جابر جاسم.. صوتٌ من دلما حمل الأغنية الإماراتية إلى فضاء عربي أوسع

منوعات

خاص هات بوست:

بعد 25 عامًا على رحيله.. «نسيتونا حبايبنا» تعيد فتح أرشيف أحد رواد الأغنية الإماراتية، في أمسية تستبق الدورة الـ35 من معرض أبوظبي الدولي للكتاب

بعد ربع قرن على رحيله، يعود صوت جابر جاسم إلى أبوظبي.

ليس عبر إعادة تشغيل مجموعة من الأغنيات القديمة فحسب، وإنما من خلال محاولة لإعادة قراءة تجربة فنان ارتبط اسمه بمرحلة مبكرة ومهمة من تشكل الأغنية الإماراتية الحديثة، حين كانت تبحث عن صوتها الخاص، وفي الوقت نفسه عن طريق يصل بها إلى المستمع الخليجي والعربي.

في 12 سبتمبر، وقبيل انطلاق الدورة الـ35 من معرض أبوظبي الدولي للكتاب، ينظم مركز أبوظبي للغة العربية على مسرح المجمع الثقافي أمسية «نسيتونا حبايبنا»، بالتزامن مع الذكرى الخامسة والعشرين لرحيل جابر جاسم. وتجمع الأمسية الموسيقى الحية بالمواد الأرشيفية والسرد البصري والأفلام القصيرة، في محاولة لنقل إرثه من مساحة الحنين إلى تجربة ثقافية يستطيع جيل جديد اكتشافها.

لكن لماذا جابر جاسم؟ ولماذا يبدو استدعاء تجربته اليوم أكبر من مجرد تكريم لفنان راحل؟

من دلما بدأت الحكاية

وُلد جابر جاسم عام 1952 في جزيرة دلما، في بيئة امتزجت فيها أصوات البحر بالشعر والموروث الشعبي. ومن تلك البيئة بدأت تتشكل حساسيته الفنية، قبل أن تأخذه الرحلة لاحقًا إلى فضاء موسيقي أوسع. وتشير المصادر إلى بدايات مبكرة له في الغناء، ثم التحاقه لاحقًا بالفرقة الموسيقية القومية التابعة لوزارة الإعلام بعد عودته إلى الإمارات.

لم تكن دلما مجرد نقطة ميلاد في سيرته؛ فالبيئة المحلية والقصيدة واللهجة والإيقاع ظلت مكونات أساسية في المشروع الذي سيبنيه لاحقًا.

وهنا تكمن إحدى السمات المهمة في تجربة جابر جاسم: الخروج بالأغنية الإماراتية إلى مساحات جديدة من دون اقتلاعها من بيئتها.

القاهرة.. حين اتسعت التجربة

شكّلت القاهرة في السبعينيات محطة فارقة في مسيرته.

ابتُعث جابر جاسم لدراسة الموسيقى في مصر، وهناك اتسعت معرفته بالتلحين والتوزيع والموسيقى العربية، قبل أن يعود إلى الإمارات بتجربة أكثر نضجًا، مع احتفاظه بالقصيدة المحلية ولهجتها وإيقاعاتها في قلب مشروعه الفني.

كان ذلك زمنًا تتشكل فيه مؤسسات الدولة الإماراتية الحديثة، وكانت الثقافة والفنون بدورها تبحث عن أدوات تعبر عن المجتمع الجديد وتحمل هويته إلى الخارج.

وجابر جاسم كان واحدًا من أصوات تلك اللحظة.

«غزيلاً فله».. عندما عبر الصوت حدود الإمارات

لم يتوقف حضور جابر جاسم عند المشهد المحلي.

في عام 1972، شارك في الحفل المصاحب لدورة كأس الخليج الثانية في الكويت، وقدم «غزيلاً فله في دبي لاقاني»، وهي من الأعمال التي ارتبطت باتساع شهرته خليجيًا. كما مثّل الإمارات في محافل ومهرجانات عربية ودولية، وتعاون خلال مسيرته مع أسماء موسيقية خليجية، من بينها طلال مداح ويوسف المهنا وليلى عبدالعزيز، إلى جانب تلحينه عددًا من أعماله بنفسه.

وهنا تتجاوز أهمية التجربة نجاح أغنية بعينها.

