ميرة الجناحي
ميرة الجناحي
كاتبة إماراتية

الإمارات وأوبك.. من خيار التأسيس إلى استحقاق الريادة

الجمعة ٠٨ مايو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:       أثار خروج الإمارات من منظمتَي (أوبك) و(أوبك +) ردود فعلٍ واسعة كانت الصدمة سمتها الأساسية، وتباينت بين المفاجأة والاستياء، وهو أمرٌ مفهوم في ظل تعقيدات المصالح الاستراتيجية، وحسابات الربح والخسارة في سوق الطاقة العالمي.      إلا أن المؤكد الذي لا جدال فيه هو أن هذا القرار السيادي غير موجّه ضد أحد، فبعد عقودٍ طويلة من الإسهامات الكبيرة والتضحيات الأكبر التي قدمتها الإمارات خلال عضويتها في المنظمتين، حان الوقت لإيقاف تلك التضحيات، والتركيز على المستهدفات التنموية، وإعلاء المصلحة الوطنية فوق أي اعتبار.      وفي هذا السياق، جاء مقال معالي يوسف العتيبة، سفير الدولة لدى الولايات المتحدة الأمريكية، المنشور في صحيفة (فايننشال تايمز) مؤخرًا، جليًّا ومتّسمًا بشفافيةٍ عالية، إذ ترجم واقعية القرارات الإماراتية وتطورها تبعًا لكل مرحلةٍ تمر بها الدولة، وأحسبُ أن هذا هو ديدن كل دولة تتمتع باستقلالها الاستراتيجي وتضع مصالحها الوطنية في صدارة أولوياتها.      لقد عبّر العتيبة عن الموقف الإماراتي بتصالحٍ تامٍ مع الماضي، وبحزمٍ لا يقبل التأويل أو المجاملة مع الحاضر والمستقبل، حيث كتب: " ...كنا دولة فتية يعتمد اقتصادها بشكل شبه كامل على عائدات النفط. كان إطار عمل أوبك - الذي يرتكز على الإدارة الجماعية للإنتاج، والانضباط المشترك، والتسعير المنسق - مناسبًا لدولةٍ حديثة العهد بأسواق الطاقة الدولية…

التخمة بالذات

السبت ٠٢ مايو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:       نُشر الأسبوع الماضي مقالٌ عميقٌ للدكتور توفيق السيف - وهو كاتبٌ سعودي أجد لديه دائمًا ما يشبع الفكر ويروي المعرفة - تحدث فيه عن مَظنة (الحق الوحيد) التي تدفع البعض للانحياز إلى رأيٍ محدد، وافتقاد القدرة على رؤية ومحاولة فهم سواه، وطرح رؤيته - التي أوافقه عليها - حول الأسباب الكامنة خلف هذا السلوك.      الانحياز بتعريفٍ بسيط هو الميل إلى جانبٍ دون آخر بطريقةٍ تحجب الرؤية الموضوعية أو تمنع التقييم العادل للمواقف والحقائق.      وكوني شهدت الكثير من النقاشات الجدلية التي كانت غالبًا ما تصطدم بسد الانحياز، فلعلي أضيف دوافع أخرى لمستها في هذا السلوك: أحدها الشعور بالأفضلية والاستعلاء، أو ما يمكن تسميته (الثقة المزيفة في النفس)، ويتجلّى هذا بوضوح في النقاشات الدينية - مثلًا - التي تتناول أصحاب الملل والديانات الأخرى، أو السجالات الاجتماعية التي يحلو للبعض تحويلها لصراعات جندرية بين النساء والرجال! وهذا يقودني لمفهوم (العمى الأخلاقي) في النقاش، حيث لا يعود الهدف هو البحث عن الصواب، بل (تثبيت الهوية) وإشعار الذات بأنها الناجية والأعلى درجة، والوحيدة التي تمتلك الحقيقة، مما يجعل الانحياز هنا وسيلةً دفاعيةً وليست مجرد قناعةٍ فكرية.      أيضًا الركون إلى (منطقة الراحة الفكرية)، تلك التي يستكين فيها العقل حد الكسل العقلي، فلا يتحمس لفهم…

