كاتب وإعلامي إماراتي
خاص لـ هات بوست:
لم يكن افتتاح أولى رحلات قطار الاتحاد مجرد مناسبة احتفالية أو إضافة جديدة إلى شبكة النقل في دولة الإمارات، بل كان رسالة استراتيجية بامتياز. ففي المشهد الذي شهدته محطة الفجيرة، حيث ارتفعت الأعلام الإماراتية وارتدى الركاب أوشحة الوطن احتفاءً بانطلاق الرحلة، كان ثمة معنى أعمق من الاحتفال نفسه؛ معنى يتعلق بدولة اعتادت أن تستثمر في المستقبل قبل أن تفرضه عليها الأزمات.
وأنا شخصياً من المتحمسين لخوض هذه التجربة قريباً. أن أجلس على متن القطار بين أبوظبي والفجيرة، وأقطع هذه المسافة خلال ساعة وخمس وأربعين دقيقة، ليس فقط للاستمتاع بالرحلة، بل للتأمل في قصة وطن تحولت فيه الرؤية بعيدة المدى إلى واقع ملموس. فكل كيلومتر من هذا الخط يختصر سنوات من التخطيط والعمل والإصرار على بناء خيارات استراتيجية لا ترتبط بردود الفعل، وإنما بصناعة المستقبل.
يمتد خط القطار قرابة تسعمئة كيلومتر من الغويفات حتى الفجيرة، لكنه ليس مجرد مشروع للنقل أو بنية تحتية حديثة. فاختيار الفجيرة تحديداً يحمل دلالة استراتيجية بالغة؛ فهي المنفذ البحري المطل على بحر العرب خارج مضيق هرمز، وقد أثبتت التطورات الأخيرة أهمية هذا الموقع عندما أصبحت الموانئ الشرقية شرياناً حيوياً لاستمرار حركة التجارة والطاقة. قبل سنوات، استثمرت الإمارات في إنشاء خط أنابيب ينقل النفط إلى الفجيرة متجاوزاً المضيق، واليوم تستكمل الرؤية ذاتها عبر شبكة سكك حديدية وطنية تعزز مرونة الحركة اللوجستية. الفكرة واحدة، وإن اختلفت الوسيلة: لا تنتظر الأزمة حتى تبدأ في البحث عن البدائل.
ولذلك لم يكن مستغرباً أن تثبت الشبكة كفاءتها منذ الأيام الأولى للتشغيل. ففي فترة وجيزة نُقلت مئات الآلاف من الأطنان من البضائع وآلاف الحاويات، واستمر النشاط اللوجستي بكفاءة عالية رغم التحديات التي شهدتها المنطقة. وما تحقق لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة قرار استراتيجي اتخذته القيادة قبل أكثر من خمسة عشر عاماً عندما أطلقت مشروع الاتحاد للقطارات، إدراكاً منها أن بناء الدول لا يكون فقط بما تملكه اليوم، بل بما تستعد له غداً.
لقد أثبتت التجارب أن قوة الدول لا تُقاس بالسلاح وحده، ولا حتى بتحالفاتها السياسية، وإنما أيضاً بقدرتها على الحفاظ على استمرارية الحياة في أصعب الظروف. فشبكات الطاقة، وسلاسل الإمداد، والموانئ، والطرق، والسكك الحديدية، أصبحت اليوم جزءاً من منظومة الأمن الوطني الشامل. والدولة التي تمتلك أكثر من خيار، وأكثر من منفذ، وأكثر من طريق، هي الدولة الأقدر على تجاوز الأزمات وتقليل كلفتها.
ومن اللافت أيضاً سرعة الإنجاز. ففي سنوات قليلة انتقل المشروع من مرحلة الإعلان إلى التشغيل الفعلي وفق جدول زمني واضح، في نموذج يعكس ثقافة إماراتية راسخة تقوم على التنفيذ والانضباط وتحويل الخطط إلى نتائج، بعيداً عن البيروقراطية أو إهدار الوقت.
وحين أخوض تجربة السفر عبر قطار الإتحاد قريباً، سأرى عبر نافذته الرمال والجبال والمدن، لكنني سأرى أيضاً ما هو أبعد من ذلك؛ سأرى حصيلة قرارات استراتيجية اتخذتها قيادة آمنت بأن الاستثمار الحقيقي هو في بناء وطن أكثر جاهزية وصلابة وقدرة على مواجهة المستقبل.
فالإمارات لم تعد تبني مشاريعها من أجل إبهار العالم، بل من أجل حماية مكتسباتها وتعزيز أمنها الوطني بمفهومه الشامل؛ أمن الطاقة، وأمن الغذاء، وأمن التجارة، وأمن الحركة. هذه هي فلسفة الدولة التي لا تنتظر الأزمات، بل تستعد لها قبل أن تقع. ولذلك، بينما يمضي قطار الاتحاد في رحلته الأولى، تمضي الإمارات بثقة في رحلتها الأكبر نحو المستقبل.