ففي مرحلة كانت فيها الأغنية الإماراتية لا تزال تبني حضورها خارج حدودها، أصبح صوت جابر جاسم أحد الأصوات التي حملت خصوصية المكان الإماراتي إلى مستمع لم يكن بالضرورة يعرف تفاصيله، لكنه استطاع أن يتفاعل مع موسيقاه وكلماته.

صوت وهوية وقصيدة

ربما يفسر ذلك لماذا تصف المؤسسات الثقافية الإماراتية إرث جابر جاسم باعتباره جزءًا من ذاكرة الأغنية في الدولة، وليس مجرد أرشيف لفنان ناجح.

لقد التقت في تجربته عناصر يصعب فصل بعضها عن بعض: الصوت، والقصيدة، واللحن، واللهجة المحلية، والانفتاح على التجربة الموسيقية العربية.

ويشير مركز أبوظبي للغة العربية إلى أن تجربته جمعت بين أصالة الهوية الإماراتية وجزالة القصيدة العربية، وأسهمت أعماله في التعبير عن روح المجتمع وترسيخ حضور الأغنية الإماراتية في المشهد الفني العربي.

ولهذا أيضًا بقيت أغنيات مثل «غزيل فله» و«ضاع فكري» و«سيدي يا سيد ساداتي» مرتبطة بذاكرة مرحلة كاملة من الغناء الإماراتي.

25 عامًا على الغياب.. لماذا نعيد فتح الأرشيف؟

هنا تصبح أمسية «نسيتونا حبايبنا» أكثر إثارة للاهتمام.

فالاحتفاء لا يعتمد على إعادة أداء الأغنيات بالطريقة التقليدية فقط، وإنما يحاول تحويل الأرشيف إلى تجربة معاصرة.

منذ وصول الجمهور إلى المجمع الثقافي، تستعيد العناصر البصرية أجواء السبعينيات والثمانينيات، بينما تتداخل على المسرح الموسيقى الحية مع السرد والمواد الأرشيفية. ويتضمن البرنامج فيلمين قصيرين؛ يستعيد أحدهما البدايات والبحث عن القصائد والألحان، بينما يتناول الآخر محطة القاهرة وتطور تجربته الموسيقية. كما تتضمن الأمسية تقديم أغنية جديدة بالفصحى تستلهم روح أعماله.

وهذا الاختيار يحمل فكرة تتجاوز جابر جاسم نفسه:

كيف نحافظ على الذاكرة الفنية من دون أن نحولها إلى متحف؟

من الأرشيف إلى الجيل الجديد

ربما يكون التحدي الحقيقي أمام أي إرث موسيقي اليوم هو الزمن.

فالجيل الذي عرف جابر جاسم واستمع إليه في حياته لم يعد هو الجمهور الوحيد الذي يُفترض أن تخاطبه أعماله. هناك جيل وُلد بعد رحيله، واكتشف الموسيقى أصلًا عبر المنصات الرقمية والمحتوى القصير.

ولهذا تصبح إعادة تقديم التراث بلغة بصرية وموسيقية معاصرة جزءًا من عملية نقل الذاكرة بين الأجيال، لا مجرد استعادتها.

وهو توجه يمتد إلى ما هو أبعد من أمسية واحدة؛ فمركز أبوظبي للغة العربية يضع توثيق الموسيقى ضمن مشروعاته المعرفية، وأصدر أعمالًا متخصصة من بينها كتاب «جابر جاسم: رحلة الكلمة والنغم»، إلى جانب إصدارات تتناول تاريخ الموسيقى والأغنية الإماراتية وآلاتها ومساراتها الأولى.

«نسيتونا حبايبنا».. والذاكرة لم تنسَ

يحمل اسم الأمسية في ذاته مفارقة جميلة.

«نسيتونا حبايبنا» تستدعي الغياب، بينما المناسبة نفسها تقول إن الذاكرة لم تنسَ.

بعد 25 عامًا على رحيله، لا تعود أهمية جابر جاسم إلى عدد الأغنيات التي تركها فقط، وإنما إلى موقعه في قصة أكبر: قصة أغنية إماراتية كانت تبني شخصيتها، وتتعلم كيف تحمل لهجتها وقصيدتها وإيقاعها إلى فضاء خليجي وعربي أوسع.

من جزيرة دلما إلى القاهرة، ومن مسارح الخليج إلى أرشيف أبوظبي، تغير الزمن وتغيرت طرق الاستماع.

لكن بعض الأصوات لا تبقى لأنها تنتمي إلى الماضي.

تبقى لأنها أصبحت جزءًا من ذاكرة المكان نفسه.