نوادي القراءة .. ما كنت أظنه ملاذاً للبائسين

آراء

خاص لـ هات بوست:

     تحلقنا كمجموعة صديقات حول صديقتنا التي اكتشفت للتو خيانة زوجها لها، جلستْ تبكي وتثرثر تائهة في شعورها وقرارها. ذكرت في مجمل ما ذكرت عبارة حُفرت في لا وعيي أو ربما في وعيي دون أن ألقي لها بالاً حينها. قالت: “لا أريد أن أطلّق منه وأدّعي أنني قوية اليوم لأجدني بعد فترة وحيدة تعيسة أندب حظي وأسلّي أيامي بالانضمام لنوادي القراءة، لأمضي الوقت مع نساء تخلى عنهن المجتمع ولم يتبق لهن رفيق سوى الكتب.”

     بعيداً عن مآلات صديقتي وقصتها وجدتني توقفت طويلاً أمام هذه العبارة. لا أقصد هنا أنها استوقفتني في حينها، ولكنها ولسنوات طويلة كانت تحضرني كلما هممت في الاشتراك في نادي قراءة. دُست هذه الكلمات في وجداني كبذرة لنبتة كبرت سامة، ولم أتبين وجودها في أعماقي إلا مؤخراً. فالصورة التي رُسمت في خيالي لأندية القراءة بأنها مجموعات تضم أشخاصاً لا يجدون لأنفسهم مكاناً في المجتمع. وأنا على النقيض فتاة منخرطة بقوة في المجتمع لي من الأصدقاء الكثير ومن الأنشطة ما لا يعرف حداً. كما لاحظت أيضاً أن الصور الجماعية التي يلتقطها رواد هذه الأندية والتي تظهر أمامي بالصدفة على منصات التواصل الاجتماعي كانت تستدعي في نفسي الشعور بالشفقة عليهم. هؤلاء المساكين العاثرين الذين وجدوا لأنفسهم السلوى مع شخصيات الكتب لأن لا شخوص حقيقية صادقة محبة يلتجئون إليها في واقعهم.

     تدور الأيام بحكم طبيعتها الدوّارة والمتقلّبة وأجدني بعد أن أنتهي من كتاب جميل أحبه وأتعلّق به، أحتار فيما أختار بعده. يعرف عشاق القراءة أن لكلٍ منا قائمة طويلة من الكتب التي يرغب في قراءتها، تكاد لا توازي سرعته في القراءة سرعة تكدس الكتب في القائمة. ولكن أحياناً تصل الحيرة حد أن تحتار فيما تختار من القائمة. وهنا كنت ألجأ سراً إلى صفحات أندية الكتب لأقرأ مراجعات وترشيحات تسهل عليي الاختيار. وحدث مرة أن وجدت على جدولهم كتاب “الفاجومي – أنت السبب يابا” وهي مذكرات نوارة نجم كتبتها عن أبيها أحمد فؤاد نجم. كتاب لا يخطر ببالي قراءته ولكنني في عرض ليلٍ طويل أرقني ليلتها قمت بتحميل الكتاب وقراءته دون سابق موعدٍ معه. شدتني المذكرات فأنهيتها ليشرق الصباح وأنا أجد في نفسي طاقة وحماسا ورغبة في المشاركة في نقاش هذا الكتاب. تتبعت صفحة “ملتقى الراويات” لأعرف المكان والزمان وتوجهت إلى الجلسة التي كانت ستعقد عند الحادية عشر صباحاً في مكتبة الصفا للفنون بدبي.

     دخلت القاعة ووجدت مجموعة من السيدات الضاحكات المشرقات اللواتي يتساعدن في إعداد الجلسة وترتيب الكراسي وتوزيع الشاي وبعض البسكويت على بعضهن. سلامهن وأسألتهن عن الأحوال تنبئ بأن علاقة عميقة وقديمة تجمع بينهن. كنّ في منتهى الخفة في التنقل من طرف إلى آخر من القاعة واستقبال كل من تدخل الباب بالقبلات والأحضان. في حين انزويتُ على كرسيي بابتسامة علّهم يتقبلونني بينهم. عند الحادية عشر تماماً بدأت الجلسة التي قدمتها الدكتورة “سمية” بالتعريف بشخصية أحمد فؤاد نجم والأوضاع السياسة والاجتماعية في مصر في الفترة التي عاش فيها، ثم بدأت السيدات بإضافة مداخلات عن أحوال بلدانهن في ذات الفترة ليحتدم النقاش بعد دقائق قليلة ولأذهل بكمية الإضافات التي سمعتها من السيدات. فقراتٌ مررت عليها مرور الكرام أثناء القراءة وجدت من استوقفتهن هذه الفقرات فأضفين عليها عمقاً ذاتياً، أو ربطنها بذكرى، أو أسقطنها على واقع معاش. ما كان يبدو لي كمذكرات فتاة وجدته ثورة وجدانية أنتمي إليها بعمق مع هذا الكم المهول من القضايا التي استنبطتها كل سيدة.

