أبوظبي تبعث برسالة سلام إلى العالم

أخبار

تبدأ في العاصمة أبوظبي اليوم فعاليات المنتدى العالمي «تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة»، والتي تستمر على مدار يومين، بمشاركة نحو 250 عالماً ومفكراً إسلامياً من مختلف أنحاء العالم، برعاية سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية.

ويناقش العلماء القضايا الإنسانية الحارقة التي تسببت بها الصراعات الفكرية والطائفية في المجتمعات المسلمة. وتتسم أوضاع الأمة الإسلامية في السياق الزمني الراهن بجملة سمات تطرح عليها عدداً من التحديات الكبيرة والناجزة، التي يقتضي رفعها تكاثفاً منهجياً واستراتيجياً لجهود العقلاء أولي الأيدي والأبصار من أهلها.

ويمثل المنتدى أول اجتماع من نوعه لمفكرين وعلماء مسلمين على المستوى العالمي يهدف إلى تشكيل جبهة موحدة لمواجهة الأيديولوجيات المتطرفة التي تخالف القيم الإنسانية ومبادئ الإسلام السمحة وللتصدي لشرور الطائفية والعنف التي تعصف بالعالم الإسلامي منذ عقود.

ويلقي سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية الكلمة الافتتاحية في المنتدى، ثم كلمة للأزهر يلقيها فضيلة الإمام الأكبر الشيخ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، يليها الكلمة التأطيرية لفضيلة الشيخ عبدالله بن بيه رئيس المؤتمر.
ويأتي المنتدى الذي تنظم جلساته بفندق سانت ريجيس بجزيرة السعديات كمبادرة أطلقها فضيلة الشيخ عبدالله بن بيه الذي يرأس لجنته العلمية، ويعد أحد أبرز العلماء المعاصرين، ويحظى بمكانة وتأثير كبيرين بين العلماء والمفكرين من أنحاء العالم كافة.

وخلال يومي المنتدى يناقش المتحدثون حلولا للموضوعات التي تواجه المسلمين في مختلف أنحاء العالم مثل البدع، وسوء الفهم الذي سبب التشويش لجمهور المسلمين، وأحدث الانقسامات في المجتمعات الإسلامية والتي تهددها كيانها.

وقال ابن بيه: “إن الأسلوب الوحيد لمواجهة القوى التي تمزق العالم الإسلامي يتمثل في معرفة جذور التضليل وسوء الفهم والبدع التي تغذي الأيديولوجيات المتطرفة والأحقاد الطائفية والعنف القاتل والمدمر”. ووصف المنتدى العالمي بأنه مبادرة هامة تهدف إلى دحض الأيديولوجيات المتطرفة بشكل كامل مع تقديم الفهم الحقيقي للإسلام كدين الحكمة والرحمة والتسامح والصبر، كما يبين ذلك القرآن الكريم وأحاديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم”.

وأشار ابن بيه إلى أن هناك 4 انحرافات غذت التطرف وسيتم تناولها في المنتدى، وقال فضيلته إن “الانحراف الأول حول مفهوم الجهاد الذي استخدمه المتطرفون الذين يحملون أجندات سياسية لتحريض عامة المسلمين على الكراهية والعنف والانتحار والإرهاب، والانحراف الثاني يتمثل في بدعة التكفير التي تسمح لمسلم بأن يصف مسلماً آخر بأنه كافر ويبرر قتله على أسس واهية.

أما الانحراف الثالث فقال إنه التفسير الخاطئ لمعنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كرخصة للتدخل وفرض سلوك شخصي إلى درجة تنفيذ العقاب البدني العنيف وغير الإنساني، فيما يتمثل الانحراف الرابع في الفتاوى من غير المؤهلين لإصدار الفتاوى من الأفراد والجماعات الذين يجهلون الشروط والتخصصات ويفتقرون للمؤهلات اللازمة التي تتطلبها الشريعة الإسلامية لإصدار الآراء الدينية الموثوقة. وقال إنه بإلقاء الضوء على هذه الانحرافات ودحضها من خلال الحكمة المستنيرة والآراء الصحيحة المعتمدة على الشريعة الإسلامية تسعى كوكبة من العلماء والمفكرين إلى تشكيل أساس لإصلاح المجتمع حسب المبادئ الإنسانية التي تشكل جوهر إيماننا وممارساتنا”.

ومن الموضوعات التي يناقشها المنتدى التحدي المتمثل في استيعاب الخلاف في المجتمعات الإسلامية التعددية التي تضم مجموعات مختلفة ضمن محور “تدبير الاختلاف وثقافة الحوار”.

ويجمع المنتدى العالمي “تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة” كبار العلماء والمفكرين في العالم في جبهة موحدة لمواجهة الأيديولوجيات المتطرفة التي تخالف القيم الإنسانية ومبادئ الإسلام السمحة.

ويهدف المنتدى من خلال الدراسات الإسلامية السليمة والمبنية على مبادئ صحيحة ومتعارف عليها إلى إيضاح حقائق هامة بأن الأيديولوجيات المتطرفة أشعلت الصراع الطائفي، وتسببت في تصاعد الإرهاب والتحريض المتزايد على العنف، كما تسببت في استقطاب العالم الإسلامي، وزعزعت الاستقرار فيه، وشوهت صورة الإسلام. ويمثل المنتدى محاولة أولى على المستوى العالمي لرسم خارطة طريق نحو الأمام للمجتمعات الإسلامية للعيش بسلام وتناغم، وحسب المبادئ الإسلامية الجوهرية التي تتناغم مع المفاهيم العالمية بدون شكوك أو مسائل تدعو للجدل.

