د. سليمان الهتلان
د. سليمان الهتلان
كاتب وإعلامي إماراتي

عودة غازي القصيبي

آراء

رحم الله غازي القصيبي. لا يزال شاغل الدنيا حتى في غيابه. وهل مات من خلّف ثروة معرفية هائلة كتلك التي تركها لنا غازي في مؤلفاته وأشعاره و حكايات الناس معه؟

للتو أفرغ من قراءة كتابه «العودة سائحاً إلى كاليفورنيا». و بقدر ما ضحكت من روح السخرية العالية في الكتاب تعرفت أكثر على جوانب أخرى في الثقافة الأمريكية. و هي فكرة بارعة أن تكتب عن التجربة لاحقاً إن لم تسعفك الظروف للكتابة عنها في حينها.

ابتعثت السعودية و دول الخليج عشرات الآلاف من أبنائها للدراسة في أمريكا. كم منهم وثّق تجربة الحياة و الدراسة في أمريكا؟ أنا ممن ظل يؤجل مشروع الكتابة عن تجربة الدراسة في أمريكا كثيراً ، مرة بأعذار زحمة الأشغال و مرات بحسابات و مخاوف الرقابة التي تبدأ من داخل المرء ولا تنتهي عند مكتب الرقيب الرسمي. وهي كلها أعذار.

لكن غازي القصيبي، في كتابه عن عودته سائحاً لكاليفورنيا، يعلمنا درساً جديداً: ما زالت الفرصة سانحة للكتابة عن التجربة حتى وإن بعد حين. فماذا لو كرر بعضنا تجربة غازي القصيبي و عاد للأماكن القديمة، التي درس فيها أو زارها، و استعاد بعض ما يستحق التدوين من الذكريات و التجارب؟ ما يميز غازي القصيبي أنه يكتب عن التجربة بمعرفة و علم وسعة أفق.

فهل كل من درس و عاش في أمريكا قادر على رصد و فهم أبعاد مشهدها السياسي والثقافي و الإعلامي؟ غازي القصيبي كان يسافر بعقله لا بجسده فقط. ثمة فرق كبير بين من يسافر بعقل منفتح و مهيء لفهم التجربة و تحليلها و آخر يسافر بقناعات راسخة، أغلبها مبني على مفاهيم مغلوطة، فيصل للمكان المقصود باحثاً عما يؤكد و يرسخ قناعاته و مفاهيمه السابقة. وإننا أكثر المتضررين من غياب الدقة والفهم لثقافات وشعوب من مصلحتنا أننقرأها جيداً و نفهمها جيداً، من أمريكا إلى اليابان و من الهند إلى إيران!

 نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٥٩) صفحة (٢٣) بتاريخ (١٩-٠٨-٢٠١٢)