الثلاثاء ٠٩ يونيو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: من يستطيع أن يتأمل في العلاقات الإنسانية والأسرية والاجتماعية والمهنية، ويتابع الأخبار والأحداث السياسية، يستطيع أن يلاحظ كثيراً من التشابه بين طبيعة العلاقات بين الناس وطبيعة العلاقات بين الدول في مختلف المواقف. أنماط طبيعة البشر تجدها تتكرر وتنعكس في صور أكبر شيئاً فشيئاً؛ في الأفراد، وفي البيوت، وفي أماكن العمل، وفي المدن، ثم في الدولة التي تنتمي إليها أو تعيش فيها. وهذا يفسر نوعاً ما لماذا نختار العيش في مدينة ما أو بلاد معينة، ولماذا نفضل العمل في هذه الوظيفة أو هذا المجال بالذات؛ وذلك لأننا نختار، بوعي أو بدون وعي، النمط الذي يشبه ما في أنفسنا، وما ننسجم معه من أماكن أو علاقات نهتم بها. يقول سيدنا علي بن أبي طالب: “وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر” أي أن العالم الخارجي، بكل ما فيه من سعة وتعقيدات، يشبه العالم الداخلي في أنفسنا بطريقة…
الإثنين ٠٨ يونيو ٢٠٢٦
هل فكرت يوماً في حجم الفرص التي خسرتها كرامتك؟ تلك التي ظننت أنك تحميها بصمتك، بينما كنت تغلق بها أبواباً كان يمكن أن تُفتح لك. عندي صديق، رجل نحترمه، يخاف من الطلب كخوفه من الهزيمة. حين يضيق به الحال يغلق على نفسه ويقنع نفسه بأن كرامته محفوظة في صمته. من يعرفه يرى حاجته بوضوح، يغرق في حاجة لم يجرؤ على نطقها. وهناك من رُفض طلبه يوماً فجُرح، فأقسم ألا يطلب ثانية حتى لا يتألم. الصورة التي نحميها بصمتنا لا يراها أحد، والحاجة التي نخفيها يراها كل من يعرفنا حقاً. في ثقافتنا يكبر الفرد على فكرة أن من لا يحتاج إلى أحد هو الإنسان الكامل، وأن حاجتك للآخرين خدش في صورة القوة. نحن لا نرفض الطلب لأننا لسنا بحاجة، بل لأننا نخاف أن يُنظر إلينا كمحتاجين. نستخدم الكبرياء كحصن دفاعي، ونظن أن طلب الدعم سيكشف ضعفنا. نحن لا نحمي كرامتنا، نحمي صورتنا المزيفة. نعيش أحياناً في وهم الشفافية، فنظن أن حاجتنا…
الإثنين ٠٨ يونيو ٢٠٢٦
تقوم ولاية الفقيه على فكرة أن الفقيه ينوب عن الإمام الغائب، ويتولى قيادة الناس، وقد رفع الخميني مكانة الولي الفقيه إلى مرتبة جعلت طاعته أساساً للتكاليف الإلهية، ثم حوّلها بعد ثورة 1979 إلى مشروع حكم ونفوذ يسعى إلى بسط سلطة الولي الفقيه خارج حدود إيران، وربط ولاء الشيعة في مختلف الدول بالمرشد الإيراني. وسُخِّرت لهذا المشروع شبكة واسعة من الحوزات، وأصبحت «قم» مركزاً يستقطب آلاف الطلاب الشيعة من مختلف الدول، حيث يقترن التعليم الديني بخطاب أيديولوجي يرتكز على ولاية الفقيه وتصدير الثورة. كما دعّمت إيران عشرات القنوات والمنصات الإعلامية، ووظّفت المناسبات الدينية الكبرى مثل الأربعينية وعاشوراء لتعزيز الولاء العابر للحدود. يؤكد تاريخ الحوزة العلمية في النّجف، منذ انتقال الطّوسي إليها سنة 1056م، أن ولاية الفقيه المُطلقة لم تكن جزءاً من تراثها الفقهي. وعندما وصل الخميني إلى النجف منفياً عام 1965، واجه تحفُّظاً من المراجع الشيعية آنذاك الذين تعاملوا معه بحذر، ورأوا في توجّهاته السياسية والثورية خروجاً على المسار التقليدي للحوزة.…
الأحد ٠٧ يونيو ٢٠٢٦
