خاص لـ هات بوست:
الإنسان كائنٌ اجتماعي بطبعه، لذا فإن وجوده داخل دوائر علاقات متنوعة يستدعي الكثير من التفاعل والتأثر والتأثير. ولأن طبيعة العلاقات تقتضي – في أحيان كثيرة – أشكالًا من الخلاف والصدام أو الخذلان بشكلٍ أو بآخر، مما يستدعي البحث في سُبُل علاجها، فإننا نصل حينها إلى محطة (الاعتذار).
ما هو الاعتذار؟
هو تعبيرٌ طوعيٌّ عن الندم، يرافقه شعورٌ صادقٌ وإقرارٌ صريحٌ بالأسف وتحملِ المسؤولية، مع احترامِ مشاعرِ الطرف الآخر، وعزمٍ جادٍ على عدم تكرار الخطأ.
بعبارة أخرى: الاعتذار فعل أخلاقي يتطلب ضميرًا يقظًا يعي ما له وما عليه.
يعتقد البعض أن الاعتذارَ موقفٌ آنيٌّ ينتهي بنطق كلمة (آسف)! ظنًا أنها تكفي لإنهاء المشكلة وإرضاء الطرف الآخر، في حين أن هناك عدة اعتبارات يجب مراعاتها:
أوّلها: طبيعة الخطأ؛ هناك صغائرٌ وزلاتٍ بسيطةٍ لا تستدعي الكثير من العتب ولا تستوجب تعنّت رد الفعل، وهناك جرائرُ لا يمكن حيالها إلا الوقوف موقفًا صارمًا.
ثانيها: التكرار؛ فقد يقع خطأٌ عابر لمرةٍ واحدة، فيُطوَى بلفتِ نظرٍ أو جلسةِ مصارَحة، وقد يتكرر ذات الخطأ مرارًا، فلا تخجله نظرات العتب ولا تردعه جلسات العتاب والمكاشفة! فيغدو استمراءًا ومنهجًا.
ثالثها: قدرتنا على التمييز بين الخطأ الذي يغلب على ظننا أنه غير مقصود، والخطأ الذي لا يمكن إلا أن يكون مقصودًا.
رابعها: رصيد الطرف الآخر، ولا أعني بالرصيد هنا مشاعرك نحوه أو مكانته وقيمته عندك، بل مدى جهده في سبيلك ومواقفه الطيبة معك والسمة الغالبة على علاقتكما.
الاعتذار المحمود:
أما أهم اعتبارٍ يجب الانتباه إليه، فهو جدية الاعتذار، والجدية لا تُقاس بلفظ (آسف) ما لم تكن مقترنة بالضرورة مع تفهّمٍ حقيقي لمشاعر الطرف الآخر، وندمٍ صادقٍ، وإصلاحٍ ملموس، وتعويضٍ حقيقي، وأبسط أشكال هذا التعويض هو عدم تكرار الخطأ. وللدكتور عماد رشاد عثمان كلامٌ طيب في هذا السياق، حيث أحيا مفهوم (الضمان) – بجانب الندم والإصلاح – بعد أن غاب عن الذهن الجمعي، وجعله شرطًا أساسيًا للاعتذار الصادق. إن آلية الاعتذار بهذه الطريقة لا تلين القلب فحسب، بل هي حجرُ أساسٍ داعمٍ للصحة النفسية، وإثباتٌ للاستحقاق الإيجابي أمام ما نفقده أو ممن نتأذى منه.
إلا أننا نرى أحيانًا اعتذارات يشوبها الكثير من الاستخفاف، وربما الاستعلاء، الذي ينتج أحيانًا عن عدم فهم الندم وأدب الاعتذار كقيمة أخلاقية، وأحيانًا بسبب اضطرابات شخصية تفتقر للقابلية لتطبيق السلوك السوي. ولو فهمنا أن الاعتذار هو شكلٌ من أشكال (رد المظالم) لأدركنا أن الأسف البارد، أو الذي يأتي متأخرًا، أو الفارغ مِن أساسياته، لا يحمل قيمةً حقيقيةً ولا نيةً صادقة.
إن الندم ليس مجرد ألم عاطفي ووخزة ضميرٍ عابرة، بل هو فعلٌ أخلاقيٌّ لا ينفصل عن كونه محفزًا يدفع الإنسان لاتخاذ قرارات ناضجة ترمم علاقاته، لذا فإن ما بعد الاعتذار أهم بكثير من لحظة الاعتذار نفسها، حتى وإن كانت لحظةً متخمةً بالعاطفة والدموع.
الشعور الزائف بالاستحقاق:
إن إفراغ الاعتذار من مضمونه، على سوئه، ليس أسوأ من الشعور باستحقاق العفو، ذلك الاعتقاد الخاطئ أن الأسف اللفظي كفيلٌ بجبر الكسر وتعويض الألم وإنهاء المشكلة! والأدهى هو الظن بأن الاعتذار هو (كرم أخلاقٍ يجب أن يُقبَل) بغض النظر عن الاعتبارات التي جاءت في بداية هذه السطور! وفي رأيي فإن هذا السلوك يشي بدلالةٍ نفسيةٍ أخرى في سياق الاضطرابات الشخصية!
العفو ليس حقًا مكفولًا، وليس لأحدٍ أن يعرضك لضغوط عاطفية وأخلاقية ودينية لإجبارِك على عفوٍ لا تطيقه، أو إيهامِك أن العافي أرحمُ قلبًا وأرفعُ منزلةً، فالعفو موقفٌ إنسانيٌّ وقرارٌ شخصيٌّ خالصٌ يخضع لاعتبارات صاحبه فقط.
نعم هو أقرب للتقوى، ولكن العفو قد يتسبب أحيانًا في مفسدةٍ أكبر؛ مفسدةٌ لمن عفوتَ عنه حين يستصغر ذنبه، ومفسدةٌ لغيره حين يغريه عفوك فيجترئ على فِعل ما فَعله الأول وربما أكثر. فلا تسمح لأحد أن يُشعرك بتأنيب الضمير لأنك لم تعفُ، ولا تصدق من يحاول إقناعك بأن عدم مقدرتك على الغفران يقدح في أخلاقك، فالسلامُ النفسيُّ يبدأ بصدقِكَ مع ذاتك، لا برضوخك لابتزازات الآخرين.
العفو والغفران من فضائل الأخلاق بلا شك، ولكنهما مرهونان بمدى عمق جرحك، ومدى قدرتك على التجاوز، ومدى استحقاق الآخر لهما، فإن لم تستطع فلا جناح عليك.
وآخر القول:
أما أن يؤنبك ضميرك لأنك (لا تستطيع) أن تعفو وتغفر، فهذا مِن (ظلم النفس)!