كما يهدف المنتدى إلى جسر الهوة في الفهم بين المجتمع المسلم والمجتمع الدولي، من خلال عرض العقيدة الإسلامية بشكل واضح، ولا لبس فيه، وعبر تعليقات تستند لمرجعية دينية حقة تدحض تبريرات الأفكار والأفعال المتطرفة.

إبراهيم مشروح عضو اللجنة العلمية لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة لـ « الاتحاد » :

الإمارات تعمل لجمع الأمة ومساعٍ إلى إيجاد «مجلس للحكماء»

لكبيرة التونسي (أبوظبي) ــ أكد الأستاذ الدكتور إبراهيم مشروح أستاذ علم الفلسفة والمنطق بدار الحديث الحسنية بالمغرب والمدير المساعد بها، عضو اللجنة العلمية لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة الذي تستضيفه أبوظبي اليوم وغداً، أن فكرة المنتدى دعت إليها الحاجة لجمع الغيورين على الأمة الإسلامية ليسودها السلام والوئام، مؤكداً أن الأصل في الجماعة أن تكون متآزرة لا أن تكون متنازعة، موضحاً أن الاستجابة لهذه الحاجة جاءت من منطلق «لقد تفرقنا شيعاً يذيق بعضنا بأس بعض وأراد بهم الأهواء المتفرقة، فيصبحون فرقا مختلفة، وأصبحنا نكابد الفرقة بما يقوم دليلا على إيجاد من بين هذه الأمة أفراد يخلقون مرجعية مستقلة عن التنازع والتطرف».

وأشار مشروح إلى أن التطرف منه المحمود ومنه «المذموم» أما الطرفية المحمودة هي المتعارف على الحق والمؤمنة به والطرفية المذمومة هي التي تتخندق وتتخذ مواقع عدائية، بينما المتعارفة تأخذ موقعا وسطا منفتحة وشهودية كونية تشهد بالحق وتنير للآخرين السبل وتهدف إلى الأقوم.

وأشاد العلامة مشروح بدور الإمارات في جمع لحمة الأمة الإسلامية، مؤكداً على دورها ومساعيها الإنسانية في خلق جسور مبنية على الرحمة والحب وتؤسس لمفهوم الحوار، وأضاف: «هذا التجمع الكبير الذي يشارك فيه مئات العلماء والمفكرين من مختلف أنحاء العالم، إنما هو لإدراك أهمية الحوار كمبدأ أساسي لتعزيز السلم».

ولفت إلى أن فكرة المنتدى تقوم على قيمة الرشد والترشيد استنادا إلى قول أحد الأنبياء لقومه: «هل منكم من رجل رشيد»، مؤكداً أن التساؤل ينم على حكمة واضحة وهو الرشد في أهل القرار.

وأوضح أن المنتدى يهدف إلى رسم خاطة طريق للمجتمعات الإسلامية من أجل السلام الذي يعتبر اسما من أسماء الله عز وجل، وقال: «إن السلام إذا ما دخل البيت يؤمِّنك من نفسك، والمؤمن يجعلك في مأمن: والمسلم الحقيقي الذي تظهر عليه آثار الإسلام وشعائره وأماراته، هو الذي يكف أذى لسانه ويده عن المسلمين، فلا يصل إلى المسلمين منه إلا الخير والمعروف من آمن الناس شره «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».

وندد الدكتور مشروح بما يقع في العالم الإسلامي والأمة الإسلامية من فتن، عازياً ذلك في جانب منهم رغم تشعب المسببات إلى الخواء الروحي والأخلاقي، وفي سياق آخر شدد مشروح على ضرورة تدعيم الفكر والتعليم والتربية.

مجلس الحكماء

وكشف العلامة مشروح على أن المنتدى يستشرف إمكانية خلق مجلس للحكماء يقوم على صفة الرشاد والحياد، ويشكل قوة اقتراحية سلمية لتقديم رؤية تنويرية وسطية واعتدالية تشكل خلفية مشتركة بين قيادة البلدان المسلمة.

