في ذكرى المولد

آراء

خاص لـ هات بوست:

تحتفل البلاد الإسلامية في هذه الأيام بذكرى المولد النبوي الشريف، أعاده الله عليكم بالخير والبركة، بغض النظر عن صحة التاريخ والتقويم المعتمدين.

     إذ نستذكر نبينا محمد (ص) نتذكر أن الله تعالى قد أثنى عليه في كتابه الكريم، ودعانا إلى تبجيله وتكريمه {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (الأحزاب 56)، ولا يمكن لعاقل الاعتقاد أن تكريم النبي يكون بترداد دعاء فقط، وإنما لا بد من اتباع هديه والاقتداء به.

     نبدأ بقوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء 107)، فرسالة الرحمة تلك ختمت الرسالات السماوية، وخففت ما جاء بها من أحكام قاسية، لتتحول الشريعة من عينية إلى حدودية، تنوس فيها الأحكام بين حدين أدنى وأعلى تمنح المشرع أريحية القوننة وفق ظروف عصره في الزمان والمكان، لا في منطقة بعينها في زمن بعينه، وإنما “للعالمين” أينما حلوا، فإذا دققنا في التنزيل الحكيم وجدنا خطوطاً عريضة، يطبق فيها الإعدام كعقوبة قصوى لجرائم القتل العمد، مع فتح باب العفو دائماً كحل يخفف العقوبة ويعطي للرحمة مكانها.

     وفي رسالة الرحمة المحرمات محددة، والتحريم حق لله تعالى، وباعتبار أن الرسالات قد ختمت، فإن باب التحريم الإلهي قد أغلق، ولا يمكن لأحد أن يجعل من رأيه تحريماً ملزماً، فإذا كان الرسول الكريم نفسه لم يُمنح حق التحريم إلا وفق ما جاءه من ربه فكيف بنا أن ندعي تحريم ما لم يحرمه الله؟

     وفي رسالة الرحمة الحساب على الإيمان عند الله يوم القيامة {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (الكهف 29)، ومشيئة الله في خلقه أن يكونوا مختلفين، وألا يؤمنوا جميعاً، وألا يكره أحد على الإيمان، فقوام مسؤولية الإنسان هو اختياره بين الطاعة والمعصية، ووفق اختياراتنا سيحاسبنا ربنا عند قيام الساعة.

     وفي رسالة الرحمة {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (النحل 125). والموعظة الحسنة لا تختزل بالتهديد والوعيد، ولا تتحول إلى وسيلة لفرض الوصاية على مجتمع بأكمله.

     أما الأخلاق، فقد عرف الرسول بأخلاقه {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم 4)، ولم يكن {فظاً غليظ القلب} بل عرف عنه تواضعه ولينه وعفوه عمن أساؤوا إليه، وهو إذ أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فإن للعرف مكانه في تعريف كلا المفهومين وتطبيقهما على حياة الناس، دون أن تتحول الأعراف لمصدر للتشريع أو الوصاية على المجتمع.

     واليوم، العرف في مجتمعاتنا أصبح يقبل عمل المرأة، بل أن النساء حملن المجتمع في زمن الحرب على كاهلهن، والعرف أن النساء يرتدين ما يناسبهن ضمن ما يقرره القانون وما يعد احتشاماً مقبولاً في المجتمع، فهناك من تغطي رأسها وهناك من لا تغطيه، ومن تختار أسلوباً مختلفاً في لباسها تبقى حرة أيضاً، طالما أنها تراعي القوانين المتبعة، كأن يطلب مراعاة الذوق العام أو كشف الوجه في الدوائر الحكومية مثلاً.

     أما المنكر الذي لا خلاف على استنكاره فمجاله واسع، فالتحرش بالنساء والأطفال يجب أن يكون مستنكراً، عداً عن كونه جريمة، وكذلك السب والشتم والاستهزاء بالناس، فكلها مستنكرة، ولا يمكن قبولها لمجرد اختلاف هوية الفاعل أو هوية الطرف الآخر، أما أن يكون الاستنكار تبعاً لهوية المتحرش وطائفته أو هوية الضحية، فهذا بحد ذاته مدعاة للاستنكار الشديد، ولا يمكن لعرف أن يسمح بها.

     ثم إن اتخاذ المفهوم ككل ليكون أداة تسلط على المجتمع وتغييره نحو التشدد بسطوة الدين فهذا شكل من أشكال الطغيان بلبوس آخر.

     من جانب آخر فإن الرسالة الخاتم دعت الناس إلى السير في الأرض وأخذ العبرة {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (الحج 46) وأغلب آيات الكون والخلق تدعو إلى التعقل والتفكر، والسير لا يكون إلى الوراء، وتكريم رسولنا وديننا يكون بالاتجاه نحو ركب الحضارة بعلم وعقل مترافقين مع الأخلاق الحميدة، لا باستنساخ ظروف القرن السادس الميلادي، وكأنها النموذج الملزم للحياة، فالرسول إن ولد ومات في ذاك الزمان وتلك المنطقة، ستعيش رسالته إلى أبد الآبدين كما أراد لها الله أن تكون. وإن كنت تريد العيش كما عاش السلف الصالح بكامل ظروفهم، فلتتخل عما أنتجته الحضارة الإنسانية من طبابة ودواء وسيارات وهواتف نقالة وكمبيوترات، لكن لا يمكنك فرض ذلك على أحد، ولا أن تجعل الحياة في عصر مضى معياراً وحيداً لصلاح الناس في عصرنا.

     في ذكرى مولد رسولنا دعونا نفهم معنى رسالته لعلنا نتحلى بجزء من أخلاقه، ولعل الأجيال القادمة تعود بمسار تلك الرسالة نحو طريقها الصحيح كرسالة رحمة للعالمين.