في الإمارات، لا يأتي الولاء الصادق للقيادة الحكيمة من باب المجاملة، ولا يُبنى على شعارات عابرة أو مواقف ظرفية، بل ينطلق من إيمان راسخ بالوطن وقادته ورموزه وتاريخه ومسيرته التنموية الفريدة. إنه ولاء من القلب، قوامه الثقة والصدق والمحبة والوفاء بالعهد. ولذلك ظل الولاء في الإمارات قيمة أصيلة ومتجذرة في وجدان المجتمع، انتقلت عبر الأجيال جيلاً بعد جيل، حتى أصبحت جزءاً من الهوية الوطنية التي تجمع المواطنين والمقيمين على حد سواء. فمن يعيش على هذه الأرض المباركة، ويختبر ما توفره من أمن واستقرار وعدالة وفرص للحياة الكريمة، يدرك سريعاً أن العلاقة بين القيادة والشعب في الإمارات ليست علاقة تقليدية تقوم على الواجبات الرسمية فقط، بل هي علاقة ثقة متبادلة ومحبة حقيقية وشراكة في صناعة المستقبل. ولهذا لم يكن مستغرباً أن تمتد مشاعر الولاء والانتماء لتشمل ملايين المقيمين الذين وجدوا في الإمارات وطناً ثانياً ومكاناً يحققون فيه أحلامهم وطموحاتهم. ومن هذا المعنى العميق جاءت المبادرة الوطنية المجتمعية «عهد ووعد» التي أطلقها…
السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست : BRB ... لا أذكر متى كانت آخر مرة قرأت فيها هذا المصطلح! كان غارقًا في بئر النسيان إلى أن أظهره إلى السطح مرةً أخرى، الدكتور عبدالله السفياني - الكاتب والمفكر السعودي - في سياق كلمةٍ له خلال المؤتمر الدولي للغة العربية والذكاء الاصطناعي، والتي دارت حول ما يفعله الذكاء الاصطناعي برؤيتنا للوجود. إلا أنني أذكر جيدًا أنني لم أستسغه يومًا. فأول مرة رأيته أمامي كان مكتوبًا بالحروف العربية، واختلط عليّ الأمر حينها بسبب غياب التشكيل، فقرأته: (بِرَبّ) معتقدةً أنه يتعلق على نحوٍ ما بالله! وغرقت في حيرة آنية، لعجزي عن ربط ما فهمته بسياق المحادثات التي كنت أطالعها! إلى أن اكتشفت أنه لفظٌ مُعَرَّب للاختصار (BRB)، والذي يعني: (Be Right Back) أي (سأعود حالًا). كانت هذه العبارة - كما ذكّرنا الدكتور عبدالله - تستخدم من قِبَل روّاد (الماسنجر) وقنوات المحادثة كإشارة إلى الابتعاد عن الجهاز، لسببٍ ما، ومن…
السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٦
اعتقدتْ بعضُ الحضارات القديمة مثل: المايا والأزتيك، وبعض القبائل الاسكندنافية، والحضارات الأسيوية، بأن عليها - لتسترضي البحر الثائر الغاضب، الذي يشح بخيرات صيده - أن تهدي له "فتاة"، بِكرًا جميلة؛ وكانوا يزيِّنون هذه الفكرة للنساء؛ ليرضخن بأنهم يهَبُوا للبحر - مصدر رزْقهم - أغلى وأطهر ما لديهم. لم يقدِّموا للبحر أو الأنهار "فتًى"؛ لأن الفتى (قوة عمل)، ستخرُج للصيد، ومجابَهة الأهوال. هكذا أخرَجوا الموقِف؛ لتتقبَّل المرأة التضحية والموت. لكن خلفية اختيار القربان تعود لكون الفتاة كيانًا غير منتِج، لن تقوم بعمل الرجُل، ولن تقاوم. هل كان للفتاة أن تعترض، وإذا اعترضت؛ هل كان هناك مَن سيستمع إليها؟ الجموع قرَّرت هذا واتفقت عليه. أن تتفق الجموع على قصة أو سردية واحدة، تلك هي أكبر قوة في الحياة، وهذا هو القانون السِّري، الذي شُيدت به الأنظمة الاجتماعية، والأيديولوجيات، وأعتى الإمبراطوريات، فالتاريخ الإنساني لا يخضع للقوة المادية وحدها؛ بل يخضع بالدرجة الأولى للقوة، التي تكتسبها الأفكار…
