أحمد الشنقيطي:
مع نهاية أغسطس الماضي، عُرضت ثلاث حلقات بعنوان «لعبة جهنم»، أولى حكايات مسلسل «القصة الكاملة». تدور الأحداث حول مراهق شديد الذكاء يعيش في بيئة تبدو مثالية، ورجل يظهر أمام محيطه ملتزماً وهادئاً، لكنه يخفي أزمات وأسراراً وجوانب مظلمة. تتقاطع حياتهما عبر الإنترنت، قبل أن تتحول العلاقة من لعبة افتراضية إلى جريمة. والحكاية مستوحاة من واقعة حقيقية هزّت مصر قبل عامين، وكان ضحيتها طفل في الخامسة عشرة.
وبين مئات التعليقات التي أعقبت العرض، كتب أحد المشاهدين أن ثمة أدواراً تنسيك تماماً أن الذي أمامك يمثّل، حتى تشعر بأنك في مواجهة مجرم حقيقي، وأن أكثر ما يزعجك أن تستوعب، في النهاية، أن هذه الشخصية كانت موجودة بالفعل.
لكن المشكلة لا تبدأ من وجود المجرم وحده، بل من كونه، قبل أن يرتكب جريمته، شخصاً عادياً. رجل يمر في الشارع فلا يلتفت إليه أحد، وله جيران وأسرة ووجه لا يثير الريبة. وكثيرون يحملون أزمات وأسراراً وجوانب مظلمة، ولا يتحولون إلى قتلة. ومع ذلك، نصرّ في أخبار الحوادث على وصف القاتل بأنه «شخص تجرّد من إنسانيته».
نظن أن العبارة إدانة، بينما هي، في جانب منها، إعفاء مريح لنا. فإذا كان القاتل قد تجرّد من إنسانيته، فقد خرج من النوع البشري، وبقيت الإنسانية على براءتها.
هل يحتاج الشر إلى وجه وحش؟
في ربيع عام 1961، جلست حنّة أرندت في قاعة محكمة بالقدس تراقب أدولف أيخمان، الموظف النازي الذي اضطلع بدور محوري في تنظيم ترحيل اليهود إلى معسكرات الإبادة. ذهبت لتغطية المحاكمة، متوقعة وجهاً يليق بهول الأفعال المنسوبة إليه، فرأت رجلاً يتحدث بلغة الموظفين والجمل الإدارية الجاهزة. ومن ملاحظتها صاغت مفهوم «تفاهة الشر»، الذي ظل موضع نقاش واعتراض واسعَين.
لم تكن أرندت تصف الجريمة بأنها تافهة، بل كانت تشير إلى إمكان صدور الشر الفادح عن شخص يبدو عادياً، يتحرك داخل منظومة ويستبدل التفكير بالطاعة والتسويغ. وهذه الصورة قد تكون أشد إخافة من صورة الوحش؛ فالوحش استثناء يمكن التعرف إليه، أما الإنسان الذي يعطّل ضميره ويستعير منطقه من المؤسسة أو الجماعة أو الوهم الشخصي، فيمكن أن يوجد في أي مكان.
الجريمة فكرة
إذا بقي القاتل داخل حدود البشري، فما الذي جرى له؟
الإجابة الشائعة تختصر الأمر في كلمة واحدة؛ «لحظة». لحظة غضب، أو انهيار، أو غياب عقل. والدراما تحب هذه الكلمة لأنها تصنع مشهداً قابلاً للتصوير، كما تحبها الصحافة لأنها تختصر التحقيق كله في سطر. غير أن الأدب الجاد يقول شيئاً آخر.
في «الجريمة والعقاب»، لا يرفع راسكولنيكوف الفأس إلا بعد بناء فكري ونفسي طويل. فقد أقنع نفسه أولاً بأن البشر ينقسمون إلى عاديين تلزمهم القوانين، واستثنائيين يحق لهم تجاوزها. وقعت الجريمة للمرة الأولى داخل الفكرة، ثم تكررت بالفعل. ولم يكن القتل لحظة منفصلة عما سبقها، بل خاتمة لسلسلة من المسوغات التي منح بها الجاني نفسه حقاً لا يملكه.
