محمد بن زايد .. القيادة الصلبة في الأزمات

آراء

خاص لـ هات بوست:

«ترى الصعاب تطلِع معادن.. التحديات تخلي الناس تفرّق عن بعضها البعض، كل مشكلة يا عيالي، كل تحدٍّ فيه إيجابيات، بس لازم تنظر لها من جانب آخر».

     بهذه الكلمات المعبرة التي ألقاها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله، أمام أبنائه الطلبة، يرسخ مفهوم الدولة الوطنية الحديثة ومواجهة الصعاب والتحديات والأزمات بصورة نمطية خاصة تكاد أن تكون إماراتية بامتياز.

     فسموه يبرز كعلامة فارقة حين يكون الحديث عن القيادة في أزمنة المحن والأزمات، فهو نموذج قل نظيره في العصر الحديث لقائد جمع بين الحنكة والحكمة والقوة والثبات. فشخصه يمثل حالة استثنائية من صفات القائد التي تجذرت في الإرث وصُقلت بالتجارب. فأبوه الشيخ زايد، طيب الله ثراه، ذلك الزعيم الذي شكل مدرسة تستلهم منها الشعوب والأمم قيم الفضيلة والإنسانية والحكمة، وقد ورث الشيخ محمد بن زايد هذا الإرث القيم، وأضاف عليه من خبرته وتجاربه حتى أصبح زعيماً استثنائياً، ولا نغالي إذا ما قلنا إنه نسيج وحده في الزمن المعاصر. ولو استعرضنا سيرته المشرقة لتجلت أمامنا ملامح القيادة الصلبة في أزمنة الأزمات والمحن.

     بالعودة إلى الزمن قليلاً، إبان حادثة غزو الكويت، فقد برز دور سموه في إسناد الجهود لاستعادة استقرار المنطقة وتوحيد الصف الخليجي، فكان لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد دورٌ عسكريٌ مهم؛ إذ انخرط بالحرب بشكل كامل وقاد زمام المبادرة والأمور، فخاض معركة جوية شرسة مع العدو لدحره، مما كان له أثر ملموس في تحرير دولة الكويت الشقيقة، وإعادة التوازن إلى منطقة الخليج بعد ذلك الغزو الغاشم.

     نعم، تلك كانت في اعتقادي النواة الأولى التي أظهرت القيادة الصلبة في شخص سموه، ومدى الجدية في التعامل مع التحديات ومواجهة الأخطار بكل شجاعة وبسالة.

     تتداعى الأحداث، ويصاحبها الخطر الوجودي في المنطقة المحيطة بنا، والملتهبة بالأزمات من حين إلى آخر، فتجد دولة الإمارات العربية المتحدة نفسها أمام مسؤولية سياسية أو أخلاقية إنسانية. فكان لصاحب السمو رئيس الدولة أدوار قيادية مباشرة مع الأحداث المتتابعة، مثل أحداث كوسوفا، ثم مواجهته غير التقليدية حركات الإسلام السياسي التي ظهر أثرها جلياً في أحداث 11 سبتمبر، مروراً بحرب العراق عام 2003، وإنشاء معسكر إنساني فيها لتقديم العون والمساندة للشعب العراقي، تليها أحداث عام 2011، ما سمي «بالربيع العربي». كيف تعامل سموه بحزم مع التهديدات الأمنية الصعبة التي مر بها العالم العربي؟ نجد أن مواقف سموه قد اتسمت بالوضوح والحزم؛ إذ حذر من مخاطر الفوضى والانزلاق نحو التناحر، وسقوط مفهوم الدولة الوطنية.

     وبذلك أكد أن شعارات الحرية البراقة تخفي وراءها نوايا تهدف إلى زعزعة الدول وانتشار الفوضى بأجندات خارجية، لاسيما مع جمهورية مصر العربية التي كادت أن تخرج من نظام الدولة إلى نظام سياسي بأيديولوجيات دينية مسيسة، أردت الكيان الوطني المصري المعروف بانسجامه في دولة وطنية للجميع.

