لانا نسيبة.. مقابل الـ «عنصريون بالفطرة»!

آراء

خاص لـ هات بوست:

     معالي لانا نسيبة تمثل نموذجاً مشرّفاً للمرأة الإماراتية التي بنت مسيرتها بالعلم، والقراءة، والعمل الدؤوب، والاجتهاد المتواصل. فعلى امتداد سنوات من العمل الدبلوماسي والفكري، مثّلت دولة الإمارات في أهم المحافل الدولية بكفاءة واقتدار، وقدمت صورة مشرقة عن وطنها، واستحقت ما حظيت به من احترام وتقدير. وما حققته ليس مدعاة لفخر الإماراتيين فحسب، بل لكل عربي يؤمن بأن النجاح ينبغي أن يُقاس بالكفاءة والإنجاز والتأثير.

     لكن المؤسف أن كل نجاح إماراتي بارز يستدعي، في المقابل، أصواتاً لا ترى في الإنجاز سوى فرصة لإطلاق خطابات مشبعة بالعنصرية والكراهية. فبدلاً من مناقشة التجربة أو تقييم الأداء، ينحدر الخطاب إلى التشكيك في الأشخاص، والطعن في أصولهم، أو محاولة التقليل من قيمة نجاحهم من خلال إسقاطات قبلية أو مناطقية أو فئوية.

     هذه اللغة العنصرية لا تقول شيئاً عن الإمارات، لكنها تقول الكثير عن البيئة الفكرية التي خرجت منها. إنها بيئة ما زالت أسيرة تصنيفات ضيقة، وتعيش هاجس تقسيم الناس إلى درجات وفئات، وكأن قيمة الإنسان تُقاس بالنسب أو القبيلة أو المنطقة، لا بما يقدمه من علم وعمل وإسهام في خدمة وطنه ومجتمعه.

     ولعل المفارقة أن بعض من يرفعون شعارات العدالة والمساواة هم أنفسهم أكثر الناس ممارسة للتمييز حين يتعلق الأمر بالنجاح. فإذا برز شخص لا ينسجم مع تصنيفاتهم التقليدية، انهالت عليه حملات التشويه والتشكيك، وكأن النجاح يجب أن يخضع لمعاييرهم الاجتماعية الضيقة، لا لمعايير الكفاءة والاستحقاق.

     أما الإمارات فقد اختارت منذ سنوات طويلة طريقاً مختلفاً، حيث جعلت من تكافؤ الفرص وتمكين المرأة واستقطاب الكفاءات ركائز أساسية في مشروعها التنموي، ورسخت منظومة قانونية تُجرّم التمييز والعنصرية وخطاب الكراهية، وأرست ثقافة مؤسسية تقوم على أن المنصب مسؤولية تُمنح لمن يستحقها، لا امتيازاً يُورث أو يُمنح بحكم القرابة أو الانتماء.

     ولهذا استطاعت الدولة أن تقدم نماذج ناجحة في مختلف القطاعات، وأن تفتح المجال أمام الرجال والنساء على حد سواء لإثبات قدراتهم، بعيداً عن الحسابات الضيقة التي عطلت طاقات كثير من المجتمعات الأخرى.

     أما الذين اعتادوا أن تُوزَّع المناصب وفق معادلات «هذا ولد عم وهذا ولد خال» فمن الطبيعي أن يصعب عليهم تصديق وجود دولة تُقدِّم الكفاءة على القرابة، والخبرة على الواسطة، والإنجاز على الشعارات. فهم يقيسون الآخرين بالمقاييس التي ألفوها، ويظنون أن العالم كله يعمل بالطريقة نفسها.

     لكن الحقيقة أن أحد أهم أسرار نجاح الإمارات كان كسر هذه المعادلة التقليدية. فحين تصبح الكفاءة هي الطريق إلى المسؤولية، يشعر الجميع بأن الاجتهاد له قيمة، وأن المستقبل مفتوح أمام كل مجتهد. أما حين تتحول المناصب إلى امتيازات مغلقة تُوزَّع وفق دوائر القرابة والمناطقية والولاءات الضيقة، فإن المجتمع كله يدفع الثمن، وتضيع الكفاءات، وتتراجع المؤسسات.

     ولهذا فإن الإساءة إلى شخصيات ناجحة مثل لانا نسيبة لا تضرها بقدر ما تكشف عن أزمة فكرية وأخلاقية لدى أصحابها. فالنجاح لا يُلغيه خطاب الكراهية، والإنجاز لا تُسقطه الشتائم، والتاريخ لا يكتب ما يقوله العنصريون، بل ما يصنعه أصحاب الكفاءة.

     ولعل الفارق الجوهري بين المجتمعات الناجحة وغيرها هو أن الأولى تحتفي بالإنجاز وتستثمر في الإنسان، بينما تنشغل الثانية بتصنيف البشر وإحياء العصبيات. وما بين هذين النموذجين، يتحدد مستقبل الأمم. الإمارات اختارت منذ زمن أن يكون معيارها هو الكفاءة، ولهذا تتقدم. أما العنصريون، فلا يزالون يخوضون معارك الماضي، ويظنون أن التاريخ يمكن أن يعود إلى الوراء. إنهم عنصريون بالفطرة… دون أن يدركوا مخاطر ثقافتهم البائسة على واقع أوطانهم ومستقبل أبنائهم!