاكرة إن لم نضعه في شراشف الأفئدة ونمنحه لأجيالنا الذين لابد وأن يطلعوا على جمالية العطاء الشعري لدى جيل من أبناء الإمارات الذين نهلوا من الصحراء إبداعاً تسلسل كأنه القلادة وانساب كأنه العذوبة على شفتين لميائيتين تشفان باللواعج وتذوبان بالمبلل السماوي الرهيب، لقد استطاع الدكتور حماد الخاطري أن يلج بحاراً وأنهاراً في هذا السفر البعيد وعند ضفاف الشعراء يجد نفسه شراعاً يزهو بالبياض وموجة ترفرف بنخوة التاريخ العريق، لشعراء أفذاذ من بلد أسطوري في إبداعه، مذهل مدهش في عطائه.. من يقرأ هذا الكتاب يشعر وكأنه يمتطى صحوة موجة، يشعر وكأنه يعانق جناح حمامة يشعر وكأنه يسابق الخطوة باتجاه نبع قطراته كلمات تفرعت أغصانها كأنها السدرة العملاقة، كأنها الحلم الأزلي في عين غزالة، كأنها التاريخ بمكنونه ومخزونه وسجايا الناس الأوفياء، وطوايا الذين عشقوا الصحراء فألهمتهم عشب الكلمات القشيبة ومنحتهم صبوة الجياد وثنايا العاديات عدواً.

«أذب في دوس المشاريف

والله بما في قلبي أخبر

أسميك يالدنيا تصاريف

خسران ياللي فيك مغتر»

نحتاج إلى هذا الرصد والحصد والمد والسد لأنه الرصيد الذي يقف سامقاً مثل غافة على مشراف عند خاصرة الوطن.

المصدر: الاتحاد