الأربعاء ٠٣ يونيو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: منذ أيام، نشرت منظمة الصحة العالمية دراسة تشير إلى أن نحو 840 ألف وفاة سنويًا ترتبط بساعات العمل الطويلة والإجهاد المهني. لكن الرقم — على ضخامته — لا يقول كل شيء؛ لأن ما يغيب عن هذه الإحصاءات هو ما يسبقه: ضغطٌ يتراكم بصمت، وتآكلٌ بطيء، وأثرٌ نفسيّ واجتماعيّ لا يُلتقط بسهولة… لكنه يُعاش يوميًا. ولأن ما لا يُرى لا يدخل في الحسابات بسهولة، فإن الخسارة لا تكون إنسانيةً فقط، بل اقتصاديةً أيضًا: إنتاجيةٌ تتآكل، وغيابٌ يتكرّر، واستنزافٌ صامت لا يظهر في التقارير بوضوح… لكنه يترك أثره في كل تفصيلة. ليس ما يلفت الانتباه هو الرقم فقط، بل ما يختبئ خلفه. فنحن لا نسلّط الضوء على من رحلوا فحسب، بل على من ما زالوا هنا… تحت وطأة أثرٍ لا يُرى، لكنه يلازمهم. في العمل، لا يُقاس التعب دائمًا بالساعات، بل بما يبقى منك بعدها. فالأذى النفسي لا يحتاج إلى دليلٍ مرئيّ ليكون حقيقيًا؛ ومع ذلك… لا نصدّقه…
السبت ٣٠ مايو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست : إذا تجاوزنا الضجيج والادعاءات المحيطة بالمفاوضات، فإن مجرد استمرارها يظل مؤشراً على أن الطرفين يدركان أن كلفة الانهيار أعلى من كلفة التنازل. الأزمة المعلّقة تستنزف الجميع، واستئناف الحرب سيكون مدمراً، فيما لا تبدو إدارة ترمب راغبة في خوض حرب كبرى بلا غطاء سياسي كافٍ، ولا تبدو طهران قادرة على مواصلة النزيف الاقتصادي طويلاً تحت وطأة العقوبات وحرمانها من عوائد النفط، مهما بالغت دعايتها في تصوير العكس. لكن السؤال الأهم: ماذا لو بدا الاتفاق، في شكله الظاهري، قريباً من اتفاق أوباما عام 2015؛ أي اتفاقاً يركّز على الملف النووي مقابل تخفيف العقوبات؟ هنا تحديداً يجب ألا نقع في فخ المقارنة السطحية. ترمب ليس أوباما، أوباما دخل الاتفاق بوصفه مشروع تسوية تاريخية مع إيران، أما ترمب فيتعامل معه بوصفه صفقة مشروطة بالقوة والضغط والنتائج. الفارق ليس في النصوص وحدها، بل في فلسفة التفاوض: أوباما راهن على دمج إيران، بينما يراهن ترمب على كسر…
الثلاثاء ٢٦ مايو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: أنت تتحرج بشكل طبيعي من الخوض في هذا الحديث الشائك، تهز رأسك كيفما اتفق وتغير الموضوع.. أن تكون كاتباً في الوطن العربي، أن تسول لك نفسك التورط في إثم التفكير وتلويث أصابعك بحبر الكتابة الإبداعية الدبق، ثم الدخول في حقل النشر الملغم بالضبابية والخيبات الثقيلة.. تتوهم أن مهمتك انتهت بسهر الليالي وهواجس الكتابة وأكواب القهوة الثقيلة التي تجرعتها، ومتلازمة الصداع المزمن والذهول الدائم، والانشغال بإعمال الفكر والخيال والتدوين والتدقيق والتحرير، وكائنات الكتابة التي تطاردك في النوم واليقظة، وتحرمك لذة العيش السوي. كنت غافلاً أيها المسكين عن دهاليز دور النشر المعتمة ومتاهاتها واشتراطاتها، بل يُعدك الجميع محظوظاً جداً إذ اقتنعت دار نشر معتبرة بعملك وتبنته وقررت نشره دون أن تكلفك أي مبلغ، لكنها ألمحت طبعاً إلى ارتفاع كلفة الطباعة والشحن، وجشع الموزعين وفوضى معارض الكتاب، وإلى شح الإقبال على القراءة والكتب، وإلى أنك أيها الجميل ستحصل فقط على بضع…