وأضاف: «انطلقت اللجنة العلمية للمنتدى من تصور شمولي متكامل يسعى إلى خلق مجلس من الحكماء الذين لهم صفة الرشاد والحياد والذين يقدرون على التأثير القيمي في مجتمعاتهم وبلدانهم ليتولى الحكام وأصحاب القرار بلورة الشروط الممكنة أو ما يمكن أن يمدهم به هؤلاء الحكماء من إضافات نعتبرها هي شرائط إمكان السلام في المجتمعات المسلمة، وعليه فإن اللجنة العلمية التي تنشد عدة مبادئ أولية منها مبدأ الكلمة السواء «تعالوا إلى كلمة سواء» التي دعا إليها الله ثم المبدأ الثاني هو مبدأ حِرمة المذاهب والمرجعيات الإسلامية رغم وجود الاختلاف بينها، بحيث إن من ينشد السلام لا يبحث عن أنوية» جمع «نواة» الصراع، بل يذيبها ويحلها ويبسطها في صورة انفتاحات مشرعة بين المذاهب كي لا تعيق السلام وحتى لا نتفرق كمسلمين فيذهب ريحنا، بينما يقوم المبدأ الثالث مبدأ التعارف الأمثل، بحيث يحصل بين الأطراف المشاركة تقاطب في الرؤية وأن يفكروا تفكيرا جماعيا فيه نوع من التكامل الذي يكون فيه صلح أبيض بين المرجعيات والخلفيات في سبيل تقديم السلام على أي مبدأ آخر، تكامل فيها العلماء من مجال الشرعيات ومن مجال العقليات، من مختصين في الفلسفة والمنطق ومختصين في الفقه وأصوله على رأسهم العلامة فضيلة الشيخ بن بيه الذي يركز على ألا ينبغي أن تؤثر المرجعية المذهبية للمساهمين والمشاركين في المنتدى على قرارتهم، بحيث اشترط لزوم الحياد والتجرد من هذه الخلفيات المذهبية، فأولى أن تتعارف الأمة فيما بينها حتى يتم تعارفها مع غيرها تعارفا أكمل وأمثل، فالسلام يبدأ من هذه المواضع الأصلية التي هي الوجود معا أو الوجود بالمعية من أجل عمارة الكون والإصلاح في الأرض، ولا يمكن أن تجمع هذه الأمور إلا بتغليب البعد الأخلاقي القيمي الذي يثوي وراء فكرة السلام”.

الفتوى تحول الكلام إلى رصاص

وحول الفوضى العارمة التي تكتسح المجتمعات العربية وتفسد ما بها من فتاوى تتبع الأهواء والمصالح الشخصية ولا نتبع من عميق الفكر والوجدان ولا تتصف بالمسؤولية ولا تقدر أبعادها وخطورتها على الأمة الإسلامية قاطبة، أشار المفكر مشروح إلى أن الفتاوى أصبحت تشكل خطورة على المجتمعات المسلمة.

وأكد أنها انحرفت عن مقاصدها ووظائفها في المجتمعات المسلمة، مضيفاً: «أصبح هناك تنازع في أنوية المرجعيات الإفتائية فتحولت في الغالب الفتوى في النظر إلى فتنة في الواقع، قبل أن يسترشد بها الناس من أجل خيرهم، وبناء على هذا المفهوم فإن الفتوى أصبحت فتنة».

ورأى الدكتور مشروح الذي نصح بضرورة الاحتراز في الفتاوى الاجتماعية التي وصفها بالخطيرة في بعض جوانبها لما لها من تأثير كبير على العقليات البسيطة مؤكداً أنها تحول الكلام إلى رصاص، بحيث تنقلب الفتوة إلى فتنة منقلبا حسيرا ومصيرا مكتئبا وفق قوله، مشددا على أن الأصل في الفتوى أنها تطمئن وتؤمِّن وتدل على سبيل الرشاد وأما التعارض والتضارب والتضاد، بل التناقض بين الفتاوى قد يفضي إلى التنابذ والعنف وخلق المحن والفتن.

ومن جهة أخرى، نبه الدكتور مشروح إلى مسعى آخر وصفه بالخطير ويتعلق الأمر بالتشظي وكثرة الفتاوى وتضاربها، إلى جانب تضخيم بعض الفتاوى دون أخرى أو خلق مرجعية إفتائية واحدة وحيدة ومطلقة على صورة ما يمكن اعتباره على حد قول عضو اللجنة العلمية الدكتور مشروح شبه «باباوية» الإسلام والمسلمين.

وقال: فبعض الجهات وحماية لمصالحها في العالم صنعت صورة بابا مسلم لا وجود له إلا في خيالهم.

وفي نفس السياق، أشار مشروح إلى أن التكوين الصحيح والتربية السليمة وتعميق الفكر سيعمل على التصدي للأفكار الخاطئة واعتبرها ركنا أساسيا من أركان الأمة الإسلامية، وقال إن ذلك تم التركيز عليه من طرف رئيس اللجنة العلمية للمنتدى فضيلة الشيخ عبدالله بن بيه الذي اعتبرها مسألة أساسية، بل جوهرية «أكد شيخنا بن بيه على مسألة مهمة للغاية تقضي بأننا لكي نفكك أنوية الصراع والنزاع ينبغي أن نعتمد رؤية تعليمية وتكوينية تهذب وتشذب المرجعية الدينية لأنها مكمن الخلفية التي تؤجج الصراع فالمنطلق يجب أن يكون من هذا الباب وهو تكوين تصور سلمي مطوي في المرجعية الدينية الإسلامية، وليس فيما يجريه بعض الدعاة من إفراط في بث أفكار متطرفة في تكوين أو إرشاد المستجدين في الدين أو المرتزقة الذين يخدمون جهات ذات أهداف تخريبية، والحق أن أول ما ينبغي أن يقوله الداعية هو أن يدخل الآخر إلى الإسلام والإسلام سلام، وليس خلق الفتن، وصب الزيت على النار، ومن جهة أخرى ركز فضيلة الشيخ على دور الإطفائي الذي ليس له الحق في السؤال عمن أضرم النار وإنما ينخرط في إطفائها مباشرة».

