وداعا لمحيي علوم البحث العلمي في جامعة الملك سعود – د.جمـال بن صـالح الوكيـل

أخبار

لقد عاصرت جامعة الملك سعود لأكثر من 25 عام بعد عودتي من الدراسات العليا في كندا، وتعايشت مع كل المتغيرات والمد والجزر. وقبل قدوم أ.د عبدالله العثمان، كانت الجامعة تعاني الكثير والكثير. فقد كانت الروح المعنوية منخفضة عند منسوبي الجامعة، كما كان التنافر والاختلاف متأصل بين الزملاء، والانقسامات بين الأقسام، واختلاف الأبحاث، فتفرق الشمل وكثرت الاستقلالات، وأصبحت الإعارات والعمل في القطاعات الأخرى هو ما يناقش بشكل دوري في اجتماعات الأقسام والكليات، وحتى من تدرب للدراسات العليا على حساب جامعة الملك سعود يرفض العودة لانعدام الحوافز وعدم توفر البيئة الجيدة للعمل وقلة الإمكانيات. وإن صمد الزملاء وبقوا في الجامعة إلا إن كانوا يشعرون بالأسى و الإحباط بل وصلت إلى مرحلة أن بعض الزملاء أصبحوا لا يصرحون بأنهم من منسوبي جامعة الملك سعود وينسب نفسه إلى القطاعات الأخرى التي يعملون بها بشكل جزئي.

وانطبع هذا التأثير على الطلبة، فأصبح الطالب ليس محور اهتمام عضو هيئة التدريس واتسمت العلاقة بينهم بالحدة وعدم التفاهم وقد تصل إلى التقليل بل ذم الطالب. واشتد الإحباط على مستوى الأبحاث، فقد كان الدعم ضئيلا، ومن يقدم الأبحاث وينشرها لا ينسبها إلى جامعة الملك سعود بل إلى نفسه. وهكذا كانت الجامعة كالرجل العليل فكانت الصحوة بقيادة أ.د/ عبدالله العثمان الذي بدأ قيادة الجامعة بدراسة أسباب هذا المرض، وتشخيص أسباب التوتر، ومعرفة مبررات انخفاض الروح المعنوية.

ومع الاجتماعات المتكررة مع أعضاء هيئة التدريس والاستعانة بالخبراء المحليين والعالميين، لخص أسباب تأخر الجامعة بقلة المحفزات المادية والدعم المعنوي، وقلة التدريب، وعدم وجود الخدمات المساندة، وعدم تقدير عضو هيئة التدريس، والبيروقراطية في المعاملات، فبدء ووعد بزيادة الحوافز المادية ونفذ ذلك ثم أنشأ برامج تطوير مهارات أعضاء هيئة التدريس من خلال البرامج التدريبية المتكررة الأسبوعية والتي كانت تقام في الكليات أو في الجامعة بل أرسل المتميز من أعضاء هيئة التدريس للتدريب على مهارات التعليم والبحث العلمي والتطوير الإداري في عدد من الجامعات المتميزة، ثم عمل بجهد لتطوير رؤيا مستقبلية مميزة لجامعة الملك سعود فقام بدراسة ملامح التميز لكثير من الجامعات العريقة ومؤشرات نجاحها، والوسيلة التي استخدموها للنجاح (تجربة ماليزيا- تجربة سنغافورا- تجربة كوريا- جامعة هارفارد) وأرسل الوفود وأعضاء هيئة التدريس للإحساس بهذا النجاح، ثم رسم طريقة وخطة لجعل هذه الجامعة في مقدمة الجامعات العالمية واقتبس منها ما هو صالح وصاغه في ثوب جديد ملائم لظروفنا وإمكانياتنا وقدراتنا فكانت رؤى جديدة للجامعة وخطة مستقبلية مدروسة. ولرفع الروح المعنوية كان لا بد أن يكون على علاقة جيدة بالإعلام وانجازات الجامعة المتميزة وهذا على المستوى الداخلي. أما على المستوى الخارجي فقد بدء حلقة اتصال بين العلماء والجامعة وخاصة الحاصلين على جائزة نوبل ومهد علاقة صداقة وتعاون ومنافع مشتركة بينهم وبين الجامعة فأصبح منسوبي جامعة الملك سعود وطلابها موضع تقدير وترحيب في كثير من الجامعات وبدأت البحوث المشتركة والتعاون لنقل التعليم الصناعي والبحثي إلى جامعة الملك سعود. بل كانت في أ.د عبدالله العثمان الجرأة والثقة في جامعة الملك سعود بأن تبدأ الجامعة بتصنيع السيارات لكسر حاجز الخوف والوهن ولتأكيد الذات بأن منسوبي الجامعة وطلابها قادرين على مواكبة التطور الصناعي والعمل به. ومع هذه النقلة الحضارية وهذه الرؤية المستقبلية وهذا الحراك الجم لكان لابد أن تؤمن المصادر المالية فكانت فكرة أوقاف الجامعة ووادي الرياض للتقنية وعلاقة صداقة مع رجال الأعمال لتمويل هذا الحراك وكسر حاجز البيروقراطيات المتعددة. وأخيرا بعد كل هذا انعكست كل الانجازات على الطلبة وأصبح هناك حقوق واضحة للطلبة ومجلس طلبة يناقش به متطلباتهم وحاجاتهم.

 وأخيرا الكامل من العمل لا يكون بدون أن تكون هناك عثرات و تجاوزات و خصومات بالغ بها محرر حاقد في مجلة السينس  (Science) إلا وأن حكمنا فلنحكم على جم العمل ولن أخوض في تلك العثرات فقد أوجعت مناقشة فكانت هناك صراحة ومصارحة قبلها البعض ورفضها البعض إلا أننا نؤكد و نتفق أنه أدى الأمانة وقدم الكثير ورفع الجامعة في تصنيف الجامعات العالمية وكان قائدا وأخا وخطيبا وصاحب مبادرات ونقلة إصلاحية حديثة للجامعة.وإن لم يوفيه الزملاء حقه فإن أعماله التي رسمها له التاريخ بخطوط من الذهب والفخر شاهدا على الانجازات التي قدمها. وقد كان حقا (محيي علوم البحث العلمي في جامعة الملك سعود).

إن التغيير لا يعني أن هناك عيبا أو قصورا، وإنما كل مرحلة رجالها وقيادتها وإن كنا أوفياء شاكرين لإدارة أ.د. عبدالله العثمان فنحن يدا ودعما لكل إدارة أساسها الرقي بالتعليم الجامعي وجعل جامعة الملك سعود في مقدمات الجامعات. نسأل الله أن تسير الجامعة على خطوات التطور والإبداع.