الكتابة أولًا أم القراءة؟

آراء

خاص لـ هات بوست: 

     كثيرًا ما كنت أفكر في هذا الأمر، الذي قد يجيب عنه أي شخص يقرأ الآن، وبشكل بديهي، بأن القراءة جاءت أولًا، مستندًا في إجابته إلى أن كلمة «اقرأ» هي أول كلمة نزلت من القرآن الكريم.

     فعندما كان رسول الله ﷺ يتعبّد في غار حراء، نزل عليه جبريل عليه السلام، فقال له: «اقرأ»، فأجابه النبي ﷺ: «ما أنا بقارئ». فأخذه جبريل فضمّه إليه، ثم أرسله وقال له مرة أخرى: «اقرأ»، فأجابه بالرد نفسه. وتكرر ذلك ثلاث مرات، حتى قال له جبريل عليه السلام:

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ۝ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ۝ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ۝ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ۝ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1–5].

     والتفسير المشهور لقول النبي ﷺ: «ما أنا بقارئ» هو أنه لم يكن يعرف القراءة.

     لكن بعض شُرّاح الحديث ذكروا وجهًا آخر، وهو أن العبارة قد تُفهم بمعنى: «ماذا أقرأ؟» أو «أي شيء أقرأ؟».

     وأنا شخصيًا أميل إلى التأمل في هذا التفسير الثاني؛ لأن جبريل عليه السلام لم ينزل على النبي ﷺ حاملًا كتابًا أو نصًا مكتوبًا بالحروف ليقرأه منه، وإنما جاءه بالأمر: «اقرأ»، ثم تلا عليه الآيات.

     وهنا بدأت أبحث عن المعنى اللغوي لكلمة «اقرأ»، وعن أصل فعلها الثلاثي «قرأ»، فوجدت أن من معاني هذا الجذر عند علماء اللغة، ومنهم ابن فارس، الجمع والاجتماع، ومن ذلك جمع الحروف والكلمات بعضها إلى بعض.

     حسنًا، لماذا وجدت أنه من المهم أن ندرك حقيقة معنى كلمة «اقرأ»؟

     لأنني، رغم إدراكي لأهمية القراءة، كنت أحمل في داخلي تحفّظًا تجاه اختزال معناها في قراءة الحروف والكلمات والكتب فحسب.

     فلا يُبهرني مجرد كثرة ما يقرأه الإنسان من الكتب؛ فليس كل من قرأ فهم، وليس كل ما كُتب وسُطّر صحيحًا أو يستحق القراءة.

     كما أن القراءة لا تشترط أن تُكمل كتابًا بأكمله حتى تدرك غايتك منه؛ فأحيانًا يكون فصل واحد، أو حتى سطر واحد، هو كل ما تحتاج إليه، وهو ما يبقى عالقًا في ذهنك.

     وفي رأيي، القراءة مهارة متكاملة، تجمع بين القدرة على التلقّي، والإصغاء، والفهم، والربط، والإدراك، والحفظ.

     فالمعرفة هي معلومة قد تقرأها أو ” تُقرأ ” عليك

     وتتلاقها من خلال محاضرة ما، بودكاست ما، مقطع ما..

     كما أن القراءة ادراك ذهني وشعوري فليش الجميع قادر على أن يقرأ النظرة، نبرة صوت، أو قراءة حركة الجسد، إشارة عابرة،و سلسلة من المواقف والأحداث.

     وغير ذلك الكثير.

     ثم أخيراً يأتي مفهوم القراءة الواضح كقراءة الرموز والأرقام والحروف والكلمات، بوصفها أحد أشكال القراءة، لا صورتها الوحيدة.

     لكنني أعود إلى سؤالي الأول:

     لماذا؟ وأيهما جاء أولًا: القراءة أم الكتابة؟

     وإذا تناولنا هذا السؤال من منظور ديني، فقد يكون علينا أن نعود إلى نقطة البداية، وأن نطرح سؤالًا أسبق:

     ما أول شيء خلقه الله؟

    قال النبي ﷺ:

     «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: ربِّ، وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة».

     رواه أبو داود والترمذي، بألفاظ متقاربة.

يتبع…