بين الغيرة الوطنية وفخ الطائفية

الخميس ٢٣ أبريل ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:       ما زال الفكر الظلامي يترصّد لبلادنا، مستهدفًا أمنها واستقرارها، عابثًا بوعي أبنائها، ساعيًا للتغرير بهم وجرّهم لمستنقع الخيانة والإرهاب! إلا أن انكشاف التنظيم الشيعي السري الإرهابي، الذي تم تفكيكه وتوقيف أعضائه مؤخرًا، يرسّخ يقيننا بمتانة منظومتنا الأمنية وكفاءة منتسبيها.      ومع تواتر ردود الفعل الداخلية حول هذا الحدث، استنكر الكثيرون على بعض أعضاء ذلك ‎التنظيم الذين كانوا يعيشون معززين مكرمين في الدولة، ونعموا بأمانها وخيرها، وهذا يذكّرنا بالتنظيم السري للإخوان المسلمين الذي تم تفكيكه ومحاكمة من ثبتت عليهم الإدانة، حيث اجتمع كلاهما على جحد النعمة ومقابلة الإحسان بالإساءة.      والحقيقة أن هذه هي خلاصة الآيديولوجيا الدينية المنغلقة والمتطرفة؛ عقيدةٌ إرهابيةٌ لا يهمها أمان ولا رفاه ولا استقرار، يستوي في هذا السني والشيعي وغيرهما من المذاهب والملل والأديان.      ولعلي أذكر في هذا السياق حركة (جيش الرب للمقاومة) المسيحية المتطرفة الإرهابية في أوغندا، والتي سعت لإقامة حكم ديني يعتمد على الوصايا العشر، ومنظمة (كو كلوكس كلان) المسيحية العنصرية، التي كانت تؤمن بالتفوق الأبيض ومعاداة الكاثوليكية والسامية، ومنظمة (كاخ) اليهودية المتطرفة، التي كانت تطمح لإقامة دولة دينية تطبق فيها أحكام الشريعة اليهودية بشكلٍ كامل، ومنظمة (ليهافا) اليهودية، التي يعتبرها البعض امتدادًا لمنظمة (كاخ)، وتبنّت أفكارًا عنصرية متطرفة ضد العرب والمسيحيين، وصولًا إلى (الهندوتفا)…

هل كل اعتذار .. اعتذار؟!

الأحد ١٩ أبريل ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:  الإنسان كائنٌ اجتماعي بطبعه، لذا فإن وجوده داخل دوائر علاقات متنوعة يستدعي الكثير من التفاعل والتأثر والتأثير. ولأن طبيعة العلاقات تقتضي - في أحيان كثيرة - أشكالًا من الخلاف والصدام أو الخذلان بشكلٍ أو بآخر، مما يستدعي البحث في سُبُل علاجها، فإننا نصل حينها إلى محطة (الاعتذار).   ما هو الاعتذار؟  هو تعبيرٌ طوعيٌّ عن الندم، يرافقه شعورٌ صادقٌ وإقرارٌ صريحٌ بالأسف وتحملِ المسؤولية، مع احترامِ مشاعرِ الطرف الآخر، وعزمٍ جادٍ على عدم تكرار الخطأ. بعبارة أخرى: الاعتذار فعل أخلاقي يتطلب ضميرًا يقظًا يعي ما له وما عليه. يعتقد البعض أن الاعتذارَ موقفٌ آنيٌّ ينتهي بنطق كلمة (آسف)! ظنًا أنها تكفي لإنهاء المشكلة وإرضاء الطرف الآخر، في حين أن هناك عدة اعتبارات يجب مراعاتها:   أوّلها: طبيعة الخطأ؛ هناك صغائرٌ وزلاتٍ بسيطةٍ لا تستدعي الكثير من العتب ولا تستوجب تعنّت رد الفعل، وهناك جرائرُ لا يمكن حيالها إلا الوقوف موقفًا صارمًا. ثانيها: التكرار؛ فقد يقع خطأٌ عابر لمرةٍ واحدة، فيُطوَى بلفتِ نظرٍ أو جلسةِ مصارَحة، وقد يتكرر ذات الخطأ مرارًا، فلا تخجله نظرات العتب ولا تردعه جلسات العتاب والمكاشفة! فيغدو استمراءًا ومنهجًا. ثالثها: قدرتنا على التمييز بين الخطأ الذي يغلب على ظننا أنه غير مقصود، والخطأ الذي لا يمكن إلا أن يكون مقصودًا. رابعها: رصيد الطرف…

