لم يعد الأستاذ الجامعي حالياً ذلك الفاعل الأكاديمي الذي تنحصر مهمته في نقل المعرفة إلى طلابه أو إنتاجها في حدود تخصصه، وإنما بات يقف في قلب منظومة شديدة التعقيد تتجاذبه فيها مسؤوليات التعليم والبحث، ومتطلبات الجودة، وضغوط الترقية، وشروط الاعتماد، ومؤشرات التصنيف، وضرورة الحضور في فضاء النشر العالمي، لذا لم تعد أزمة الأستاذ الجامعي -في نظري- أزمة وقت أو أعباء وظيفية فحسب، وإنما غدت أزمة في معنى الوظيفة الأكاديمية نفسها: هل تتمثل قيمة الأستاذ فيما يصنعه في عقول طلابه، أو فيما ينتجه من بحوث؟ وهل تقاس مكانته بعمق أثره العلمي والتربوي، أو بعدد منشوراته واستشهاداته وموقع المجلات التي ينشر فيها؟
ربما هذه التساؤلات التي تجول في خاطري بين الفينة والأخرى تكشف عن تحول عميق في توجه الجامعات العربية، فالجامعة في أساس واقعها الفكري ليست مؤسسة لمنح الشهادات أو إنتاج البحوث فحسب، وإنما تُشكّل فضاءً لصناعة العقل، وتكوين الإنسان، وربط المعرفة بقضايا المجتمع، وكان الأستاذ في قلب هذه الرسالة، إذ يجمع بين وظيفة العالِم الذي ينتج المعرفة، والمعلم الذي ينقلها ويعيد تشكيلها، والمفكر الذي يمنحها أفقاً نقدياً، والمربي الذي يسهم في تكوين شخصية الطالب العلمية والأخلاقية.
غير أن توسع التعليم العالي ودخول الجامعات في فضاء المنافسة الدولية أحدثا تحولاً في هذه الصورة، فأصبحت الجامعة مطالبة بأن تثبت حضورها من خلال مؤشرات قابلة للقياس: عدد البحوث المنشورة، ونوعية المجلات، والاستشهادات العلمية، والشراكات الدولية، والمشروعات البحثية، والتمويل الخارجي، وموقع المؤسسة في التصنيفات العالمية، وهي معايير لها أهميتها في تقويم الأداء ومنع الركود الأكاديمي، غير أن الإشكال يبدأ عندما تنتقل من كونها وسائل لقياس الجودة إلى غايات تعيد تشكيل مفهوم الجودة نفسه.
و-هنا- تظهر المفارقة الكبرى التي يعيشها الأستاذ الجامعي: فالتعليم الجيد يحتاج إلى زمن طويل ربما لا تظهر ثماره سريعاً، بينما يمكن تحويل البحث المنشور إلى رقم واضح في ملف الأستاذ والجامعة، الأستاذ الذي يقضي ساعات في مراجعة أعمال طلابه، ومناقشة أفكارهم، وتصويب مناهجهم، والإشراف على بحوثهم، وإعادة بناء محاضراته بما يتناسب مع تحولات المعرفة، يمارس عملاً بالغ القيمة، لكن.. جانباً كبيراً من هذه القيمة يصعب اختزاله في مؤشرات كمية أو تنافسية أداء، أما البحث المنشور في مجلة عالمية فيتحول مباشرة إلى نقطة في الترقية، ورقم في الإنتاج العلمي، وعنصر في تقييم القسم والكلية والجامعة.
المشكلة في هذا عندما تنشأ مفاضلة مؤسسية بين ما هو قابل للقياس وما هو جدير بالقيمة، وتلك من أخطر مشكلات الجامعات، لأن الأشياء الأكثر قابلية للعد ليست بالضرورة الأشياء الأكثر أهمية، خذ مثالاً على هذا: من السهل أن نحصي عدد أبحاث الأستاذ، ولكن من الصعب أن نحصي عدد العقول التي غيّر طريقة تفكيرها، أو قياس أثر محاضرة عميقة بقيت في وعي طالب أعواماً عديدة، وغيرت مساره العلمي والفكري.
في سياق حديثي هذا يبرز النشر العالمي ليمثّل أحد أكبر التحديات التي تعيد تشكيل الحياة الأكاديمية، ولست أنظر إلى النشر الدولي بوصفه مشكلة مرهقة، فهو ضرورة علمية، لأنه يخرج الباحث من حدود بيئته المحلية، ويضع أفكاره أمام مجتمع علمي أوسع، ويفتح المجال للنقد والحوار البنّاء، والتعاون وتبادل الخبرات.