خطة التأثير في الرأي العام

وحمل الدكتور مشروح المسؤولية للإعلام وركز على دوره في التأثير في وجدان الناس، مؤكداً على دوره الأساسي في صياغة فكر أناس يقوم على الوسطية والاعتدال وينبذ التطرف وينشر الأفكار السليمة السلمية المعتدلة دون الغلو.

وزاد قائلاً: «هناك مسألة جوهرية وتم التركيز عليها وهي التفكير في الدور الذي يلعبه الإعلام في السلام لما له من أهمية التأثير العميق في أذهان ووجدان الناس، لذلك فإن المنتدى يستشرف إمكانية رسم خطة للتأثير في الرأي العام للمجتمعات المسلمة لدعوته إلى الخير والسلام، وذلك من خلال إيجاد آليات لنشر ثقافة السلام ونبذ العنف والتطرف وتعميق الفكر من خلال وسائل الإعلام، وقيل إن تصارع الآليات ينطلق من رؤية تقويمية للإعلام في المجتمعات المسلمة من أجل تجاوز الأعطاب التي صارت تؤثر سلبا في هذه المجتمعات، ولهذا يهدف المنتدى إلى أن يفتح أفقا جديدا لإعلام سلمي يركز على المشترك العقدي الإسلامي وينبذ الفروقات والنتوءات وهو ما أطلقنا عليه سابقا «أنوية الصراع» مستلهما في ذلك السيرة النبوية العطرة التي كانت كما قال العلامة الشيخ بن بيه تهدي الناس وهو مجتمع أمي إلى كيفية إقامة السلام وحفظ وصون دم المسلم بل ودم الإنسان حيث ما كان».

المفكر طبيب المجتمع

وتعليقا على تضمين علم المنطق والفلسفة كمستند أساسي في اللجنة العلمية للمنتدى قال مشروح إن مرجعية الفلسفة إنسانية كونية، وهو الهدف نفسه الذي يقوم عليه المنتدى، موضحاً أن الفلسفة ستقول كلمتها في حقن الصراع والنزاع، وهي مرجعية إنسانية شمولية تعاضد المنطلق الذي رسمته فكرة «منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة» وأردف: «لقد تفطن العلامة بن بيه إلى أهمية الخلفية النظرية للفكر الفلسفي الذي يتصف بالرؤية الكونية والمتجردة والتمس أن يكون هنالك عودة إلى ضم الفكر الفلسفي المستنير في بعده الإنساني والكوني إلى حضيرة الفكر الإسلامي المعاصر بعد هذه الخصومة الطويلة وقد عرض علينا بعض مطالعاته وقراءاته القيمة كثيرا من الأفكار حول السلام التي تناولها الفلاسفة وعلى رأسهم الفيلسوف الألماني «إيمانيول كانت» في كتابه «نحو السلم الأبدي» بحيث تمالكتنا الدهشة من هذا الشيخ العلامة الفقيه، خاصة أنه يجمع في رؤيته الدين الإسلامي الحنيف إلى جانب الاضطلاع الحصيف على الفكر الفلسفي في جانبه الإنساني والكوني.

وتابع: نحن نريد لهذا المؤتمر أن يلتزم نوعا ما من التجرد من الخلفيات والمرجعيات التي قد تزج بنا في طرفية متطرفة، فنحن طرف لكن نطلب السلام ومن يطلب السلام يجب أن يتجرد من كل انتماء يتضمن أنوية «نواة» صريحة أو ضمنية لا مكان فيه للمنازعة، والسلام دعوة لوحدة الجماعة المسلمة حيثما كانت، ومن النقاط الأخرى التي تشكل مبدأ أساسيا وكانت تلح عليه اللجنة العلمية هو أن نبحث عن علماء مسلمين ومفكرين من المشارب والمذاهب الفكرية كافة على أن يتصفوا بالحكمة التي ليس هناك من هو أحق بها إلا المسلم الذي يطلب السلام، ودورنا كمفكرين وعلماء يكمن في عرض هذه الأفكار وبسطها والاستلهام منها ما يمكن أن نهتدي به من منطلقنا الإسلامي.

وقال إن الأزمات التي يمر بها العالم العربي والأمة الإسلامية من صراعات طائفية ودينية مر بها الغرب سابقا، وتفرق الناس إلى مذاهب متناحرة، وكانت الفلسفة هي المنقد. وأردف: «كادت الحرب في المجتمعات الغربية أن تأتي على الأخضر واليابس، لكن تدخل الفلاسفة حد من الحروب، لأنهم يفكرون بتجرد وحياد وينجدون وينقدون وكذلك دور المسلم اليوم إنما يكمن في التعاطي مع الواقع لمعالجته لأن المفكر هو طبيب المجتمع»، وأشار مشروح في ذات السياق إلى أن الفلسفة تقوم على الوسطية التي تعتبر من المبادئ الأساسية التي تدعو للسلام، مؤكداً أن الوسطية هي «بينية».

