ناصر الظاهري
ناصر الظاهري
كاتب إماراتي

أوراق تختصر حياتنا

آراء

ورقة ترفعك أيها الإنسان لعالي الشأن، ورقة تودي بك إلى داهية الدواهي، ورقة تدخل الحظ والنصيب في حياتك، وربما السعادة إلى نفسك، ورقة تجرجرك إلى المحاكم والسجون، ورقة زواج تدخلك القفص الذهبي، وورقة طلاق تسحب منك ما خبأته للأيام، لتدفعه للأيام وما خبأته لك، ورقة تدفعها الواسطة والرشوة، وورقة تعطلها المحسوبية والفساد، ورقة جديدة لامعة، ورقة قديمة منطفئة، غدونا وغدا عالمنا كله من ورق تختصر حياتنا.

قبل الورق لم يعرف الإنسان التدوين والحفظ الحقيقي، كانت فقط الجدران والرقع الجلدية والصخور والعظام.. وما أقساها من كتابة، إلى أن اهتدى إلى الشجر ولحائه والأغصان العريضة وورق البردي، وبدأ في أذى الطبيعة.

من يومها والورق يحكم ويتحكم في حياة الناس، ويسيّر معاملاتهم وإجراءاتهم، ويسجل ما تعجز عنه ذاكرتهم، هذا الورق حفظ أشياء كثيرة وثمينة، بدءاً من النص الديني وانتهاءً بحسابات البيدر، بدا الذي لم يكن بحاجة إلى تدوين في الزمن القديم، اليوم هو من أولى الأمور، ارتاحت الصدور وما تحفظ، والعقول وما تتذكر، والسبب اختراع إنساني هائل هو الورق.

ورقة أجندة للتواريخ والمواعيد، ورقة الهدية التي ستفرح قلب شخص ما، ورقة نوتة موسيقية هي جزء من عطر الحياة وسمو الروح، ورقة رسائل تصلك، وورقة رسالة تبعثها إلى أصدقاء ومعارف وأناس جمعتك الحياة بهم في يوم ما، طوابع على ورق، أو ورقة طوابع، تلك الأجنحة التي تسافر بالسلامات والطلبات والمعاملات وحتى الأشواق إلى أماكنها الصحيحة وجهاتها البعيدة، ورقة نقدية يمكن أن تشتري بها وردة أو طلقة، ورقة انتخابية فيها الجهل والوعي ومسؤولية الاختيار، ورقة الحكم الحمراء والصفراء والطرد من الملاعب، ورقة معاهدة للسلام أو معاهدة للصلح ومنع الاحتراب، ورقة فيها مذكرة تفاهم أوليّ أو هي صيغة لمشروع اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي أو ثقافي، أوراق لبطاقة سفر، بطاقة معايدة، بطاقة هوية، بطاقة اشتراك، بطاقة ضريبة، بطاقة تموين ورق لخصوصيات الإنسان.

سور برلين سقط بعد التوقيع على ورق، الاتحاد السوفييتي ومعسكره الشرقي إنهار بعد التخطيط لهما على ورق، كل الخطط تنجز أولاً على ورق، البيوت والمباني تبنى أولاً على ورق، خربشات الأطباء وخطوطهم التي لا تقرأ تكتب على ورق، تصبح روح المريض معلقة على «روشتة» لم يكتبها الطبيب بخط أنيق وعناية وصبر، وقرأها الصيدلي بعجالة وبلا فهم.

هناك ورق الجرائد الذي يكون قبل القراءة، كخبزة طازجة ساخنة ويعطي للقهوة طعمها الحلو، لكنه بعد ساعات يصبح مثل خبزة بائتة، هناك ورق الاحتجاج، ولافتات التظاهر، تلك التي تحمل رأياً ما، وفكراً ما، هناك طائرة الورق تلك التي كانت تسافر بنا، وبأحلامنا إلى أقصى أماكن الروح، وأبعد آفاق الحلم الطفولي.. مثل تلك التي كنا نبثها إلى الجميلات اللاتي كانت تجاههن أحلام طائرة من ورق في دفاتر الأيام القديمة؛ «بروك شيلدز، بريجيت باردو، رومي شنايدر، شادية، نجلاء فتحي، كوكش، وشمس البارودي» اليوم كلهن من ورق بهت به العمر.

المصدر: الاتحاد