كاتب وإعلامي إماراتي
خاص لـ هات بوست:
هناك -خليجيًا- ما يشبه الإجماع على أهمية تعزيز العلاقات الخليجية وتوحيد الموقف في مواجهة التهديدات الإيرانية المتصاعدة. وهذه ليست مسألة ترف سياسي أو خيارًا دبلوماسيًا، إنما ضرورة استراتيجية تفرضها تحديات المرحلة وحسابات الأمن الإقليمي. وقبل الحديث عن مصالحة حقيقية، ينبغي أن تسبقها مصارحة صادقة؛ فالمصالحات التي تتجاوز الأسئلة الجوهرية قد تنجح في احتواء الخلاف مؤقتًا، لكنها لا تعالج جذوره، ولا تضع أسس شراكة أكثر متانة واستدامة في المستقبل.
وقد أثبتت الأشهر الماضية أن المنطقة تواجه أخطر تهديد أمني منذ عقود، بل تهديدًا وجوديًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ولم يكن التهديد الإيراني يومًا مفاجئًا؛ إذ شكّل في الأساس أحد أهم الدوافع لإنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ليكون إطارًا للدفاع المشترك، وخطوة مهمة لتنسيق المواقف، وحماية الأمن الجماعي، لكن المفارقة أن المجلس بدا أقل حضورًا في اللحظة التي واجه فيها الخليج أكبر اختبار للأسباب التي أُنشئ من أجلها، وفي مواجهة التهديد ذاته الذي كان دافعًا رئيسًا لإنشائه.
من هنا تبرز عدة أسئلة لا يمكن تجازوها: لماذا غابت وحدة الموقف الخليجي عندما تعرضت دول خليجية لاعتداءات مباشرة؟ لماذا اختلفت المواقف تجاه الرد على العدوان؟ وكيف جرى في بعض الخطابات الخليجية التقليل من خطورة ما حدث، وتصويره على أنه مجرد «خلاف سياسي»، بينما كانت الصواريخ والطائرات المسيّرة تستهدف مدناً ومنشآت حيوية ومصالح اقتصادية تمس أمن المنطقة بأسرها؟
والأكثر إيلاماً أن بعض المنصات الإعلامية وحسابات الذباب الإلكتروني انشغلت بحملات منظمة ضد دولة الإمارات، في الوقت الذي كان الخطر الحقيقي يأتي من خارج الحدود. وبدلاً من توجيه الجهد نحو مواجهة مصدر التهديد، جرى استنزاف جزء من الخطاب الخليجي في معارك جانبية، حملت إساءات وتشكيكاً وتحريضاً لا يخدم سوى خصوم المنطقة.
ولا يتعلق الأمر هنا بتبادل الاتهامات أو تسجيل المكاسب السياسية، وإنما بإجراء مراجعة صريحة لما جرى حتى لا تتكرر الأخطاء ذاتها. فلا يمكن بناء تضامن خليجي راسخ إذا ظل كل طرف يتجنب مراجعة مواقفه، أو بقيت الأخطاء بلا مراجعة، وكأن شيئاً لم يكن. فالثقة السياسية لا تُستعاد بالبيانات، وإنما بالوضوح والصدق والالتزام المتبادل.
لقد تأسس مجلس التعاون على مبادئ واضحة: التضامن، والتكافؤ، واحترام سيادة الدول الأعضاء، والدفاع عن أمنها باعتباره مسؤولية جماعية. وهذه المبادئ لم تكن مجرد شعارات بروتوكولية، بل كانت «الميثاق السياسي» الذي منح المجلس مكانته طوال العقود الماضية. وإذا أريد لهذا الميثاق أن يستمر، فلابد من إعادة الاعتبار لهذه المبادئ عملياً، لا لفظياً.
ولا أحد ينكر أن التوترات السياسية بين الدول أمر طبيعي، حتى داخل أكثر التكتلات الدولية تماسكاً، لكن هناك فارق كبير بين إدارة الخلاف داخل البيت الواحد، وبين السماح له بأن يتحول إلى إضعاف للجبهة الخليجية في لحظة تواجه فيها المنطقة تهديداً وجودياً. فالخصومات العابرة يمكن تجاوزها، أما اهتزاز الثقة بين الحلفاء فهو أخطر بكثير، لأنه يمس جوهر منظومة الأمن الإقليمي.
إن المرحلة المقبلة تفرض على دول الخليج إعادة بناء مفهوم الأمن الجماعي على أسس أكثر وضوحاً والتزاماً، فلا يكفي الاتفاق على البيانات الختامية، إنما المطلوب اتفاق سياسي وأمني صريح على أن أمن أي دولة خليجية هو أمن للجميع، وأن أي اعتداء عليها يستوجب موقفاً موحداً لا يحتمل التردد أو التأويل أو الحسابات الضيقة.
المصالحة مطلوبة، ولا خلاف على أهميتها، لكن نجاحها مرهون بالمصارحة. فالمصارحة ليست ترفاً سياسياً، ولا رغبة في استحضار الماضي، بل هي الضمانة الوحيدة لعدم تكرار الأخطاء، ولإعادة بناء الثقة التي تحتاجها المنطقة أكثر من أي وقت مضى، فمن دون مصارحة صادقة، ستبقى أي مصالحة مجرد هدنة سياسية وليس مشروعاً حقيقياً لشراكة خليجية أكثر تماسكاً وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