وفسر ذلك بقوله: «البين يجمع ويفرق» بحيث يجمع بحفظ مشترك ويفرق باحترام الاختلاف القائم بين الطرفين، ففي الأمور الإنسانية لا ينبغي كما قال «الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت» أن تحزن ولا أن تغضب ولا أن تخطِّئ طرفا دون آخر، وإنما ينبغي أن تفهم «فالوسطية تقيم التفاهم بناء على فهم خصوصية كل طرف».

التربية السبيل إلى الصلاح

نشر مشروح العديد من المقالات عن التربية في ارتباطها بالفكر والمعرفة تقوم على أسسها المبادئ والأخلاق، وكان من بينها مقال عن التربية في جانبها المتعلق بالفلسفة، وشدد على أنها محور مهم من محاور الإصلاح والتربية على السلم والسلام والوئام والابتعاد عن العنف: «لم يكن بدعا من الأمر أن ينكبّ الفلاسفة في الخطاب الأنواري-الحداثي على الكتابة بغزارة في مجال التربية، وأن ينخرطوا في التنظير لها، لا بد من إنجازه ليتأتى لهم أن يفحصوا في ضوئه أطروحاتهم الفلسفية بشأن تجديد الإنسان وتطوير المجتمع البشري في أفق يحقق اكتمال النوع الإنساني باكتمال الوعي بالتاريخ، وبالتقدم كفكرة تقود التاريخ بآلية التربية، لذلك تعاطى منظرو الفكر التنويري لتجديد النظر في المسألة التربوية، ولم يكونوا فيها من الزاهدين.

وتابع: درج التقليد الفلسفي منذ أفلاطون على اعتبار التنظير للتربية من صميم، بل من صلب، الاشتغال الفلسفي المتعلق بالسياسة التي يحصل بها تجويد الوضع الإنساني، لذلك انطوى كتاب الجمهورية لأفلاطون على رسالة تربوية لفلسفته المثالية، ولم تخل الفلسفة الأرسطية من إيماءات تربوية، صريحة أو ضمنية، ضمّتها دفات كتبه الشهيرة ككتاب السياسة وكتابي الأخلاق لنيقوماخوس، والأخلاق لأديموس.

وعلق بالقول: وهكذا، لم يتخلّ الفلاسفة عن العناية بالتربية، ولم يكفّوا عن الكلف بها حتى اعتبروها مهمة أساسية وجوهرية من المهَمات الفكرية السّامية للفيلسوف بوصفه مربي الإنسان ولـمّا كانت التربية الاجتماعية، وبالتالي الإنسانية لا تغيب عن المشاريع الفكرية للفلاسفة مهما أوغلت أقدامهم في عوالم التجريد، فإنّ استجلاء البعد التربوي الصريح أو المسكوت عنه، الضمني أو المعلن، في رُؤاهم الفلسفية شأنٌ لابدّ من تقصِّيه لمن يطلب توضيح الرؤية وإضاءة الأفق الإنساني، لذلك على المفكر أن يفطِن للبعد التّربوي المطويّ في ثنايا كلِّ فلسفة، حتى وإن لم يفرد الفيلسوف كتابا ويخصِّصه للمسألة التربوية».

مفكرات يشاركن في المنتدى

تشارك نساء من أبرز المفكرين الغربيين في المنتدى العالمي «تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة»، الذي يعقد برعاية سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية وتستضيفه اليوم.

يأتي على رأس المشاركات القاضية مارلين مورنينغتون عضوة الهيئة القضائية في إنجلترا، وويلز بالمملكة المتحدة الخبيرة في قانون الأسرة والعنف المنزلي والإساءة للمسنين.

وتنضم إليها الدكتورة عزيزة آل هبري الحاصلة على لقب «عالم برنامج فولبرايت الطلابي»، وأستاذة القانون وزعيمة للحركة النسوية، وشيخة حليمة كروسن العضو المؤسس في دائرة الحوار بين الأديان في قسم اللاهوت بجامعة هامبورج وأحد أبرز أعضاء الجالية المسلمة الناطقة بالألمانية.

وقال فضيلة الشيخ العلامة عبدالله بن بيه رئيس المنتدى، إنه من حق المرأة المسلمة الانخراط في كل النقاشات التي تهدف إلى تعزيز السلم في المجتمعات الإسلامية، حيث إنها لعبت دائماً أدواراً حيوية في دعم الكثير من القضايا الإنسانية، ولا يمكن الاستغناء عن مشاركتهن خاصة في جلسات هذا المنتدى العالمي المهم.

وتقدم المشاركات في المنتدى معارفهن المتميزة وخبراتهن العملية التي تمتد لعقود في التعامل مع القضايا المنزلية وشؤون المرأة والمجتمع، وتساعد في حل مشكلات المجتمعات الإسلامية.

وقد ساهمت كل منهن بشكل مباشر في جسر الهوة بين الثقافات، وتمثل مشاركتهن ركناً أساسياً في نجاح هذا الملتقى العالمي الهام.