يدٌ تبني ويدٌ تحمي.. هكذا انتصرنا

السبت ١١ أبريل ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      هي حربٌ لم نخترها ولم نطلبها، لكننا انتصرنا فيها منذ اليوم الأول.  يتساءلون: كيف انتصرتم؟!   انتصرنا عندما استعصينا على الانكسار، فلم نهتز، ولم نرتبك، ولم نتراجع. والأهم، أننا لم نفقد ثقتنا ولم يتزعزع يقيننا. انتصرنا عندما تلاحمت القيادة مع الشعب - مواطنين ومقيمين - في كيانٍ واحدٍ كعهده في السراء والضراء.      انتصرنا عندما استمرت وتيرة حياتنا بهدوئها وانسيابيّتها المطمئنة المعتادة، فلم تنل الأحداث من سكينتنا، ولم ننزلق للفوضى والتخبط، في نصرٍ حضاريٍّ لا يتحقق إلا بثبات الإنسان وعمق الاستقرار.      انتصرنا عندما مضت مؤسساتنا تعمل بذات الكفاءة، وبرامجنا ومشاريعنا تُنفَّذ بذات التخطيط، واقتصادنا يصعد بذات الثقة، ومكانتنا في مراكز الصدارة تتقدم بذات الثبات الذي يعزز ثقة العالم في نهجنا ونموذجنا الريادي. وفي حين كانت قواتنا الدفاعية تذود عن سمائنا، كانت سواعد آبائنا وإخوتنا وأبنائنا تمضي في بناء وتنمية أرضنا، تحقيقًا لشمولية الهدف الإماراتي الأصيل الذي لازم مسيرتنا منذ نشأتنا الأولى.      انتصرنا عندما فشل العدو الإيراني في حرف بوصلتنا، وعجز عن صرفنا عن خططنا الاستراتيجية ورؤانا الوطنية. انتصرنا عندما لم تُثْنِنا كل هذه الاعتداءات السافرة عن العمل والإنجاز، فأثبتنا أن هدوء التقدم والارتقاء أعلى صوتًا وأعمق أثرًا من ضجيج الصواريخ والمسيرات.      انتصرنا عندما رسّخت قيادتنا حكمتها ورصانتها…

لحظة الإمارات: بين استحقاق الريادة وسيكولوجية الهدم

الخميس ٠٢ أبريل ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:       بحسب علم النفس فإن الشخص الذي يشعر بعدم الكفاية أو الدونية يلجأ أحيانًا إلى التعويض المتطرّف، فبدلًا من العمل على تطوير ذاته، يحاول موازنة الكفة عن طريق هدم الآخر. في نظره، كلما تضاءل شأن المحيطين به، خُيِّل إليه أنه أكثر رفعة، متوهمًا أن النيل من المتقدمين عليه سيواري سوأة تراجعه!      هذه هي خلاصة لقاء بودكاست (الحل إيه) الذي أجرته الدكتورة رباب المهدي مع الدكتور عبدالخالق عبدالله، أستاذ العلوم السياسية، وهو اللقاء الذي عُرِض منذ بضعة أيام محققًا أصداءً واسعةً ونسبةً عاليةً من المشاهدة، في ظل وضعٍ حساس تمر به منطقتنا الخليجية، رغم أنه سُجِّل قبل الحرب وبدء العدوان الإيراني على دولنا. حوار أم محاكَمة؟!      دخلت الدكتورة رباب المقابلة محمَّلَةً بكل الاتهامات (المعلّبة) التي ألِفنا توجيهها لبلادنا، في جلسةٍ بدت كمحاكَمة مُسبَقَة الحكم بالإدانة! فمن مصر للسعودية مرورًا باليمن والسودان، وصولًا لعلاقة الإمارات بإسرائيل والتي وصفتها الدكتورة بـ (حصان طروادة)، اقتباسًا من مقال أحمد التويجري - صاحب الفكر الإخواني - في تناقضٍ عجيب مع السؤال الافتتاحي: "هل تسعى الإمارات لقيادة المنطقة؟!"، فكيف يقبل الساعي للقيادة أن يكون أداةً وظيفيةً - حسب ادعائها - في يد غيره؟!      ولم يتوقف الأمر عند سؤال المقدمة، إذ حفلت الحلقة بأسئلة استنكارية أُريدَ بها تثبيت…

