الأربعاء ٠١ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: في منطقة اعتادت أن تُدار أزماتها على وقع التصعيد والردود المتبادلة، تبرز الدوحة مجدداً كعنوان للدبلوماسية الهادئة ومحطة لاختبار فرص التفاهم بين الخصوم. وما تشهده العاصمة القطرية اليوم من تحركات واتصالات بين الولايات المتحدة وإيران لا يمكن اختزاله في كونه جولة جديدة من المفاوضات، بل هو محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك السياسي والأمني في منطقة لا تزال تعيش تداعيات واحدة من أكثر المراحل توتراً خلال السنوات الأخيرة. اللافت في المشهد الحالي أن الطرفين لا يجلسان وجهاً لوجه، لكنهما في الوقت ذاته يدركان أن البديل عن الحوار هو مزيد من عدم الاستقرار. فواشنطن، رغم تفوقها العسكري والسياسي، تدرك أن أي مواجهة مفتوحة مع إيران ستكون مكلفة على المنطقة والعالم، فيما تعلم طهران أن استمرار الضغوط الاقتصادية والعقوبات يفرض عليها البحث عن منافذ سياسية تخفف من أعباء المرحلة المقبلة. خلال متابعتي لما نشرته عدد من الصحف ووكالات الأنباء الغربية، مثل رويترز والغارديان…
الأحد ٢٨ يونيو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: استوقفني مقال الدكتور سليمان الهتلان «مثقف الريمورا». ليس لأنه قدّم وصفًا بليغًا لشخصية نعرفها جميعًا، بل لأنه منحها اسمًا ظل يرافقني حتى بعد انتهاء القراءة. وما إن أغلقت المقال حتى وجدت نفسي أتساءل: لماذا نحصر الريمورا في الثقافة؟ فكلما تأملت الفكرة أكثر، اتسعت أمامي الصورة. بدا لي أن الريمورا لم يعد يسكن المشهد الثقافي وحده، بل أصبح نمطًا يتكرر في بيئة العمل، والإعلام، ووسائل التواصل، وحتى في العلاقات الإنسانية. لم يعد مجرد «مثقف ريمورا»، بل أصبح «إنسان الريمورا»؛ يقتات على جهود الآخرين، ويقترب من أصحاب المكانة، ويبحث عن ثمرةٍ لم يزرعها، أكثر مما يبحث عن شجرةٍ يغرسها. لقد استخدم الدكتور سليمان الهتلان استعارة ذكية لكائنٍ يلتصق بغيره ليستفيد من قوته وبقايا جهده، لكن ما يثير القلق حقًّا أن هذا السلوك لم يعد استثناءً، بل أصبح يتكرر بأشكال مختلفة في حياتنا اليومية؛ حيث يتراجع الاستحقاق أمام الانطباع، ويُقدَّم الظهور على الجوهر،…
السبت ٢٧ يونيو ٢٠٢٦
في عالم البحار، تعيش سمكة صغيرة تُعرف باسم «الريمورا» أو «اللزّاق»، اشتهرت بقدرتها على الالتصاق بأسماك القرش والحيتان والسلاحف البحرية، حيث تحصل من خلال هذه الحيلة الطبيعية الذكية على وسيلة نقل مجانية وحماية من المفترسات، مع الاستفادة من بقايا الطعام التي تتركها هذه الكائنات. وفي المقابل، تؤدي دوراً نافعاً حين تتغذى على بعض الطفيليات العالقة بجلد القرش، مع تنظيف ما يعلق بين أسنانه من هذه البقايا. ولعل هذه العلاقة البيولوجية اللافتة تذكّرنا بنموذج يمكن مشاهدته في بعض الأوساط الثقافية والإعلامية العربية، فكما عرفت الطبيعة سمكة «الريمورا»، عرفت هذه الأوساط أيضاً ما يمكن تسميته مجازاً بـ«مثقف الريمورا». وهذا المثقف ليس بالضرورة جاهلاً أو قليل الاطلاع، بل إن بعضهم قارئ جيد ويتمتع بقدرة على التحليل والجدل، لكن المشكلة لا تكمن في مستوى معرفته، وإنما في طبيعة حضوره ودوره. فهو نادراً ما يبادر إلى إنتاج مشروع فكري أو ثقافي متكامل، ونادراً ما يقدّم محتوى أصيلاً يضيف إلى…