     وقد أثبتت الأيام عمق هذه النظرة وبعدها الاستشرافي، وأكد ذلك الرئيس المصري في القمة الحكومية العالمية التي انعقدت في إمارة دبي عام 2023، عن دور صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد الفعَّال، الذي أنقذ الدولة المصرية وشعبها من تداعيات سياسية واقتصادية صعبة، مما أسهم في حفظ الأمن القومي العربي، وهو جزء لا يتجزأ من عقيدة الأمن الوطني الإماراتي.

     وبالوصول إلى جائحة كورونا «كوفيد-19» عام 2020، التي عصفت بالعالم، وما رافقها من آثار خطيرة تمثلت بملايين الضحايا والكساد الاقتصادي، وجدنا سموه في تلك الجائحة صمام أمان للوطن والعالم، وقائدًا ملهمًا يستمد منه الشعب، وكل من يعيش على أرض الإمارات، الصبر والقوة والعزيمة. ولطالما كان خطابه مطمئنًا بأن الأزمة سوف تمر: «فلا تشلون هم»، وفعلًا فقد مرت الجائحة واستعادت المؤسسات عافيتها وعادت إلى سابق عهدها، فكان لدعمه أثر كبير في تخفيف أعباء الأزمة على العالم.

     الأزمات في الشرق الأوسط تأتي متتابعة، وقد لا تعطي مهلة للتفكير أو التخطيط، فتجري الأحداث في منطقتنا بوتيرة متسارعة، تتجلى فيها الصعاب والتحديات. وفي ظل العدوان الإيراني الغاشم الذي طال دول الخليج والمنطقة، والذي كان للإمارات النصيب الأوفر منه، وجدنا قائدنا الملهم وقد تجلت في شخصيته أبهى سمات القيادة الحكيمة القائمة على الصبر والثبات، مستمدة من استراتيجية عززت مناعة الدولة لمجابهة هذه التحديات الكبرى. وقد أدار سموه زمام الصراع بحكمته وصلابته المعهودة، فكانت دولة الإمارات قد بدأت منذ سنوات الاستعدادات السياسية والعسكرية اللازمة لمواجهة أزمة الحرب الإيرانية الأخيرة، فأدت دورًا دفاعيًا مبهرًا في مواجهة الاعتداءات الإيرانية الغاشمة.

     لا يكون ذلك صدفة حينما يكون رئيسها الشيخ محمد بن زايد، وقد بدا واضحًا من خلال رسم سياسات الدولة أن الاستقرار ليس مجرد نتيجة، وإنما عمل دؤوب مبني على استراتيجيات واضحة في بناء دولة المستقبل تنعم بالأمن والاستقرار.

     وقد اختصر رئيس الدولة واقع الإمارات في مواجهة الاعتداء الإيراني السافر بوصف دقيق في جملة عميقة سار بها العالم شرقاً وغرباً: «الإمارات جميلة ومغرية وقدوة، لكن لا تغشكم، فالإمارات جلدها غليظ ولحمها مر». لم تكن عبارة للاستعراض، بل ثقة قائد في منظومة دولته وبنائه لمؤسسات صلبة تستطيع أن تواجه التحديات وتحافظ على المكتسبات بجدارة.

     ورغم هذا الانفتاح العالمي الذي تعيشه الإمارات، لم تتخلَّ عن حذرها، فكانت بصمات قيادة صاحب السمو رئيس الدولة في الأزمة الأخيرة واضحة بهذا التوازن، حيث تُدار القوة بصوت هادئ يجيد رفعه عند اللزوم.

     إنَّ الحديث عن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان لمهمة صعبة، واختزالها في مقال قد يعتريه الكثير من التقصير، إلا أنها محاولة جريئة من كاتب محب يريد التعبير عن شكره لقائده الذي طالما حمل عنا الحمل الثقيل.

إنا لنمشي جميعاً خلف قائدنا،

وعيشنا سائغ في السلم والحرب.

نحن المسافة والإقدام سكتنا،

إذا وعدنا وفينا دونما ريب.

«وترانا بنظهر أقوى».