فقدنا يوم الاثنين الموافق 15 يونيو 2026 قامةً من قامات الفكر والكلمة في الإمارات، الكاتب والأديب الراحل محمد عبدالعزيز الباهلي؛ رجلٌ عاش في صمت، ورحل في صمت، تاركًا خلفه ما هو أبقى من الحضور: الورق والكلمة، وذكرى ابتسامةٍ لم تكن تفارق وجهه مهما اشتد عليه الألم.
الإنسان قبل الكاتب
قبل أن يكون اسمًا على غلاف كتاب، كان محمد الباهلي إنسانًا في أبهى معانيها. عُرف عنه أنه يحمل همومه في صدره ولا يُثقل بها أحدًا، وأن البسمة كانت عنوانه حتى في أحلك أيامه. كان وفيًا لأمته ووطنه، بارًا بأهله، صابرًا محتسبًا، لا يطلب من الدنيا إلا أن يترك فيها أثرًا طيبًا.
ترك خلفه أمًا فاضلةً، وأرملةً وأبناءً أيتامًا، وأسرةً وجدت فيه السند والقدوة. ومن عرفه عن قرب يعلم أن صبره على ما ابتُلي به كان درسًا في الرضا قبل أن يكون قصة مرض.
حين غاب عن العالم
لم يكن غياب الباهلي مفاجئًا بقدر ما كان رحلةً طويلة من الصبر. فمنذ مطلع عام 2020 بدأ يعاني من اضطرابٍ في الرؤية كان يصل به أحيانًا إلى فقدان البصر بشكل كامل، وتكرر الأمر مرارًا.
وفي عام 2022 دخل المستشفى ليُشخَّص بمرض الباركنسون وضمورٍ في الجهاز العصبي، ثم تعرّض لنزيفٍ في الدماغ في الثامن من أكتوبر من العام ذاته، تعافى بعده تدريجيًا.
غير أن القدر كان له موعدٌ آخر؛ ففي منتصف شهر مايو 2026 داهمه نزيفٌ ثانٍ أدى إلى تلفٍ في جذع الدماغ، فبقي على أجهزة التنفس الصناعي إلى أن اختار الله أن يستأثر به إلى جواره.
وهكذا غاب عن العالم جسدًا، بينما بقي فيه أثرًا وكلمةً وذكرى.
شهادةٌ من القلب
ومن أصدق ما يُروى في وداعه، كلمات ابن خالته الذي رافقه في لحظاته الأخيرة، يقول:
كنت أدعو الله أن يمنّ عليه بالشفاء، وأن يرحم جسده الذي أنهكه المرض، وأن يبقيه حيًا بيننا، لكنها مشيئة الله أن اختاره إليه. ثم جاءت اللحظة التي لم أتوقع أن أجد نفسي فيها، حين كنت أقوم بتغسيله بمشاركة إمام المسجد، فإذا بإصبعه السبابة ترتفع كأنها تنطق بالشهادة بعد وفاته. وهي علامةٌ لا يوفق إليها إلا من شاء الله له ذلك. هنيئًا له، وأرجو أن تكون علامة قبول. رحمه الله، وألهمنا الصبر والسلوان على فراقه، وجعل مثواه الفردوس الأعلى.
في هذه اللحظة وحدها يجتمع كل ما كان عليه الرجل: إيمانٌ راسخ، ورحيلٌ هادئ، وأملٌ في رحمة الله لا ينقطع.
الراحل خلّف الورق والكلمة
إن أصدق ما يبقى من الكاتب هو كلمته، والباهلي ترك للمكتبة العربية إرثًا يضم عشرة مؤلفات إلى جانب مقالاتٍ عديدة نُشرت في كبرى الصحف الإماراتية، حملت في طياتها التحذير والاستشراف للمستقبل.
ومن أبرز مؤلفاته:
- الملحدون الجدد
- مفاتيح الحضارة
- المتآمرون على الأمة
- عالم بدون إسرائيل
- خنجر إيران .. الذي ما زال شاهدًا على بُعد نظره.
ففي كتابه «خنجر إيران» (الصادر عام 2018 في نحو 186 صفحة)، قدم الباهلي رؤيةً سياسيةً عميقة لتأثير الثورة الإيرانية عام 1979 على العالم العربي، ورأى أن تلك الثورة لم تكن مجرد تحولٍ داخلي في إيران، بل مشروعًا إقليميًا سعى إلى تصدير نفوذه خارج الحدود، محذرًا من تبعات ذلك على أمن دول الخليج والمنطقة العربية.
وميّز في طرحه بين الشعب الإيراني والسياسات التي تنتهجها الحكومات المتعاقبة، داعيًا إلى وعيٍ سياسي وتعاونٍ عربي أوسع لمواجهة التحديات. لقد كتب الباهلي بعين من يقرأ المستقبل، فجاءت كلماته كأنها استشرافٌ لما يجري اليوم.
في رثائه
ومما قيل في رثائه ، قصيدة كتبها خالد المهيري، صديق الفقيد المقرب:
أتت الخطوب تعزي البواكيا
لمحمد الباهلي تذرف المدامع
قلت مهلًا فالفكر نهر السواقيا
لعمري هل نضبت أو انطفأت المشاعل
القلب نور لا تنساه النواسيا
لذكراك ترفع أعلام المعالم
تركت سدًا من الجبال الرواسي
على العدا أغلقت باب المطامع
أثريت صرحًا للأمة باقيًا
علمًا يبقيك بيننا ويسمع السوامعا
خاتمة: هدفٌ يُخلَّد له
لم يرحل محمد الباهلي بالكامل؛ فالكاتب الحق لا يموت ما دامت كلماته تُقرأ، وفكره يُتداول، وأثره يمتد في وعي من يأتي بعده.
لقد جعل من حياته القصيرة هدفًا يُخلَّد له: أن يدافع عن قضايا أمته بقلمه، وأن يترك وراءه إرثًا يضيء الطريق.
رحم الله الكاتب والأديب محمد عبدالعزيز الباهلي، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وأسرته الكرام الصبر والسلوان.
﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾
بقلم: خالد المهيري وأحد من أقربائه
للمزيد عن مسيرته ومؤلفاته:
محمد الباهلي – الاتحاد للأخبار