السبت ٢٧ يونيو ٢٠٢٦
حين أسترجع شريط العمر اليوم، وقد تجاوزت الخمسين، أذكر أنني لم أرَ في بداياته ألعاب الطفولة ولا ضحكات الصغار، بل أرى باباً أُغلق مبكراً، ويداً حانية غابت قبل أن أتعلم كيف أتمسك بها. كنت في السادسة من عمري تقريباً، أجلس على مقعدي في الصف الأول الابتدائي، أتعثر في تهجئة الحروف الأولى للحياة، كنت أظن أن أصعب ما في الحياة أن أتعلم تلك الحروف وأجمع الكلمات، حينها جاء الخبر الذي غيّر كل شيء مات أبي، لم أفهم حينها معنى الموت، كل ما فهمته أن الوجوه تبدّلت، وأن البيت الذي كنتُ أعرفه صار بيتاً آخر. لم أكن أدرك معنى الموت كامل الإدراك، لكنني كنت أشعر بأن شيئاً عظيماً قد انكسر، وأن وجوه الكبار أصبحت أكثر صمتاً، وأن أمي التي كانت تبتسم كثيراً ترمق بعيداً كأنها تحمل جبالاً فوق كتفيها، كانت ساكنة سكون الجبل حين تضربه الريح. مات أبي الذي كان يمثل لنا السقف، وحين…
السبت ٢٠ يونيو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: في حين شدَّدت استراتيجية الأمم المتحدة على ضرورة رفع مستوى الوعي باحترام حقوق الإنسان، ونبذ التمييز، وترسيخ قيم التعايش، وقبول التنوع، وفهم الثقافات والأديان الأخرى وتعزيز الحوار بينها، واتخاذ الإجراءات العملية في سبيل ذلك، كانت دولة الإمارات العربية المتحدة قد قطعت شوطًا طويلًا في هذا المضمار قبل ذلك بعقود. فالتسامح، والتعايش، والانفتاح على المختلف، ونبذ التمييز والكراهية، قيمٌ متأصّلة في مجتمع الإمارات منذ ما قبل الاتحاد بسنوات طويلة، وللباحث ثاني بن عبدالله جهدٌ مشكورٌ ومقاطعٌ مرئيّةٌ متنوعة تشهد على واقع التعايش والود الذي كان سمةً للإماراتي منذ القدم، حتى في تعامله مع البعثات الطبية ذات الطابع التبشيري التي وفدت إلى المنطقة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، والتي أقرّت لإنسان الإمارات بالود والانفتاح واحترام الآخر، رغم عجزها عن تحقيق مهمتها التبشيرية. وهذا يعني أن التسامح في دولة الإمارات العربية المتحدة لم يكن وليد استراتيجياتٍ حديثةٍ أو شعاراتٍ طارئة،…
الجمعة ١٩ يونيو ٢٠٢٦
لطالما آمنَّا بأن العنوان هو العتبة الأولى للنَّص، والنافذة المُشرَعة، التي تشكّل في ذِهن المتلقي انطباعاتِه الأولى. وفي هذا السياق، يتجاوَز مطار القاهرة الدولي كونه مجرَّد مرفق لوجيستي، يستقبل أكثر من واحد وثلاثين مليون مسافر سنويًّا؛ فهو "العنوان" الأكبر للدولة، والرسالة البَصَرية الأولى، التي تبلْوِر في وجدان القادم ووعيه ما ينتظره على أرض مصر، مهْد الحضارات والفنون وعَرَاقة التاريخ. إن السائح الذي يقطع آلاف الأميال لا يرى الأهرامات أو النيل في لحظة وصوله الأولى؛ بل يلحَظ حال "الجيت تيوب" (الأنبوب الموصل) بين الطائرة وصالات الوصول، وتصميم معمار المطار وتنظيمه ونظافته، كما يواجَه بطبيعة التعامُل مع موظَّفي الجوازات والعاملين، تعقُّد الإجراءات أو سيولتها. تلك اللحظات القليلة كفيلة بصياغة "القصة" التي سيرويها عن مصر في بلاده؛ فإما أن تكون قصة انبهار ببلد يعبِّر عن هُوَيته، ويبرِزها في أجْلَى صُوَرها، بلد يحترم زوَّاره، وييسِّر لهم تجربة ممتِعة وغنية، أو قصة عشوائية تفتقِر للاتساق والتحديث. 1ــ أزمة التفاصيل الصغيرة وصدمة…