لهذا، قد تكون أخطر مقدمات الجريمة أكثرها عادية، فالرجل الذي يقتل زوجته ربما يبدأ بإقناع نفسه بأنها ملك له، والموظف الذي يوقّع أمراً ظالماً قد يبدأ بتصديق أن الأمر يخص ملفات وأرقاماً لا بشراً. تسبق اللغة الفعل، ويسبق التسويغ الجريمة، ومن هنا تأتي خطورة اللغة التي تقدم بها الدراما المجرم ودوافعه، لأنها قد تكشف آلية الشر، وقد تمنحه، في الوقت نفسه، منطقاً متماسكاً لم يكن يملكه في الواقع.
دراما الجريمة
تحولت الجريمة الحقيقية، خلال الأعوام الأخيرة، إلى صنف درامي عربي لافت ينتظره الجمهور، ففي مصر ظهرت أعمال مثل «القصة الكاملة» و«سفاح التجمع» و«ساعته وتاريخه»، والأخير مؤلف من حكايات منفصلة مستوحاة من ملفات قضائية. وفي الكويت قُدّمت أعمال مستلهمة من جرائم حقيقية، كما اتجهت أعمال عربية أخرى إلى استعادة وقائع السجون والقتل والاختفاء والانتهاكات من زوايا درامية مختلفة.
وليس الاعتراض على اقتراب الفن من الجريمة؛ فالفن يفعل ذلك منذ المأساة الإغريقية. ومنعه يقود إلى فن معقّم لا يشبه المجتمع، كما أن عرض الجريمة قد يكشف خللاً اجتماعياً أو مؤسسياً، وينبّه إلى أساليب الاستدراج والابتزاز، ويفتح نقاشاً كان مسكوتاً عنه. المسألة ليست إذاً؛ هل يحق للدراما تناول الجريمة؟ بل؛ ماذا يحدث حين تتحول واقعة قضائية إلى مادة ترفيهية؟
إنسان و”حادثة”
الدراما، حين تلتقط جريمة حقيقية، تفعل بها ثلاثة أشياء بحكم قواعد السرد، أولاً، تمنح الواقعة بنية، فيبدو ما وقع اعتباطاً كأنه كان نتيجة حتمية لسلسلة مترابطة. وثانياً، تمنح الفاعل عمقاً، إذ يمضي المشاهد حلقات داخل رأس القاتل، ويتعرف إلى طفولته ومخاوفه ورغباته وتناقضاته، فتنشأ لديه مساحة من التفهم، قد ينكرها لكنها لا تختفي تماماً. وثالثاً، تختصر الضحية، لأن اقتصاد الحكاية يحتاج إلى مشاهد كثيرة لبناء شخصية الجاني، فيما لا تحتاج الحبكة إلى الضحية إلا كي تقع الجريمة وتتحرك الأحداث.
وهكذا قد يخرج العمل وقد صار المجرم إنساناً كاملاً، بينما تحولت الضحية إلى حادثة في مساره. وهنا تكمن مفارقة هذا النوع من الدراما؛ نمتدح الممثل لأنه «أقنعنا»، ونعني بذلك أنه جعلنا نفهم القاتل من الداخل؛ فيصبح النجاح الفني والخطر الأخلاقي وجهين لشيء واحد.
ألمٌ يُعاد إنتاجه
يذهب المدافعون عن هذه الأعمال إلى أن الجريمة جزء من المجتمع، وأن الدراما مرآة للواقع. والحجة مشروعة، لكنها لا تحسم النقاش؛ فالمرآة تعكس ما أمامها بحجمه، أما الدراما فتختار وتختصر وتكبّر وتبطئ وتضيف الحوار والموسيقى والإضاءة.. عدسة تعيد تكوين ما تراه، دون حياد.
أما الطرف الأقل حضوراً في هذا النقاش فهو أسرة الضحية، فحين تتحول الجريمة إلى مسلسل، لا تعود الواقعة ملكاً للملف القضائي أو صانع العمل وحدهما. هناك أشخاص حقيقيون سيشاهدون آلامهم وذكرياتهم وقد تحولت إلى مشاهد قابلة للإعادة والاقتطاع والترويج.