المشكلة الحقيقية التي تُقلق أستاذ الجامعة وربما تؤثر سلباً في إسهامه في التعليم، ورفع الكفاءة المعرفية، وإنتاج العقول الطلابية الواعية حين لا يشعر بأنه مطالب بأن يكون باحثاً فقط، وإنما بأن يكون منتجاً بحثياً بصورة مستمرة، فالورقة التي نشرها بالأمس تتحول في وقت قصير إلى إنجاز سابق، ويبدأ السؤال عن الورقة البحثية التالية، وهكذا يدخل العمل الأكاديمي في منطق التراكم المستمر الذي لا يعرف نقطة اكتمال.
أتفهّمُ تلك المشكلة، وأشعر بإحساس أستاذ الجامعة حينها، لكن حدة المشكلة تزداد عندما يرتبط هذا الضغط بمفهوم العالمية، فالعالمية العلمية قيمة ضرورية، لكن لا ينبغي أن تفهم بأنها تعني فقط مجرد الظهور في قواعد البيانات الدولية، فليس كل بحث منشور عالمياً-كما لا يخفى- يمكن عده عالمي القيمة.
هذا الواقع يثير إشكالية أخرى تتعلق بهوية الأستاذ نفسه، فمن هو الأستاذ الجامعي اليوم؟ هل هو معلم، أو باحث، أو مشرف، أو إداري، أو خبير جودة، أو عضو لجان، أو مدير مشروع، أو منتج بحوث؟ الواقع أنه مطالب بأن يكون كل ذلك في وقت واحد، وهو ما يؤدي إلى ما يمكن تسميته (تشظي الهوية الأكاديمية) إذ تتوزع طاقة الأستاذ بين وظائف كثيرة، لكل منها مطالبها، بينما يبقى الزمن محدوداً.
هذا التشظي لا يؤثر في الأستاذ وحده، بل يمتد إلى طبيعة المعرفة التي تنتجها الجامعة، فعندما يصبح الكم معياراً طاغياً، ربما تتراجع قيمة البحث العميق، لأن بعض الأفكار البحثية الحقيقية تحتاج إلى سنوات من القراءة والتأمل والتحقق.
إذن مشكلتنا ليست في الأرقام نفسها، بل في هيمنتها على تصورنا للقيمة، الجامعة تحتاج إلى الأرقام لكي تقيس أداءها، لكنها تحتاج كذلك إلى الحكمة لكي تعرف حدود ما تستطيع الأرقام قياسه. فالكم يخبرنا بعدد البحوث، لكنه لا يخبرنا بعمقها، والاستشهاد مؤشر على انتشار البحث، لكنه لا يكشف قيمته، ناهيك عن أن التصنيف يُشعرنا بموقع الجامعة مقارنة بغيرها من الجامعات، لكنه لا يستطيع وحده أن يخبرنا بنوعية الإنسان الذي تخرجه الجامعة.
لذا فإني أرى أن الإصلاح الحقيقي ليس بإلغاء النشر العالمي، ولا بتخفيف قيمة البحث العلمي، ولا بالانغلاق الجامعي، وإنما بإعادة بناء التوازن بين الوظائف الأكاديمية في الجامعات، ينبغي ألا يُشكّل التدريس معضلة يتحملها الباحث، ولا أن يُصوّر البحث بأنه ترفٌ يمارسه المعلم..المعلم الحقيقي يحول القاعة إلى مختبر للأسئلة والأفكار، ومناقشة الأبحاث، وعرض نتائجها.
أضف إلى هذا أنه ينبغي أن تتسع فلسفة تقييم الأستاذ لتشمل تعدد صور التميز الأكاديمي، فهناك أستاذ ربما يكون باحثاً استثنائياً، وآخر يصلح أن يُعد معلماً متميزاً، وثالث يستطيع بناء مدرسة علمية وتكوين الباحثين، وتحقيق أثر مجتمعي لافت، وبهذا تقاس القيمة الأكاديمية في ضوء تنوع الوظائف التي تقوم عليها الجامعة.
إن القضية في جوهرها تتجاوز الأستاذ الجامعي إلى السؤال عن مستقبل الجامعة نفسها، فإذا تحولت الجامعة إلى مؤسسة تسعى إلى تحسين مؤشراتها فقط دون أن تسأل عن معنى ما تقيسه، فإنها قد تنجح في الصعود في التصنيفات، لكنها تخاطر بالهبوط في رسالتها، وقد تحقق حضوراً عالمياً أوسع، بينما تتضاءل صلتها بمجتمعها وطلابها، وقوانين المعرفة، وبناء العقول المبدعة.