ومن النساء المشاركات في المنتدى، هناك الدكتورة كلثم المهيري الأستاذ المساعد في معهد دراسات العالم الإسلامي بجامعة زايد دبي، وهي من الرواد البارزين في حقل التعليم بدولة الإمارات العربية المتحدة.. وحاضرت في كلية الإمام مالك للشريعة والقانون بدبي، وقبل ذلك عملت الدكتورة كلثم المهيري في التدريس بوزارة التربية والتعليم مدة خمس عشرة سنة وكمستشارة في دائرة الشئون الإسلامية بدبي.. وحصلت على بكالوريوس في الدراسات الإسلامية فرع الإعلام من جامعة الإمارات ودرجة الماجستير ودرجة الدكتوراه في التربية الإسلامية من جامعة اليرموك في الأردن ودرجة الدكتوراه في الحديث الشريف من جامعة محمد الخامس في الرباط بالمملكة المغربية بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف.. وقد ألفت الدكتورة كلثم المهيري كتباً عدة منشورة تشمل مجموعة من القصص القصيرة للأطفال.

توصيف المحاور

سيناقش العلماء والباحثون مجموعة محاور وموضوعات تسعى إلى تحقيق هدف جليل وعلى درجة عالية من الأهمية وهو إخماد الحرائق والضغائن والأحقاد المتأججة في جسم الأمة والتي تهدد نسيجها الاجتماعي بالتفكُّك والخراب وتضعف كل عوامل المناعة الذاتية فيها في مواجهة التحديات والأطماع والمؤامرات. وقد رأت اللجنة العلمية للمؤتمر اقتراح أربعة محاور كبرى تندرج تحتها موضوعات دقيقة، وستكون كفيلة بإذن الله بتحقيق المقصود، وهي كالتالي:

القيم الإنسانية والعيش المشترك

إنه لا اختلاف في القيم الأساسية الكبرى كالحق في الحياة وكرامة الإنسان والحرية والمساواة والعدل، وإن احترام هذه الحقوق الضرورية ومراعاة ثقافة الاختلاف وترسيخ أهميتها وإقامة الجسور بين مختلف الشعوب والأمم هو وحده الذي يعيدنا إلى قيمة الإنسان ويذكرنا أننا جميعا نستحق هذه القيم بغض النظر عن العرق أو اللون أو الجنس أو الدين. ومن هنا تبرز أهمية دور علماء الدين وأهل الفكر في ترسيخ هذه القيم وتحجيم القيم المضادة ليكونوا جزءا من الحل وليس جزءا من المشكلة كما يشاهد على من انزلاق بعضهم في إثارة نعرات الخلاف بما يعود سلبا على قيم التضامن الإنساني وحسن التفاهم. كما أن وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني والجامعات ومراكز البحث مدعوة لأن تؤديَ دورا إيجابيا في تنمية القيم وتوصيلها، مثلما أن القادة السياسيين مدعوون للانخراط في جهد جاد لتخفيف وطأة الظلم والفقر حيثما وجدا لإيجاد حلول للقضايا المزمنة . ومن ثم فإن هذا المحور يهتم بتجلية مضامين القيم المركزية في تحقيق العيش المشترك وبناء الأسس الفكرية والثقافية للتلاحم الاجتماعي والتراحم الإنساني. ويتضمن هذا المحور الموضوعات التالية: تدبير الاختلاف، وثقافة الحوار. آليات التعاطي مع المواثيق الدولية في مجال حقوق الإنسان.

تصحيح المفاهيم

تتداخل وتتقاطع في المجال العلمي والعملي لما اصطلح عليه العلماء بالسياسة الشرعية مجموعة من المصطلحات والمفاهيم أصبحت بعض طوائف الأمة لأسباب مختلفة تتذرع بها إلى إثارة الفتن واستحلال الدماء المعصومة والأموال المصونة، وقد أصبح لزاماً على العلماء وأهل الفكر والسياسة في مجتمعاتنا اليوم العكوف على دراسة هذه المفاهيم وتمييز الفهم الأصيل المنبثق من مقاصد الشريعة وقواعدها الكبرى وتجربة الأمة الإسلامية في أفضل أجيالها المتحققة بالخيرية من المفاهيم المتلبسة بالحرفية والجزئية الغافلة عن تحقيق المناطات ومراعاة المآلات الحاملة لروح الانتقام والانتصار للنفس.

برنامج المنتدى

ومن ثم فإن هذا المحور يتناول بالتحليل أهم المفاهيم التي يشكل سوء فهمها وتنزيلها مدخلاً إلى فتنة الأمة وتفريق وحدتها وتنازع البقاء فيها.

ويتضمن هذا المحور الموضوعات التالية:

1- الطاعة بين الإثبات والنفي مفهوماً ومقصداً.

2- الدوافع الرائجة للتكفير (الولاء والبراء، عدم تطبيق الحدود الشرعية).

3- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الوجوب إلى الحظر.

4- الجهاد: المفهوم والضوابط.

الفتوى في زمن الفتن

يتضمن هذا المحور الموضوعات التالية:

1- شروط الفتوى وضوابطها، وصفات المفتي ومؤهلاته.

2- الفرق بين فتوى الأفراد وفتوى الأمة.

3- مسؤولية المفتي والداعية.

4- مناهج إعداد العلماء لتمكينهم من الاضطلاع بمهمة الفتوى.

3- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الوجوب إلى الحظر.

4- الجهاد: المفهوم والضوابط.

