الألم .. جرس الإنذار الرحيم

آراء

خاص لـ هات بوست: 

     (من تعلّق بشيءٍ عُذِّبَ به) .. تُطرَح هذه العبارة غالبًا في الخطاب الوعظي أو التوجيهي كتحذيرٍ صارم، مما يوحي بأن “التعلّق” مجرد قرارٍ طائشٍ اتخذه الشخص بكامل إرادته، ويستحق عليه هذا العذاب كعقوبة!

إلا أن الحقيقة النفسية والإنسانية أعقد بكثير، فالتعلّق في سياق العلاقات الإنسانية، وإن بدا مرتبطًا بسلوكياتٍ إرادية، هو في جوهره اضطرابٌ قهريٌّ، يقود صاحبه عنوةً ويوجّه تصرفاته. وما يبدو في ظاهره نزعةً للالتصاق والتضييق، والتحكم والسيطرة، يخفي في أعماقه هشاشةً وضعفًا، وتوجّسًا وانكسارًا.

يرى عالم النفس جون بولبي John Bowlby، مؤسس نظرية التعلّق، أننا منذ طفولتنا الأولى نحتاج إلى “قاعدة آمنة” نستمد منها الأمان العاطفي والاستقرار النفسي، ولأننا كأطفال رُضّع لا نملك ترف اختيار “نمط ارتباطنا” فإننا نستجيب تلقائيًّا لمدى توفر أو غياب تلك “القاعدة الآمنة”، فإذا تلاشت هذه القاعدة لأيّ سبب، كالفقد أو الإهمال أو التذبذب في المعاملة أو الحرمان العاطفي الشديد، وقفنا أمام ذلك عاجزين عن تنظيم مشاعرنا داخليًا، فنكبر ولدينا قناعة عميقة بأن العالم مكانٌ غير آمن، وأن الآخرين لا يمكن الاعتماد عليهم، وأننا نحن أنفسنا لا نستحق الحب.

وهنا يتعين الاستدراك، فالإخلال بالقاعدة الآمنة لا يشترط أن تسبقه نوايا سيئة أو إيذاء متعمّد، إذ قد تحدث الإساءة العاطفية لأسبابٍ غير مقصودة، كغياب الوعي الوالدي، وعدم امتلاك الأدوات المعرفية أو المهارات النفسية والتربوية الكافية لفهم مآلات بعض السلوكيات، وهذا لا يقدح في حب آبائنا أو ينقصه، فالآباء قد يحبون أبناءهم بملء قلوبهم، لكنهم يؤذونهم – دون قصد – بجهل الأدوات. وهي إشارةٌ تستحق توسّعًا ليس هذا مقامه، لكن وجب وضعها في الحسبان من باب الإنصاف.

وفي مرحلةٍ لاحقة ينشأ لدينا تعلّقٌ غير آمن بشخصٍ محدد، يقوم على الاعتماد العاطفي المفرط لتلبية احتياجاتنا العاطفية والنفسية، ويتجلّى في غيرةٍ شديدة، ومراقبةٍ مستمرة، وتفكيرٍ دائمٍ لدرجةٍ مُقعِدةٍ تحول بيننا وبين ممارسة حياتنا اليومية وواجباتنا بشكل مستقر. ويرافق هذا كله هاجسٌ دائمٌ بالفقد، وخوفٌ مزمنٌ من الهجر، وشعورٌ عميقٌ بعدم الكفاية،  واستجداءٌ لا ينقطع للطمأنة والتقدير، وعجزٌ عن الاستقلاليّة ووضع الحدود الشخصية، والأدهى من ذلك كله، أننا نغدو ضحايا سهلةً ومثاليةً للعلاقات السامة والتلاعب العاطفي، مما يعزز لدينا شعورنا الأصيل بعدم الأمان، ويدخلنا في حلقة مفرغة من الفشل المتكرر في بناء علاقاتٍ متوازنة.

والمفارقة أننا رغم كل هذا لا ننال مبتغانا أبدًا، فلا نظفر بأمانٍ، ولا نذوق طمأنينةً، ولا نبلغ إشباعًا، بل نظل في حالة إنهاكٍ واستنزافٍ نفسيٍّ مستمر. وبمرور الوقت وزيادة روابط التعلّق، لا سيما مع تطاول أمد العلاقة، يغدو ذلك الألم النفسي المستمر هو ثمن العجز عن الانفصال!

بيد أن التعلّق – رغم هذا كله – يعمل كآلية دفاعية، فهو ليس اختيارًا طوعيًّا، بل هو استجابةٌ لا واعية لفراغٍ داخليٍّ سحيقٍ حُرِم من الإشباع طويلًا. فالعقل البشري يتشبّث بما يظنه مصدرًا للأمان، ويلتصق بما يخاله طوقًا للنجاة.

وما يجب علينا فهمه هنا هو أن الألم الناتج عن هذا التعلّق هو أثرٌ نفسيٌّ قاسٍ، لا عقوبةٌ مفروضة، إذ لا يقول منصفٌ إن المتعلّق يستلذ بهذا الجحيم النفسي الذي يغرق فيه حتى يُعاقَب عليه!

القاع..

يشير الدكتور عماد رشاد عثمان إلى أن الوصول إلى القاع هو دافعٌ قويٌ للتغيير، لذا ربما يحتاج الأمر صدمةً أخرى، أو لنقل قاعًا أعمق نستوعب في ظُلمته أننا أسرى وحشٍ نفسيٍّ يتغذّى على طاقتنا وكرامتنا ووجودنا كله.

الخطوة الأولى..

إن مواجهة النفس والاعتراف بالاضطراب هو الخطوة الأولى نحو التعافي. ورغم صعوبة الأمر ومرارته، فلا بديل عن ذلك للوصول إلى مرحلةٍ نفسيةٍ مستقرةٍ ومتصالحة.

وفي تقديري، فإن هذا “العذاب” الذي يلازم المتعلّق ليس سوى جرس إنذارٍ رحيم يخبره بأنه وضع نفسه وقلبه في المكان الخطأ، وأن الوقت قد حان ليسترد ذاته المفقودة، والمحظوظ من وعى هذا الإنذار وأصلح مساره.

الوعي، والصدق مع النفس، والقرار الشجاع، ركائزٌ لا غنى عنها في رحلة التعافي، ويبقى طلب المساعدة المتخصصة ضرورةً حتمية إن عجزنا عن المضي وحدنا، أو خلا محيطنا من شخصٍ مناسب يأخذ بيدنا.

والحمد لله الذي وهبنا “مرونةً عصبيةً” يستطيع معها الدماغ إعادة تشكيل نفسه مع تغير أنماط سلوكياتنا ومعتقداتنا، وهذا يعني – بيقينٍ علميّ – أن الشخص الذي يعاني من التعلّق المَرضي واضطراب علاقته مع نفسه ومع الآخر، لديه دائمًا فرصةٌ حقيقيةٌ لبناء الأمان الداخلي الذي طالما افتقده.

وآخِر القول..

ربما تكون الأسبابُ خارجةً عن إرادتنا، لكنَّ التعافي سيبقى مسؤوليتنا وحدنا.. والوقت لا يفوت أبدًا.