     أما الشعور الأجمل كان استماعهن، أو بالأحرى انصاتهن للفكرة التي طرحتها، والتي كانت جانباً لامس قلبي بعمق فوجدت منهن التفهم، بل والاهتمام الذي لا ألقاه عادةً في محيطي العام. شعرت أنني أنتهمي لهذه المجموعة، وأنتمي لهذا العالم. إلا أن الفكرة الدفينة المخبئة داخلي كانت ما تزال قابعة تطل برأسها لتغمزني وتذكرني بنفسها بين حينٍ وآخر.

     هرعت فور عودتي إلى المنزل إلى تتبع جدول القراءات الخاص بهم واقتناء كل الروايات المدرجة على جدول أعمالهم. قرأت بنهم. لطالما كان طبعي في عدم إنهاء الكتب يزعجني، دوناً عن الطبع البشري المشترك بيننا جميعاً في التأجيل والتسويف. فوجدت أن وجود موعد محدد للمناقشة كان بمثابة حافز ممتع يجعلني أقرأ الكتاب كاملاً وفي الوقت المحدد. فرحت باكتشافي هذا فرحتي بإيجاد كنز. وبالفعل قرأت معهم الكتب والتزمت معهم بجلسات النقاش التي أغنت حياتي ككل وليس قراءاتي فحسب. بدأت جلسة بعد أخرى أنغمس في الكتب بطريقتي وطرقهم على اختلافها، فـ “داليا” دائماً تحاول إيجاد الرابط بين هذا الكتاب بمجمله وما يضفيه على حياتنا بمجملها، و”ميسون” بارعة في تقفي أثر التشابه والمقارنة والمفارقة بين مواضيع وقضايا هذا الكتاب وكتب أخرى قرأتها، في حين تقرأ “شيرين” الكتب بعين الأم وتتخيل أثرها على أطفالها، ولشذى عين ثاقبة تنتقد النسق المتخفي وراء النص، في حين تتقن “سهام” تتبع الرموز وتفكيكها. وهكذا أضفت كل واحدة منهن نظرتها الخاصة على كل كتاب وعلي أنا شخصياً.

     أحببت هذا الجانب الجديد الذي بدأ يتألق في أيامي. فالمرء منا يحب أن يناقش ما قرأه مع الآخرين لكن لم يكن في حياتي هذا النوع من الآخرين من قبل. وقد عنى لي الكثير سابقاً أنني موئل أصدقائي ليسروا لي بهمومهم ومشاكلهم وكانت تلك الساعات التي نقضيها على الكنبة مع فناجين الشوكولاتة الساخنة للتحدث لساعات في شؤونهم هي فرصتي الوحيدة لإسقاط بعض مما أقرأ على حياتهم. فإن شكت لي إحداهن أمراً أخبرها بأنني قرأت ما يشابهه في الرواية الفلانية وأسرد لها سلوكيات وأفكار وتحليلات من الرواية. هذه الفسحة الضيقة توسعت وصرت أجلس مع مجموعة كبيرة من الناس؛ قرأنا نفس الكتاب لنحلل ونتعمق في سلوك معيّن للشخصية ودوافعه ومنبته ومصيره.

     تواصلتُ مع صديقتي التي افتتحتُ المقال بالحديث عنها، نتذكر أيامها الخوالي بعد انفصالها وبعد أن فرقتنا الأيام ووجدتني لا أعرف الكثير عما آلت إليه أحوالها. هي الآن مدربة يوغا، منشغلة حد الانغماس بمصطلحات التأمل والروحانيات والعلاج بالطاقة. فهمتُ من تتبعي الدقيق وأسألتي الكثيرة أنها بعد اختيارها الانفصال عن زوجها لجأت للأندية الرياضية أولاً، ثم سافرت في رحلات مع مجموعات تسلق الجبال لفترة، ثم آذت ركبتها وانعكفت على الدين وكتاب الله تدرسه إلى أن وجدت فيه “ربنا لا تحملنا مالا طاقة لنا به” والذي تمسكت به كدعاء وورد دائم، ثم وجدت أحد اليوتيوبرز يستشهد بوردها الأثير كدليل على صلاحية علوم الطاقة والعلاج بها.