الإثنين ٢٥ مايو ٢٠٢٦
لا يمكن أن تُبنى الدول بالمشروعات الاقتصادية وحدها ولا تقاس نهضة المجتمعات بالبنى التحتية فقط. تقوم الدول قبل ذلك وبعده على بناء الإنسان الواعي القادر على فهم معنى الدولة وقراءة تجربتها والدفاع عن منجزها وتفسير موقعها بالتاريخ والجغرافيا والسياسة وتقديم صورتها للعالم. من هنا، تأتي أهمية الكتابة بوصفها فعلاً وطنياً، لا مجرد ممارسة لغوية أو تعبيرية، فالكتابة الواعية تسهم في تشكيل الوعي المجتمعي وتكوين الرأي، وبناء الفهم، وترسيخ الهوية الوطنية، وحماية السردية الوطنية من التشويه أو حتى الاختزال أو القراءة السطحية. هنا، سأتحدث عن تجربتي من خلال المشاركة في الورشة التدريبية لكتابة المقال، التي نظمتها جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية ضمن مسار "السردية الإماراتية"، لقد كانت تجربة علمية ومعرفية مهمة وضرورية أضافت للمشاركين الكثير وكشفت لهم عن أن المقال ليس مجرد نص قصير يُكتب للتعبير عن رأي أو شرح وتفسير لقضية أو حدث عابر، بل هو بناء فكري متكامل يبدأ من الفكرة، ويمر عبر التحليل، وينتهي إلى موقف واضح…
الجمعة ٢٢ مايو ٢٠٢٦
ــ لماذا يرى الرجل- بالرغم من حصوله على قدر من العلم والثقافة، واشتغاله بمنظومة العدالة والحقوق البشرية- أن قتل طليقته التى تزوجت مرة أخرى أمر يمكن التفكير فيه وتنفيذه؟ لقد رأى الزوج السابق أن قتلها أفضل من حياتها وهى زوجه لغيره، بالرغم من أنه تزوج قبلها من أخرى!! ــ ولماذا يرى بعض الرجال الآخرين- سواء الذين على قدر من التعليم، أو من محدودى الثقافة- أن من حقهم إذا رفضت المرأة استكمال خطبتها له، أو إتمام الزواج منه، معاقبتها بالقتل أحيانا، أو الضرب والإهانة فى أحايين كثيرة، كما تشويه السمعة دائمًا؟ - ما المانع أن ترفض فتاة فى مصر أو العراق أو الأردن أو الجزائر أو أى بلد عربى الزواج من ابن عمها، أو أى رجل اختاره لها أهلها، ولماذا تُرغم على الزواج ممن لا تريد؟ هل لهذا الكائن «المرأة» فى الثقافة العربية حق الاختيار؟ وإذا حاولت الهرب من مصير لا تريده، لماذا يحق لهم قتلها، وادعاء أنهم تخلصوا منها تحت…
الجمعة ٢٢ مايو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: جاءت احتفالية تكريم الفائزين في جائزة المقال الإماراتي في دورتها الثانية – التي شُرِفْتُ بعَرافَتِها - مفعمةً بالجمال، والأبهى أنها حملت معها ألقًا ثقافيًا مؤثرًا أضفاه حضور سمو الشيخة الدكتورة شما بنت محمد بن خالد آل نهيان، رئيسة مجلس إدارة مؤسسة الشيخ محمد بن خالد آل نهيان الثقافية والتعليمية، إذ تأتي رعايتها الكريمة للحفل ترسيخًا لنهجها المعهود في دعم الساحة الثقافية، ورعاية أهل الفكر وحملة الأقلام. ومع اعتزازي بالمحطات المتنوعة التي تناولتها سمو الشيخة الدكتورة شما في كلمتها، إلا أن إشارتها لصفحة (رأي الناس) في صحيفة الاتحاد قد لامست قلبي، وأثارت شجوني، وأحيت ذكرى مرحلة لطالما حنَنْت إليها، تلك الصفحة الغنية التي أُنشئت في تسعينيات الألفية الماضية، وخُصِّصَت حصرًا لاحتضان كتابات قرّائها. وقد وصفت سمو الشيخة الدكتورة شما صفحة (رأي الناس) - في كلمتها خلال الحفل - وصفًا بالغ الدقة حيث قالت إنها "تحولت إلى ما يشبه مرآة يومية يرى…