عيدٌ في زمن الحرب

الثلاثاء ٢٤ مارس ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:       عاد ابني بُعَيد السابعة صباحًا، عقِب أداء صلاة العيد في المسجد المجاور لبيتنا، دون أن يعلم أن سماءنا كانت تتعرض لهجوم إيراني غاشم، بدأ في الثامن والعشرين من فبراير، ولم توقفه حتى تكبيرات العيد!      كنت في وقتٍ سابقٍ منشغلةً مع ابنتَيّ في غمرة الاستعدادات المعتادة للعيد؛ حيث وقع اختيارهما على دبي هيلز لشراء مستلزمات العيد، مول مريح في عملية التسوّق، وإن بدا أكثر صخبًا وازدحامًا بعض الشيء مقارنةً بالعام الماضي! أما أنا فلا غنى لي عن (المخوّرة) التي كنت قد استلمتها وأخواتها من الخياط قبلها بعدة أيام.      أما قبل العيد بيومين، فقد بدأت طقوس الصالونات التي أتحاشى زحامها بالحجز المبكر جدًا منذ اليوم الأول في رمضان، أما يوم الحناء، فمنذ بضع سنوات قررتُ أن ألوذ ببيتي، طلبًا للخصوصية والهدوء، مستعينةً بالخدمة المنزلية التي تعتقني من اكتظاظ صالونات الحناء في ليلة العيد المشهودة.      استهللنا صباح العيد الباكر برسالة أخوية دافئة من قائدنا سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، يهنئنا فيها بالعيد، ويشد على ترابطنا وتلاحمنا، ويدعو لنا ولبلادنا. هي لفتةٌ من فيض لفتاتٍ عميقةٍ اعتدناها من بوخالد، الحريص دومًا على أن يكون نبضًا حاضرًا معنا في تفاصيل حياتنا ومختلَف محطاتنا.      جهزنا مائدة فطورنا التي تصدرتها (البلاليط)…

الإمارات .. حيث يغدو الثباتُ عنوانًا، والأمانُ عقيدةً

الجمعة ١٣ مارس ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      حتى في زمن الحرب، لم نفقد أماننا وسلامنا واطمئناننا! بعضنا يتابع الأحداث عبر المنصات الإخبارية، وبعضنا يعيشها بالفعل، وعلى اختلاف الحالَين فإن الثبات والطمأنينة هما عنوانُ المشهد.      تتوالى رسائل الطمأنينة طوال الوقت، فالوضع الصحيُّ مستقر، والمخزون الدوائيُّ الاستراتيجيُّ آمِن، وفي أقصى درجات الجاهزية، ويغطي احتياجات الدولة باعتباره أحد أهم الأولويات الوطنية.      أما الوضع الاقتصاديُّ فلم يهتز، والسلع الأساسية والمنتجات الاستهلاكية متوفرة، والمخزون الاستراتيجيُّ كافٍ، ومنافذ البيع لا تعاني أيَّ شحّ، وحركة البيع والشراء تمضي بسلاسةٍ آمنةٍ خاليةٍ تمامًا من فزعِ التهويل وريبةِ التوجّس، ناهيك عن مراقبة الأسعار وحمايتها من استغلال الوضع الراهن.      وعلى الصعيد التعليميِّ، فإن تفعيل نظام الدراسة عن بُعد - الذي اختبرناه لأول مرة خلال أزمة كورونا 2020 - تم بكل انسيابيةٍ ليكون بديلًا احترازيًّا فاعلًا يضمن استدامة التعلُّم في الظروف الاستثنائية والجسيمة.      أما من الناحية المجتمعية فالجميع يعيش في سلامٍ بيّن، ومع بعض الاحترازات الضرورية لمراعاة الوضع الراهن، إلا أن النشاط الحياتي يسير بوتيرته المعتادة، مع حرص الجهات المختصة على إرسال رسائل متواصلة تعزز حالة الأمان والسلام النفسي التي يستشعرها الجميع بالفعل.      وإذا انتقلنا إلى المشهد الأمنيِّ رأيناه ثابتًا منذ اللحظة الأولى، محافظًا على عهده بضمان الحماية القصوى لهذه الأرض وأهلها،…

