التحضر بريء منهم

آراء

التحضر ليس بدلة وربطة عنق، وليس حقيبة يد بعشرة آلاف دولار، وحذاء بأربعة آلاف، وليس حساباً يثقل صناديق البنوك، وليس المضاربات في أسواق الأسهم، وليس يختاً وطائرة خاصة، وبيتاً يشار إليه بالبنان، ولا يمكن أن يكون في البارات والحريات الشخصية، والمكملة للتفسخ البشري.

التحضر سلوك نفسي، وطباع مترسخة، يتعلمها الإنسان من الذين عاش في كنفهم، ودرسوه كيف يكون إنساناً، بعد آلاف السنين، والتنقل من مرحلة إلى أخرى، اختفى ذلك الكائن المتوحش، الذي يمشي على رجلين، والذي لا يزال يعتبر أكثر الكائنات على وجه الأرض قساوة، دعكم من الأسود والنمور والذئاب والضباع، وأسماك القرش أو الأفاعي السامة والعقارب، فكل هذه المسميات، اخترع لها الإنسان مصيدة ومبيداً ورصاصة، وانتصر عليها.

التحضر يعني التخلص من حياة الغاب، فهذه الأرض، تبيّن أنها تستوعب الجميع، جميع البشر والكائنات، بأشكالها وأنواعها وأدوارها في إحداث التوازن البيئي، فهي، وإن كانت مؤذية للإنسان في بعض الأحيان، إلا أنها تحقق له منافع كثيرة، وتنوع الدول والبلدان والقرى والمدن، يحقق ذلك أيضاً، فكل مجموعة من الناس في أرض أو جهة من جهات الكون، لها طباعها ولغتها، وتتشكل ملابسها حسب العادات المكتسبة، أو ما تفرضه البيئة المحيطة، وكل فئة أو مجموعة تتفاخر بما لديها، ليس هناك شعب كاره لأرضه وناسه ولغته وعاداته، ومن وجهة نظره، وإن كان يعيش في منطقة منقطعة عن العالم، لا تصلها الطرق، ولا تقصدها السيارات، أقول لكم، من وجهة نظره، بلاده هي أجمل بقعة في الكون، يضحي بنفسه وعياله وماله دفاعاً عنها، فإن مات، يموت بشرف، وإن هزم عدوه، عاش بشرف.

بعد كل ما سجله التاريخ، فقط في القرن العشرين، ننظر إلى الغرب بشكل عام، وأوروبا بشكل خاص، ولا نرى التحضر قد نفذ إلى داخل نفوسهم، وحسّن طباعهم، وغيّر من سلوكهم، بل نراهم كما هم، منذ عصور الرومان ومن تبعهم، ما زالوا يشعلون النيران في بلاد بعيدة عنهم، فكل الحروب تبدأ بهم، وتنتهي بهم، وبعد ذلك، يدّعون بأنهم من يقودون الحضارة.\

المصدر: البيان