الثلاثاء ١٦ يونيو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: بدأ العام الهجري الجديد، كل عام وأنتم بخير، العام 1448 لهجرة الرسول (ص) من مكة إلى المدينة، بغض النظر عما إذا كانت الأشهر في موقعها الصحيح أم لا، فنحن قد ابتعدنا عن زمن الرسول أكثر من ألف وأربعمائة عام، وعن موته أيضاً، وما زلنا لليوم نلوك بما جرى يوم السقيفة، ومن حضر الموت ومن لم يحضر، وهل وكل الرسول أبا بكر بإمامة الصلاة أم أمّها أبو بكر من تلقاء نفسه، ومدى صحة حديث الكساء من عدمه، نؤلف الكتب ونلقي المحاضرات وكأن ما جرى هو حدث الساعة، وكأن حياتنا من الرفاهية بمكان بحيث لا ينقصها سوى اجترار أحداث قديمة لندخل عليها بعضاً من التشويق. لكن من يرى انعكاس تلك الأحداث على حياتنا اليوم يستطيع تفهم مدى اهتمامنا بها، فجل معاركنا تقوم على أسس طائفية، أو أنها تستند إلى دغدغة الإنتماء الطائفي لتجييش العوام ضد بعضهم البعض. على أنه من الممتع استخلاص…
السبت ١٣ يونيو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: أصبحنا نعيش في زمنٍ لم تعد فيه الملامح تُرى كما هي، بل كما “تُنتَج” رقميًا. ومنصات التواصل والتطبيقات لم تعد مجرد أدوات للتصوير، بل أصبحت تُعيد تشكيل علاقتنا بوجوهنا، حتى صار الإنسان يقف أمام صورته الحقيقية وكأنه ينظر إلى نسخة “مختلفة” من نفسه. وربما لهذا جاءت فكرة هذا المقال أصلًا؛ فالقصة بدأت عندما قررت — متأخرة جدًا — أن أجرّب أحد “ترندات” السوشال ميديا المنتشرة؛ فيديو بسيط قائم على مقارنة صورتك الحالية بصورة طفولتك، وكأن الحاضر يلتفت إلى ماضيه للحظة. لكن ما حدث كان غريبًا ومثيرًا للتأمل؛ وضعت صورة حديثة لي دون فلتر، إلا أن الصورة التي أظهرها التطبيق جاءت مغايرة تمامًا؛ إذ بدت الوجنتان منحوتتين رقميًا، والملامح مصقولة بطريقة لا تُشبهني. وهنا بدأت أفكر: إلى أي درجة أعادت وسائل التواصل تشكيل إدراكنا البصري؟ ومتى تحوّل الوجه الطبيعي إلى شيء يحتاج تفسيرًا أو “تصحيحًا”؟ إن الفلاتر وتطبيقات الوجوه…
السبت ١٣ يونيو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: هل لاحظتم مثلي بعض المقالات والنصوص المنشورة التي تحمل نمطًا متكررًا وتوافقًا شبه تام على استخدام مفرداتٍ بعينها، وتراكيب محددة، وصِيَغٍ ثابتةٍ؟ شخصيًا أصبحت أراها إحدى علامات استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد النصّ. والمشكلة لم تعد تتعلق بالاستعانة بهذه التقنية، بقدر ما باتت تكمن في الكسل العقلي - الذي تحدثتُ عنه سابقًا - والذي يظهر أثره في هذه النصوص. قد أجهل آلية عمل الذكاء الاصطناعي بدقة، لكن يقيني أنه ليس ذكيًا بالقدر الكافي الذي يؤهله لإنتاج نصوصٍ تتسم بثراء المفردات وتنوّع التراكيب، والغالب - في ظني - أنه يستخدم الألفاظ والأساليب الأكثر رواجًا بفعل تكرار النشر، لتقديم (منتج) واحد بصياغاتٍ مستنسَخة. والحاصل أن بعض الكتّاب ينساق خلف هذا (المنتج) برضوخٍ تام، يخلو من المراجعة والتمحيص، ناهيك عن تحفيز الذكاء الاصطناعي على الإبداع! والنتيجة أننا بتنا نقف أمام نصوصٍ مُعلّبة تتبع نسقًا هندسيًّا رتيبًا وكأنها سُبِكَت في قالبٍ واحد. الذكاء الاصطناعي واقعٌ لا…