درع اليقين

الثلاثاء ٠٣ مارس ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      بضع ضرباتٍ متلاحقة، رافقها اهتزاز بسيط في زجاج النافذة. صوتٌ سمعته ابنتي لأول مرة في حياتها، فأربكها! قلت لها بهدوء: ابتعدي عن النافذة واطمئني.      ولا أشك أن هذا كان لسان حال كل مواطن ومقيم هنا، فلئن كانت الحرب وضعًا طارئًا لم نختبره من قبل، فإن ما ألِفْناه جيدًا ونعلمه يقينًا أن قيادتنا ومؤسساتنا الرسمية لا تألو جهدًا في سبيل رعاية مواطني الدولة والمقيمين فيها وحمايتهم. قوةٌ وثباتٌ وشفافية:      تعرضت بلادنا لهجماتٍ شرسةٍ متتالية، هي الأكبر ضمن الهجوم الإيراني العام على دول الخليج والمنطقة، فلم تهتز، ولم ترتبك، بل واجهت بقوة، وردت على الاعتداءات بثبات، وأعلنت عن إحصائيات الوقائع بكل شفافية.      حتى كتابة هذه السطور وصل عدد هجمات المسيّرات والصواريخ الباليستية والصواريخ الجوالة إلى 1006 هجمةٍ، تمكّنت دفاعاتنا الجوية من اعتراض وصدّ وتدمير 935 منها، مع إصابات بسيطة ناجمة عن اعتراض الصواريخ التي فشلت في إصابة أهدافها، كيف لا ونحن نمتلك نظام ردعٍ إماراتي عالي الكفاءة! وسماؤنا محميّة بعدة طبقات دفاعية قوية!      ومع ذلك، لم تتوقف الحياة، ورغم بعض الإصابات البسيطة، فقد مضت وتيرة عمل الدولة بانتظامها المعهود في كافة القطاعات، مع إجراءاتٍ احترازيةٍ ضمانًا لسلامة الجميع. مكانةٌ عالميةٌ راسخة:      على الصعيد الخارجي تجلّت مواقف…

تضحياتٌ خارج الحسابات

السبت ٢٨ فبراير ٢٠٢٦

 خاص لـ هت بوست:      شاهدت مقطعًا مرئيًّا قصيرًا لأحد المحامين يقترح فيه منح الزوجة جزءًا من أموال زوجها أو ممتلكاته بعد سنوات من الزواج، تُقدر بنسبةٍ تتناسب مع فترة الزواج، وذلك نظير التضحيات المعتبَرَة التي قد تكون قدمتها، كالتنازل عن الدراسة أو العمل، والسبب - كما يشرح - أنها في حال وقوع الطلاق وانقضاء عدتها وانتهاء حضانتها ستجد نفسها خالية الوفاض، تعاني إما مِن ضعفٍ ماديٍّ أو عَوَز.      وقد ذكّرني هذا بكلمة فضيلة شيخ الأزهر الشريف في البيان الختامي لمؤتمر (تجديد الفكر الإسلامي) الذي عُقد في مصر 2020 بمشاركةٍ فاعلة لبلادنا، حيث أكّد على حق الزوجة في أن يكون لها نصيبٌ مقدَّر من مال زوجها إذا أسهمت في تنميته، وهو ما يُعدُّ إحياءً لمفهوم الكدّ والسعاية الذي أقرّه بعض الفقهاء من باب الاجتهاد الذي يروم إنصاف المرأة ويراعي مستجدات الواقع.      وفي تقديري، فإن الجمع بين الرأيين هو عين الصواب ومقتضى العدل، فإذا كانت المساهمة المادية المباشرة تمنح الزوجة حقًا مشروعًا في هذا السياق، فإن تنازلها عن دراستها أو مسارها الوظيفي - اللذين يمثلان رأس مالها البشري – يُعَدُّ شكلًا من أشكال الدعم غير المباشر الذي يهيئ للزوج بيئةً مستقرةً ومحفزةً على النماء والترقّي، وبناءً عليه، يصبح تنازلها عن طموحها ومنفعتها الشخصية ركيزةً أساسيةً في…

الأخلاق .. الرُّكن المنسي!