إسهام الإسلام في السلم العالمي

ويتمثل أول أساس لتحقيق هذا الأمل، في اعتبار التعددية والاختلاف وتدبيرهما، وهما أمران قد شهدا في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، تراجعا كبيرا بسبب المقاربات التي تستند إلى المكاسب الصغيرة وقصيرة المدى، التي قد تأتي بها التوجهات الإقصائية، ولا مناص من أجل تجاوز المشاكل الناجمة عن الخلاف، أو التنافس السياسي، أو الإيديولوجي، من السعي إلى بناء جماعات محلية وإقليمية، تعتبر التعددية ولا تقصيها، من خلال العمل التأسيسي الذي يشعر الأفراد والطوائف والمجتمعات أنهم موضع توقير واحترام، رغم الخلاف، ولا سبيل إلى ذلك دون بناء قدرات الأفراد وتكوينهم، لاستبطان هذه المعاني استمدادا من المرجعيات المعتمدة. ولا شك أن بلوغ هذه الغاية، يحتاج إلى مرونة وإبداع، إذ إن الحاجة لا تدعو فقط إلى وضع الحلول الممكنة والاتفاق عليها، ولكن تدعو أيضا إلى تنزيل تلك الحلول على أرض الواقع بشكل سليم يُسهم فيه الإعلام ويقوده العلماء. ويتضمن هذا المحور الموضوعات التالية:

1- المعاهدات والاتفاقيات الدولية في الإسلام.

2- الإسلام وحرية التدين والعبادة.

3- دور العلماء والإعلام في تعزيز السلم

4- المسلمون والسلم العالمي.

المشاركون في المنتدى

فضيلة الشيخ عبدالله بن بيه

رئيس اللجنة العلمية للمنتدى، رئيس مجلس الأمناء ورئيس مجلس إدارة المركز العالمي للتجديد والترشيد في لندن ودكتور الدراسات الإسلامية في جامعة الملك عبدالعزيز.

فضيلة الشيخ أحمد الطيب

الإمام الأكبر وشيخ الأزهر الشريف

الأستاذ الدكتور أحمد أبو الوفا

أستاذ بكلية الحقوق – جامعة القاهرة – مصر

سعادة الدكتور أحمد عبادي

أمين عام الرابطة المحمدية للعلماء – المغرب

سعادة الدكتور أحمد عبدالعزيز الحداد

مدير إدارة الإفتاء – دبي

سعادة الدكتور أمحند أمشنان

مستشار وزير الشؤون الدينية – الجزائر

سعادة الدكتور رضوان السيد

أستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعة اللبنانية – لبنان

فضيلة الدكتور شوقي عبدالكريم علام

مفتي الديار المصرية – مصر

الدكتور عادل الفلاح

وكيل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامي- الكويت

الأستاذ الدكتور عادل عبدالقادر قوته

أستاذ بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة – السعودية

سعادة السفير د. عارف علي النايض

مؤسس ومدير كلام للبحث والإعلام

وسفير ليبيا بدولة الإمارات العربية المتحدة

الدكتور عبدالله بوصوف

مدير المعهد الأوروبي الإسلامي للثقافة والحوار ببروكسل

الأستاذ الدكتور عبدالمجيد الصغير

أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي

جامعة محمد الخامس – المغرب

الأستاذ الدكتور عبدالحكيم جاكسون

أستاذ بجامعة كاليفورنيا الجنوبية – الولايات المتحدة

الأستاذ الدكتور عمر جاه

رئيس مؤسسة جاه الخيرية – غامبيا

الأستاذ الدكتور فهمي جدعان

أستاذ بالجامعة الأردنية

سعادة الدكتور محمد الروكي

رئيس جامعة القرويين – المغرب

الدكتور محمد السرار

رئيس مركز ابن القطان للدراسات والبحوث

في الحديث والسيرة – المغرب

الدكتور محمد السماك

أمين عام اللجنة الوطنية اللبنانية للحوار الإسلامي المسيحي – لبنان

أ.د محمد القوصي

نائب رئيس مجلس إدارة الرابطة العالمية لخريجي الأزهر

فضيلة الشيخ محمد المختار بن أمبالة

رئيس هيئة الإفتاء والمظالم – موريتانيا

الأستاذ الدكتور محمد تقي الدين عثماني

نائب رئيس دار العلوم – باكستان

الأستاذ الدكتور محمد عبدالغفار الشريف

أستاذ الفقه وأصوله

كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الكويت

الأستاذ الدكتور محمد كمال إمام

أستاذ الحقوق والمقاصد بجامعة الأسكندرية – مصر

فضيلة الشيخ مصطفى سيريتش

المفتي العام – البوسنة والهرسك

الأستاذ الدكتور هاني عبدالشكور

الأستاذ بجامعة الملك عبدالعزيز – السعودية

فضيلة الشيخ هاني فحص

عضو اللجنة الشرعية للمجلس الشيعي الأعلى – لبنان

عن المنتدى

تستضيف العاصمة الإماراتية أبوظبي على مدى يومي 9 و10 مارس الجاري المنتدى العالمي «تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة» بمشاركة ما يزيد عن 250 عالماً ومفكراً إسلامياً من مختلف أنحاء العالم من أجل مناقشة القضايا الإنسانية الحارقة التي تسببت بها الصراعات الفكرية والطائفية في المجتمعات المسلمة.

