النص أم الموروث؟

آراء

خاص لـ هات بوست: 

     تعرف المصادر كتاب “صحيح البخاري” بأنه أحد أهم كتب أهل السنة والجماعة، باعتباره من أمهات مصادر الحديث النبوي، ويعد في الموروث السني أصح الكتب بعد القرآن الكريم، ومع ذلك تثار بين حين وآخر تساؤلات حول تاريخ تدوين الكتاب ونسبة نصه المتداول إلى البخاري نفسه، ومدى ما طرأ عليه خلال مراحل نقله وتداوله.

     كذلك، يثار الجدل حول بعض الفتاوى الشهيرة المنسوبة إلى ابن تيمية، إذ يشكك البعض في نسبتها إليه، ويرى أنها وضعت بعد قرون من وفاته ولم تحتويها كتبه، فيما تؤكد مصادرأخرى وجود مخطوطات بإسمه تتضمن الفتاوى تلك.

     وإن أردنا توخي الدقة، تنبع أهمية الرجلين مما نسب إليهما، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، في الحالتين، هل من الأهمية بمكان من قال أم القول بحد ذاته؟ ما النتيجة التي نصل إليها إن عرفنا أن البخاري قال أن حديث ما صحيح، أم أحد غيره نسب القول إليه، إن كان الحديث يعمل به اليوم بدرجة تقترب من درجة آية موجودة في التنزيل الحكيم إن لم تنسخها عملياً؟ كآية الوصية مثلاً، حيث نسخ قوله تعالى {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} (البقرة 180) بحديث (لا وصية لوارث) (صحيح البخاري- كتاب الوصايا- الجزء الثالث)، وبالمثل ما النتيجة المتوخاة من إثبات أن مجموعة من الفتاوى المنسوبة إلى ابن تيمية، ومنها ما يتضمن عبارة “يستتاب وإلا قتل” في سياقات عدة، قد صدرت عنه بالفعل أو لم تصدر، إذا كانت بعض الأفكار التي تتضمنها لا تزال تستدعى لتبرير ممارسات تنتهك حقوق الآخرين، وتمنح القتل والاستباحة غطاءً دينياً؟

     علينا الاعتراف بأن المعضلات في تراثنا لا تختزل بشخص البخاري أو ابن تيمية، بل تتصل أيضاً بمجموعة المراجع التي تشكل أمهات الكتب في فقهنا الموروث، وبكيفية التعامل معها وتدريسها وتقديمها للأجيال، وهي تدرس في المدارس الشرعية والجامعات، وتسنحضر نصوص منها في الخطاب الديني العام، فلماذا نتفاجأ إذاً كلما وقع قتل في كنيسة أو ارتكبت مجزرة بحق أبناء طائفة أخرى؟

     ستعلو أصوات المدافعين بالقول إن هناك من يتربص بالإسلام ويريد إشعال الفتن بين أبناء الطوائف والملل في منطقتنا، وقد لا يمكننا نفي وجود مثل هذه الأهداف، لكن المتربص سيلقى الطريق ممهدة أمامه، وكفانا دفن رؤوسنا في التراب، ولنر ماذا يتعلم الأطفال والشباب وما هي الثقافة العامة التي تنتشر في الخفاء تارة والعلن أخرى.

     لك أيها القارئ أن تتأمل تعليقات كثيرين من أفراد مجتمعاتنا حين تقع ضحايا لأسباب مختلفة، فالرحمة في ثقافتنا لا تمنح إلا لمن يشبهنا في الملة أو الطائفة، وربما ستضيق الدائرة تدريجياً لتحيط بأبناء مذهبك فقط، وكأن طلب الرحمة لأحد سيغضب الله تعالى، أو أن الجنة حكر على أناس معينين، والشهادة أيضاً لن تمنح إلا وفق معطيات محددة، تقوم أولاً وأخيراً على ملة الضحية أو طائفتها أو تصنيفك الاعتباري لها.

     ولو أن الأمر اقتصر على التصنيف لهان شأنه، لكن المشكلة أن هذه التصنيفات لا تبقى دائماً آراء نظرية، ففي الحياة الدنيا قد تودي بحياة الآخرين أو تعرض لانتهاكات بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فتستباح دماؤهم وأعراضهم، ويبرر القتل والخطف والاغتصاب وسائر الموبقات تحت راية الإسلام والدفاع عن الله ورسوله.

     هل يكفينا، في مواجهة ذلك، القول أن الإسلام بريء من تلك الاتهامات؟ أم أصبحت العبارة ممجوجة؟ رب قائل لا يمكنك تعميم آراء المتطرفين والجماعات المتشددة على جميع المسلمين، هذا صحيح، إنما الكارثة تكمن في انتظار التطرف ليصبح هو الصوت الأعلى السائد في المجتمع، مستنداً إلى مراجع ينظر إليها بأنها “موثوقة”، تكاد قدسيتها لا تقبل أي طعن، مقابل إعادة كتاب الله لرفوف المكتبات وللتلاوة والحفظ دون تدبر أو تفكر، أو تفسيره بناء على ما رآه شيخ جليل قبل ما لا يقل عن خمسة قرون وفق معطيات وظروف عصره.

     فإذا قرأنا التنزيل الحكيم وجدنا الإسلام يعترف بالملل الأخرى ويضمها تحت جناحيه {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة 62)، ونجد حرمة قتل النفس لا تقبل المهادنة {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}(المائدة 32) والفساد في الأرض هو انتهاك لحقوق الإنسان، ونجد الله رحمن رحيم رؤوف بعباده، أمرك أن تقول للناس حسناً وتعمل صالحاً بغض النظر عن تقييمك لهم، والأهم من ذلك كله هو أن مفاتيح الجنة بيد الله وحده، نشكره {وقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ*بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة 111- 112).

     لا يتسع المقام هنا لذكر كل الآيات ذات الصلة، لكن من باب أولى أن نعلي من شأن كتاب الله بفهمه وتدبره وإعطاء ما جاء فيه الأهمية، فالله جل وعلا سيسألنا عما قاله سبحانه إن كنا عقلناه، لا إن كنا طبقنا ما كتبه البخاري أو ابن تيمية أم لم يكتبوه.