السبت ٢١ فبراير ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست: قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: "إنَّ المُفلس مِن أمّتي مَن يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاة، ويأتي وقد شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأكلَ مال هذا، وسَفَكَ دم هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعطى هذا مِن حسناته، وهذا مِن حسناته، فإن فَنِيَت حسناتُه قَبْل أن يُقْضَى ما عليه، أَخَذَ مِن خطاياهم فَطُرِحتْ عليه، ثم طُرِحَ في النار." وقد أُثِرَ عن عمر بن الخطاب قوله: "لا تنظروا إلى صلاة امرئٍ ولا صيامه، ولكن انظروا إلى صِدْقِ حديثه إذا حدَّث، وإلى وَرَعِه إذا أَشفى، وإلى أمانته إذا ائتُمِن." وقال بعضهم: "أدركنا السلفَ وهم لا يرون العبادة في الصوم ولا في الصلاة، ولكن في الكفِّ عن أعراض الناس." وقبل هذا كله، كان "الخُلُق العظیم" أسمى ثناءٍ من الله على رسوله الكريم. والقرآن يقدم لنا ركائز في غير موضعٍ لضبط البوصلة الأخلاقية، حيث يزخر بذمّ الأذى والسلوكيات التي تعتدي على الناس قولًا أو عملًا، وبيان مآلاتها الوخيمة يوم الحساب، حيث ذمّ الفظاظة، والغِلظة، والكِبْر، والغَيبة، والنميمة، والتجسس، والسخرية، والهمز، واللمز، والفسوق وقذف المحصنات، بل إنه حثّ على ألا تحملنا العداوة على ظلم من نعاديهم! توجيهاتٌ واضحةٌ، وتحذيرٌ بيّن، بأن العبادات لا تكفي وحدها إن لم ترافقها الأخلاق. ورغم ذلك، فإننا نرى العجب على مواقع التواصل الاجتماعي؛ آياتٌ قرآنيةٌ ورواياتٌ نبويةٌ يُستَعرَض…

صورةٌ جميلةٌ أم جوهرٌ متماسك؟!

الأحد ١٥ فبراير ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:       الزواج حلال، والطلاق حلال. مفهومان بسيطان في أصلهما لا يحتاجان كثيرَ شرحٍ أو تأويل، وقد نظمهما القرآن الكريم بنسقٍ إنساني واقعي ورصين، لا يبخس طرفًا حقه، ولم يجعل من أحدهما ميزةً تعلي شأن صاحبها، ولا الآخر منقصةً تَصِم من وجد فيه حلًّا أو ملاذًا، بل كلاهما وضعان اجتماعيان طبيعيان. عندما تدخلت الأعراف المجتمعية بأحكامها أصبح الزواج مرغوبًا في العرف العام باعتباره هو الحلال، وأصبح الطلاق/الخلع هو المُبغَض، استنادًا إلى رواية ضعيفة، حتى اقترب في ذهن البعض من حافة الحرام، وللأسف لم تكن هذه الثنائية بعيدة عن ثنائية (الرجل والمرأة)؛ فأصبح زواج الرجل حلالًا مهما تزوج أو عدّد، وطلب الزوجة الطلاق/الخلع مذمومًا، حتى يكاد يكون محرَّمًا لدى البعض، مهما كانت وجاهة مبرراتها، والعكس إن انقلبت الأدوار؛ فلا أحد عادةً يحاكم الرجل المطلِّق، لكنهم ينظرون - غالبًا - للمرأة الراغبة في الزواج نظرةً خالية من الأريحية تصل أحيانًا للمحاكمة! ‏        على مدى فترةٍ زمنيةٍ طويلة، جرى الاستخفاف الشديد بدوافع المرأة للطلاق، استخفافٌ مجتمعي وجد في الفكر الفقهي القديم ما يتكئ عليه؛ عندما أعلى من شأن الروايات التي تنتقص من عقل المرأة، وتذم طالبة الطلاق أو الخلع، فاتهمتها بالنفاق وحرمتها الجنة! كان هذا - في رأيي - حجر الأساس في تشكيل هذه النظرة للمرأة عمومًا، ولمن تطلب…