وتتسم أوضاع الأمة الإسلامية في السياق الزمن الراهن بجملة سمات تطرح عليها عدداً من التحديات الكبيرة والناجزة، التي يقتضي رفعها تكاثفاً منهجياً واستراتيجياً لجهود العقلاء أولي الأيدي والأبصار من أهلها.

فأمتنا تكابد إيجاد الحلول لقضايا مجتمعية حارقة من تضامن ومحاربة للفقر وبلورة لمشاريع تنموية حضارية راشدة ومراعاة لسلامة البيئة ومكافحة لكافة الأمراض والإدمانات وضمان ما يلزم من تأطير للشباب والرجال والنساء والطفولة وامتلاك للتقنيات الحديثة وضبط وتكييف لوسائل الاتصال مع أبعاد المرجعية، ومكافحة العنف والإرهاب وحماية المهجرين والمقتلعين من أوطانهم وترشيد المؤسسات العاملة في كافة هذه المجالات وتعزيز قدرات أهلها.

ولكنها وهي تجابه كل هذه التحديات تخترقها صراعات فكرية وطائفية تصرفها عن استكمال جهود ترسيخ هويتها الإسلامية بسبب ما تحدثه هذه الصراعات من تضخيم عوامل التمايز والافتراق واستقواء كل طرف بمن يعينه ويحتضنه ولو على حساب مصلحة الأمة ومصيرها، فتضعف الثقة وتغيب أجواء الأمن والطمأنينة وتبتعد المجتمعات الإسلامية عن حقيقة الجسد الواحد المتراحم المتآزر المتعاون على البر والتقوى وهي ظواهر تسائل مؤسسات الأمة عن ضمور قيم المحبة والتعايش والسلم في المجتمعات الإسلامية مع كونها من أمهات القيم في سلم المقاصد الشرعية ومن مقومات الاستقرار والبناء في سنن الاجتماع البشري.

ويزيد من ثقل المسؤولية وضرورة الإسراع بالاستجابة لهذه التحديات تطور هذه الصراعات في العقد الأخير وتسارع وتيرتها حتى أضحى أثرها الواقع والمتوقع على الأمة في غاية الخطورة، وهي خطورة تتجسد في الأبعاد الخمسة التالية:

أولاً: البعد النوعي المتمثل في درجة العنف غير المسبوق الذي لم يستثن أي نوع من الأسلحة بما في ذلك أسلحة الدمار الشامل الذي يستعمله أبناء الوطن الواحد بعضهم ضد بعض.

ثانياً: البعد المكاني المتمثل في الاتساع والانتشار الذي شمل رقعة واسعة من البلاد العربية والإسلامية، والمرشح لشمول مناطق أخرى.

ثالثاً: البعد الزمني حيث إن هذه النزاعات أصبحت في استمرارها وديمومتها وكأنها أمر معتاد لا تلوح له نهاية في الأفق.

رابعاً: البعد الفكري والنفسي وهو بعد يغذي الأبعاد الثلاثة السالفة، حيث أفرزت هذه الفتنة أشد الأفكار تطرفاً وأكثر الفتاوى شذوذاً وأشد الآراء تعصباً وتحريضاً، فاشتعلت الساحة بكم هائل من فتاوى التكفير والتضليل والتفسيق والتبديع، فاستبيحت الدماء، ولم يعد للشرعية في الطاعة واحترام الدماء، وتجنب شق عصا الأوطان لم يعد لها مكان واستبدلت بدعوى الجهاد في غير محله، والنهي عن منكر بغير ضوابطه مما يؤدي إلى ما هو أنكر.

خامساً: البعد الدولي حيث أدى كل ما سبق صورة الإسلام عالمياً، وكاد دين الرحمة والرشد أن يوصف بأنه «دين إرهاب» إلى درجة أن بعض المتطرفين أضحوا يقترحون أن يُحاكم الإسلام وأهله تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، إن هذه الصورة البشعة المأساوية بالتأكيد لا تمثل حقيقة الإسلام، دين المحبة ودين السلم والسلام والإنسانية الذي أسس لقيم العدل والشورى والرحمة والإحسان والتسامح والوئام، ذلك ما يحاول المنتدى أن يقدمه للعالم توضيحاً للمفاهيم وشرحاً للمضامين وبياناً للحق ونداء للأمة الإسلامية وللإنسانية يصدره جمهور من العلماء والمثقفين وقادة الفكر والمفتين في العالم لإطفاء الحريق ولتدارك هذه الأوضاع بمحاصرة نيرانها وحصار الأفكار الجائرة الظالمة التي أنتجتها.

وطيلة يومي الأحد والاثنين 9 و10 مارس سيناقش العلماء والباحثون في أبوظبي مجموعة محاور وموضوعات تسعى إلى تحقيق هدف جليل وعلى درجة عالية من الأهمية وهو إخماد الحرائق والضغائن والأحقاد المتأججة في جسم الأمة والتي تهدد نسيجها الاجتماعي بالتفكك والخراب وتضعف كل عوامل المناعة الذاتية فيها في مواجهة التحديات والأطماع والمؤامرات.

ومن ثم فإن أولى الأولويات القصد إلى تحرير المفاهيم وتصحيح التصورات والحفر في الأصول الفكرية والحالة الثقافية التي أفرزت هذه الأوضاع تمهيداً لمعالجة عللها ومحاصرة آثارها.

المصدر: الاتحاد