     وجدتْ صديقتي في كلام اليوتيوبر تفسيراً مستنيراً مختلفاً كان بداية دخولها هذا المجال. بدأتْ باقتناء نبتة بامبو خضراء تعيش في الماء وليس في التراب، وضعتْها في إناء زجاجي وغمستْ جذورها في الماء النقي وربطتْ طرفها بشريطة باللون الأحمر الناري، ثم أسقطتْ في قاع الإناء الزجاجي وسط الجذور والمياه بعض العملات المعدنية لتجمع بذلك العناصر الخمسة للطاقة الحيوية كما شرحت لي. راحت تحدثني بصوت يشي باليقين والإيمان والثقة بأنها ستصل قريباً إلى المستوى السابع حيث السلام النفسي، إلا أنني وجدتُ -من منظوري الخاص- في كل ما تقول وتفعل توهاناً وضياعا. وخطر لي، لو أنها لجأت إلى نادي قراءة، لو أنها عاشت مع أبطال الكتب والروايات، لو أنها انغمست في عوالم الأدب والفكر، لأوحى لي ذلك باتزان أكثر مما توحيه لي كلماتها الآن. ما نفرتْ هي منه لأنه مجتمع للبائسين وجدتُه أنا بعد التجربة أكثر إشراقاً وانطلاقاً واتزاناً مما أنهت هي رحلتها في غياهبه.

     في نهاية إحدى الجلسات التي ناقشنا فيها رواية “اللون أرجواني” مع ملتقى الراويات توجهت إلي “أمسية” السيدة اللطيفة والقارئة النهمة لتقترح عليي الاشتراك في نادي أقرأ الذي تشارك هي فيه في قراءة الكتب الغير روائية. شدتني الفكرة وشعرت بالإطراء أنها وجدت بي ما يستحق الدعوة. اخترت من جدول أعمالهم كتاب “عالم الأمس لستيفان زفايغ” لأقع في غرامه من الصفحات الأولى، وأنا التي كنت أظن أن المتعة فقط لعالم الروايات وأن الكتب الغير روائية ندخرها للأيام التي نتعطش فيها فكرياً للبحث أو الاطلاع ولكنها تخلو من المتعة. أعتذر. أعتذر لنفسي بالدرجة الأولى على هذا الاعتقاد الخطأ. الكتب الغير روائية ممتعة في قراءتها وتروي التعطش للمعرفة وتشبع الفضول، وأجمل ما فيها أن جلسات النقاش حولها تحقق للإنسان ذاته وتبين للقارئ مكانته. جلست مع أشخاص عمر قراءاتهم يتجاوز العشرين سنة بمعدل كتابين كل شهر، فأي إضافات وأي غنى وأي ثراء هذا الذي وجدته في حديثهم؟!

     سحرني هذا العالم بكل شخوصه، فرحبتُ بدعوة العزيزة “سلوى” إلى نادي قراءة ثالث في دبي وهو منتدى شرق وغرب. حمل هاتفي الجوال ثلاث أجندات قراءة لثلاث منتديات أعطت معنىً لأيامي بعد أن غاب عنها المعنى لوقت طويل. بدأتُ أدمن أسلوباً غريباً للقراءة تسلل إلى فكري، وهو أن أرى النص بعيون الآخرين قبل أن ألتقي بهم للمناقشة. تمر بي الفكرة التي يطرحها الكاتب وأنا بطبعي أكثف من التجربة الشعورية تجاه أي فكرة أقرأها، ولكنني بت أيضاً أخضعها لميزان القيم العليا حسب طريقة “حازم” في نادي إقرأ. وأخضعها للنظرة النسوية حسب ما اعتدت أن أسمع من “زكية” مثلاً، وتعلمت من “وليد” أن أقرأ النص بعيوني وعيون قارئ أكبر سناً لكثرة ما يستخدم هو تعبير يفتتح به أغلب مداخلاته في النقاشات: يقرأ ابن جيلي هذه الفكرة هكذا بينما قد يقرأها الأصغر سناً بالطريقة الفلانية. لديه القدرة على تخيل اشتغال النص بطرق مختلفة لدى الأجيال المختلفة. وقد تسربت إليّ طرقهم فبت أقرأ النص بأكثر من قلب وأكثر من عين وأكثر من فكر. أتحرق للوصول إلى المناقشة لا لألقي على مسامعهم ما أرغب بقوله كما كنت سابقاً، بل لأنني بت أنتظر أن أسمع رأي منيرة ونسرين وجورجيت وسامر وغيرهم.

