جنسية الإرهابي .. السؤال الخطأ

آراء

خاص لـ هات بوست: 

     ما إن تداولتْ بعض وسائل الإعلام الخارجية معلوماتٍ عن جنسية مساعد الطيار المتهم في حادثة طائرة “فلاي دبي”، قبل تأكيدها رسميًّا، حتى انبرت حساباتٌ على مواقع التواصل الاجتماعي للتبرؤ منه، وإلحاقه قسرًا بدولٍ أخرى، وُلِد أو نشأ أو أقام فيها! 

     وكأن ثبوت التهمة يعني إدانةً مباشرةً لدولته، أو أن السلوك الفردي المنحرف ينعكس تلقائيًا على السمات الوطنية للبلد. وهذا تفكيرٌ تبسيطي وتسطيحٌ مُخِلٌّ يختزل أسباب التطرّف ودوافعه المعقَّدة، فالانحراف الفكري قد يكون نتاجًا لتفاعل عوامل نفسيةٍ واجتماعيةٍ وأيديولوجيةٍ معقّدة، وليس خصلةً جينيةً مرتبطةً بالعِرق أو الجنسية.

فالجنسية رابطة انتماء، وليست شهادةً على سلامة الفكر أو انحرافه. والمسؤولية عن الجريمة فردية، لا تُورَّث للأوطان ولا تُحمَّل للشعوب.

     إن التطرّف والانحراف الأيديولوجي لا يمثّلان الهوية الوطنية للفرد، ولا يعبّران عنها بحال. ولا ننسى أن بلادنا الإمارات ذاتها – رغم تاريخها الطويل وعزمها الراسخ وجديتها الصارمة في مجابهة الفكر المتطرّف، ومحاربة الجماعات الإرهابية، ومحاكمة منتسبيها – لم يسلم بعض أبنائها من هذا الانحراف الفكري والإجرامي، ولم تتردد الدولة حينها في المواجهة الحازمة وتطبيق القانون على كل من تورّط فيه، مع الحفاظ على رؤيتها الواضحة بأن الانحراف الفكري للأفراد لا يمثّل المجتمع ولا يجوز تعميمه عليه.

     إن التركيز على “جنسية” الإرهابي يصرف الانتباه عما هو أهم، وهو فهم المنظومة الفكرية التي تستميله ومواجهتها، فالأفكار المتطرّفة تتجاوز الحدود، وتنتقل عبر الفضاء الرقمي والشبكات العابرة للحدود، مما يجعل ربطها برقعةٍ جغرافيةٍ معيّنة قاصرًا عن تفسير طبيعة الخطر الحقيقي. فحين ينشغل الرأي العام بتراشق التهم بين الشعوب، يتراجع الاهتمام بالمنظومات التي تغذّي التطرّف وتهيّئ البيئة الحاضنة للإرهاب: الخطاب الموجَّه، وآليات الاستقطاب والتلقين الأيديولوجي، والمنصات الرقمية التي تُستغَلّ لاستقطاب الأفراد.

     ولعل ما كشفته التحقيقات الرسمية بشأن مساعد الطيار المتهم يؤكد هذه الحقيقة، إذ أظهرت أن توجهه نحو التطرّف بدأ بتأثّره بأفكارٍ تكفيريةٍ من خلال قراءة مؤلفات متطرّفة ومتابعة محتوى إلكتروني يمجّد التنظيمات الإرهابية والعمليات الانتحارية. وهي معطياتٌ تكشف عن مسارٍ من التأثّر الفكري والأيديولوجي لا يمكن اختزاله في جنسية المتهم أو نسبته إلى دولةٍ بعينها.

     والأخطر، في تقديري، أن التراشق والوصم القائمَين على الجنسية قد يغذّيان الشعور بالظلم أو الاغتراب لدى بعض الفئات، وهذه بيئةٌ خصبةٌ تبحث عنها التنظيمات المتطرّفة لاستقطاب أفراد جدد، وإقناعهم بأنهم موضع شكٍ مُسبَق، وأن مجتمعاتهم ترفضهم.

     أما استباق النتائج فإشكاليةٌ أخرى، إذ إن نفاد الصبر الجماهيري يجعل التحقيقات الرسمية عرضةً للوم والاتهام بالبطء أو التكتّم، بينما تُعامَل المعلومات المنقولة عن مصادر غير رسمية على أنها “الحقيقة الغائبة”، حتى قبل صدور البيانات الرسمية التي تؤكدها أو تنفيها، مما يعكس ضعف الوعي الإعلامي والاندفاع خلف “السبق” على حساب الدقة والمقتضيات الأخلاقية والمهنية التي تستوجب متابعة مجريات القضية من مصادرها الرسمية، وانتظار نتائج التحقيقات من الجهات المخوَّلة قانونيًّا بإعلانها.

     ولعلنا نحتاج اليوم إلى “تربيةٍ إعلاميةٍ” تُكرِّس لدى أفراد المجتمع أدبيات التعامل مع الأزمات الكبرى، باعتبار كلٍّ منها حدثًا جللًا يستدعي الأناة والتثبّت، لا مادةً ترفيهيةً تُتَداوَل فيها معلوماتٌ غير موثّقة لإشباع فضول الجموع.

     إن الوعي الحقيقي بخطر التطرّف يتطلّب إدراك أن مواجهته تبدأ بتفكيك الخطاب الأيديولوجي والتصدي لمنابعه الفكرية والثقافية، والنظر إلى الفرد المتطرّف كحاملٍ لفكرٍ هدّام لا كممثّلٍ لدولةٍ أو شعب، والتعامل مع هذا الخطر باعتباره ظاهرةً عابرةً للحدود تستوجب تعاونًا أمنيًا وفكريًا جماعيًّا، لا سجالاتٍ شعبويةً تتبادل اتهاماتٍ جزافيةً وتجعل من الجنسية شمّاعةً للتفسير التبسيطي والهروب من أصل المشكلة.

وآخِر القول:

التطرّف ينتسب إلى فكرٍ، لا إلى دولة.