وللأسرة هنا حقوق أخلاقية واضحة؛ أن تُصان خصوصية الضحية، وألا تُستعاد الفاجعة في موعد يفرضه موسم العرض، وألا تُروى الحكاية على نحو مغلوط يثبت في الذاكرة بديلاً عن الحقيقة. فالجمهور يتذكر المسلسل أكثر مما يتذكر محضر التحقيق، وقد تصبح الجملة التي كتبها المؤلف أقوى حضوراً من الواقعة التي أثبتها القضاء.
وقد لخّصت إحدى المشاهدات هذا الأثر بقولها إن مثل هذه الأعمال «توجع قلب الأم ثانية». والكلمة الحاسمة هنا هي «ثانية»؛ الجريمة وقعت مرة، لكن الألم يعاد إنتاجه بقرار درامي وتسويقي، وربما يتحول إلى إعلان تشويقي يتكرر عشرات المرات أمام الأسرة نفسها.
فراغات الحقيقة
تزداد المشكلة تعقيداً لأن الدراما لا تملك القدرة على تصوير الحقيقة كاملة، فجوهر الجريمة يقع في مكان لا تصل إليه الكاميرا؛ داخل رأس الفاعل. وكل مشهد يزعم أنه يرينا ما فكر فيه القاتل هو، في جانب منه، تأليف. والملف القضائي نفسه يقدم ما توصلت إليه التحقيقات والأحكام، لكنه لا يوفر للكاتب كل ما تحتاج إليه الشخصية الدرامية من حركات وصمت وحوار ودوافع وحالة نفسية.
لهذا يضطر صناع الأعمال المستوحاة من الجرائم إلى ملء الفراغات. يقرر الكاتب كيف كان المتهم يتحدث، وماذا قال حين كان وحيداً، وما الذي دار في ذهنه، وكيف نظر إلى ضحيته، ولماذا انتقل من التردد إلى الفعل. وهذه التفاصيل قد تكون ضرورية لبناء الدراما، لكنها تظل اجتهاداً فنياً، لا حقيقة موثقة.
ميثاق مهني
هنا يصبح الواجب الأول هو الصراحة مع الجمهور. يجب ألا يستعير العمل سلطة الحقيقة كاملة، ثم يطالب بحرية الخيال كاملة. فإذا كانت الحكاية مستوحاة من واقعة، ينبغي تقديمها بهذه الصفة بوضوح، مع بيان أن شخصيات أو أحداثاً أو تفاصيل عُدلت لأغراض درامية.
كما ينبغي أن تكون هناك موازنة بين ثلاثة حقوق؛ حق الفن في تناول الجريمة، وحق الجمهور في معرفة الحدود بين الموثق والمتخيل، وحق الضحية وأسرتها في الكرامة والخصوصية وتقليل الضرر. ولا يلغي واحد من هذه الحقوق الآخر، بل يفرض على صناع العمل البحث عن صيغة لا تحول الحرية الفنية إلى استباحة، ولا تحول حماية الضحايا إلى رقابة تمنع الفن من مساءلة المجتمع.
ومن ذلك يمكن الوصول إلى ميثاق مهني بسيط؛ التشاور مع الأسرة قبل استخدام اسم الضحية وتفاصيل حياتها الخاصة، وعدم تقديم الدوافع المفترضة بوصفها حقائق، وتغيير الأسماء والملامح حين لا تكون الهوية الحقيقية ضرورية للمصلحة العامة، وترك مسافة زمنية معقولة بين الفاجعة وتحويلها إلى موسم ترفيهي، وتجنب الحملات الدعائية التي تصنع من الجاني نجماً، ومنح الضحية حياة وشخصية تتجاوز لحظة مقتلها.
هذه الضوابط لا تصادر فناً ولا تعطل صناعة، لكنها ترد إلى الضحية شيئاً من المكانة التي يبتلعها منطق الحكاية.
وتبقى العبارة الأولى هي الأخطر، فما دمنا نصف القاتل بأنه تجرّد من إنسانيته، سنظل نبحث عن الوحش في الخارج، ونعفي أنفسنا من النظر في اللغة والأفكار والمبررات التي تسبق الجريمة. وما دامت الدراما قادرة على إعادة الوحش إلى صورته البشرية، فإن مسؤوليتها لا تنتهي عند إقناعنا بأدائه، بل تبدأ من السؤال عما فعلته بالضحية، وبالحقيقة، وبذاكرة من سيحملون الألم بعد انتهاء الحلقة الأخيرة.
المصدر: البيان