     أما أعجب ما أضفته تجربة نوادي القراءة على أيامي فهي أنها أعادت برمجة عقلي في كيفية خلق الانطباع الأول عن الأشخاص. فمثلاً شخصية الدكتورة “مها” مؤسسة نادي إقرأ للقراءة تبدو لي من بعيد كشخصية قد لا يجمعني بها أي حديث مشترك. سيدة عراقية بهيئة أجنبية وشعر أبيض قصير جداً يتكامل مع هيئتها التي تشي بالجدية ولغة جسدها التي توحي بأنها تدير مؤسسة عسكرية. ثم ما لبثتُ أن خضت معها نقاشاً واحداً حول كتاب لأتبين الروح الطفولية القابعة في داخلها، والنظرة البريئة والنقية جداً تجاه الحياة، والتي تتحول بمجرد الغوص في أعماق الكتاب إلى نظرة ثاقبة دارسة متأنية متعمقة قل نظيرها.

     وكذلك سلوى مؤسسة منتدى شرق وغرب، امرأة باسمة دائماً، رافلة بالألوان، قد يوحي مظهرها لي بأنني سأخوض معها أحاديث عن الموضة والأزياء والجمال حصراً، ثم أجدني أشترك معها في الغوص في أعماق روايات في منتهى السوداوية والجدية أحياناً، وأعجب بقدرتها على استجلاء جوانب غامضة وكامنة تركز هي فيها على الجانب الإنساني بشكل فريد.

     والشخصية الثالثة هي “داليا” مؤسسة ملتقى الراويات والتي لشدة هدوئها وانخفاض طبقة صوتها حتى لتكاد تتحدث همساً، حكمتُ عليها جازمة بأنها تفتقد ولا بد لمهارات إدارة حوار.. لأفاجئ بعد حضور عدة حوارات تحت إشرافها وإدارتها مع كتّاب ونقاد؛ أنها من أقدر الناس على إدارة دفة الحديث وطرح الأسئلة الصحيحة وبناء الأسئلة على فحوى ما تتلقاه من أجوبة. السيدات الثلاث المؤسسات للأندية التي أرتادها وغيرهم الكثير من الروّاد أبهروني جميعهم بأعماق ودواخل وجدتها فيهم. ولو أنني عرفتهم في مناسبات أخرى من الحياة الاجتماعية لما تمكنت من رؤية هذا العمق الساحر فيهم.

     بالعودة إلى الجملة التي افتتحت بها هذا المقال والتي فاض منها هذا التداعي الحر؛ “… لأجدني بعد فترة وحيدة تعيسة أندب حظي وأسلّي أيامي بالانضمام لنوادي القراءة، لأمضي الوقت مع نساء تخلى عنهن المجتمع ولم يتبق لهن رفيق سوى الكتب.” أقول جازمة أنني أندم أشد الندم أنني تركت هذه الفكرة تستقر داخلي دون مساءلة. لأنني وجدت في نوادي القراءة أشخاصاً ممتلئين بالحياة، فضوليين، منفتحين، قادرين على الإصغاء، وعلى منح الأفكار وقتها والإنسان مكانه.  وجدت فيها صداقات بعيدة عن جلسات الشكوى والمصالح العابرة، قوامها متعة الاكتشاف المشترك وحب الخوض في مغامرات النفس البشرية وقضاياها. صداقة تجمع الناس بنوع نادر من الألفة التي تولد حين يلتقي الناس حول المعنى وليس حول مناسبة ما.

     ولعل أجمل ما تعلمته في رحلتي هذه أن الباحث عن رفقة القراءة ليس انساناً تائهاً بائساً، والمسألة لا تتعلق بكونه إنساناً لم يجد إلا الكتب رفيقاً، ولكنهم أناس وجدوا في الكتب طريقاً إلى بعضهم البعض. والشخصيات التي تسكن دفات الكتب لا تسحبنا بعيداً عن الحياة وإنما تلقينا على قارعتها أكثر عمقاً واتزاناً وقدرة على قراءة المشهد والآخر.