الخميس ١١ يونيو ٢٠٢٦
من أطرف ما سمعته أخيراً في إحدى قنوات الجار العدو محاولة تسويق رواية ساذجة تقول إن مضيق هرمز يحمل اسماً فارسياً، وبالتالي فإن ذلك يشكل دليلاً تاريخياً على ملكية إيران له. من الصعب التعامل مع هذا النوع من الطرح التافه. فلو كانت أسماء الأماكن تمنح حق السيادة المطلقة على الممرات الدولية، لتغيرت خريطة العالم كلها بين ليلة وضحاها. القانون الدولي لا يُبنى على الشعارات ولا على الروايات الدعائية، بل على الاتفاقيات والقواعد التي توافق عليها المجتمع الدولي. الأكثر إثارة للاستغراب هو الغياب شبه الكامل للأمم المتحدة عن هذا المشهد الخطر، وكأن المنظمة الدولية التي يفترض أن تكون الحارس الأول للقانون الدولي دخلت في حالة من السكون المزمن، أو كأننا أمام حفل تأبين طويل لمؤسسة داهمها الهرم. منطقياً وقانونياً، يبقى مضيق هرمز ممراً ملاحياً دولياً مفتوحاً أمام جميع الدول. هذا المبدأ ليس وجهة نظر خليجية أو غربية أو آسيوية، بل قاعدة أساسية من قواعد النظام الدولي الحديث. وأي محاولة لتغيير مفهوم…
الثلاثاء ٠٩ يونيو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: من يستطيع أن يتأمل في العلاقات الإنسانية والأسرية والاجتماعية والمهنية، ويتابع الأخبار والأحداث السياسية، يستطيع أن يلاحظ كثيراً من التشابه بين طبيعة العلاقات بين الناس وطبيعة العلاقات بين الدول في مختلف المواقف. أنماط طبيعة البشر تجدها تتكرر وتنعكس في صور أكبر شيئاً فشيئاً؛ في الأفراد، وفي البيوت، وفي أماكن العمل، وفي المدن، ثم في الدولة التي تنتمي إليها أو تعيش فيها. وهذا يفسر نوعاً ما لماذا نختار العيش في مدينة ما أو بلاد معينة، ولماذا نفضل العمل في هذه الوظيفة أو هذا المجال بالذات؛ وذلك لأننا نختار، بوعي أو بدون وعي، النمط الذي يشبه ما في أنفسنا، وما ننسجم معه من أماكن أو علاقات نهتم بها. يقول سيدنا علي بن أبي طالب: “وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر” أي أن العالم الخارجي، بكل ما فيه من سعة وتعقيدات، يشبه العالم الداخلي في أنفسنا بطريقة…
الإثنين ٠٨ يونيو ٢٠٢٦
هل فكرت يوماً في حجم الفرص التي خسرتها كرامتك؟ تلك التي ظننت أنك تحميها بصمتك، بينما كنت تغلق بها أبواباً كان يمكن أن تُفتح لك. عندي صديق، رجل نحترمه، يخاف من الطلب كخوفه من الهزيمة. حين يضيق به الحال يغلق على نفسه ويقنع نفسه بأن كرامته محفوظة في صمته. من يعرفه يرى حاجته بوضوح، يغرق في حاجة لم يجرؤ على نطقها. وهناك من رُفض طلبه يوماً فجُرح، فأقسم ألا يطلب ثانية حتى لا يتألم. الصورة التي نحميها بصمتنا لا يراها أحد، والحاجة التي نخفيها يراها كل من يعرفنا حقاً. في ثقافتنا يكبر الفرد على فكرة أن من لا يحتاج إلى أحد هو الإنسان الكامل، وأن حاجتك للآخرين خدش في صورة القوة. نحن لا نرفض الطلب لأننا لسنا بحاجة، بل لأننا نخاف أن يُنظر إلينا كمحتاجين. نستخدم الكبرياء كحصن دفاعي، ونظن أن طلب الدعم سيكشف ضعفنا. نحن لا نحمي كرامتنا، نحمي صورتنا المزيفة. نعيش أحياناً في وهم الشفافية، فنظن أن حاجتنا…