د. سليمان الهتلان
د. سليمان الهتلان
كاتب وإعلامي إماراتي

لماذا يتقدمون؟

آراء

ما إن وصلت طوكيو قبل يومين حتى بادرني ذات السؤال الذي يهجم علي في كل زيارة لي خارج العالم العربي: لماذا يتقدمون و نتأخر؟ الحقيقة أن في هذا السؤال وجها ناعما للسؤال الحقيقي: لماذا يزدادون تقدماً و نزداد تخلفاً؟

أتمنى لو يتفرغ بعض باحثينا المخلصين لدراسة أسئلة النهضة و البحث عن إجابة عملية لأسئلة من مثل: كيف تنهض الأمم؟ ما الذي يجعل أمة تتفوق في العلوم و سرعة الإنجاز و الانتقال من مرحلة تراجع إلى مرحلة تقدم و ازدهار؟ ذلك سؤال جوهري لطالما بحثت عن إجاباته. لكنني أعتقد أن الأمم تنهض بعد هزائمها عندما تعترف أولاً بالهزيمة ثم تشكل رؤيتها للمستقبل و تعمل من ثم كفريق واحد، لتحقيق أهدافها. و من يمتلك إرادة التغيير يستطيع – مهما كانت الصعاب – أن يصل لأهدافه. و ما ينطبق على الفرد يمكن أن ينطبق على الأمم. الفارق هنا أن الفرد يستطيع بنفسه أن يحقق إرادته و يصل لهدفه. أما الأمم ففي مرحلة ما من عمرها تحتاج لمن ينهض بها و يقودها لتحقيق طموحها الأكبر في النهضة و التفوق.

بعد مأساة هيروشيما و ناجازاكي، سلك اليابانيون طريقاً مختلفا غير طريق القتال و الحروب. انتصر الياباني لنفسه حينما انتصر عليها و اعترف بالهزيمة. ثم رسم اليابانيون رؤيتهم الجديدة نحو المستقبل بعقلية جديدة تتطلع للمستقبل و لا تنشغل بما مضى. لم تضطر اليابان، في مشروعها الصناعي و التنموي العملاق، أن تستبدل جلدها أو تتنكر لتراثها و ثقافتها. لكنها – و هذا الأهم – تبنت تفكيراً جديداً اعترف بالواقع العالمي الجديد ثم دخله منافساً متفوقاً حتى على من سبقه.

ما أحوجنا في العالم العربي لقراءة متأنية لتجربة اليابان مع الهزيمة و الانفتاح على المستقبل. و ما أشد حاجتنا اليوم لوقفة جادة مع النفس و مواجهة حقائقنا المؤلمة و أهمها أننا اليوم أمة متخلفة عن ركب الأمم الناهضة و عن ركب الشعوب التي تتسابق بعلم و معرفة و ذكاء نحو المستقبل. و علينا أن نلح في السؤال: لماذا يتقدمون و نتراجع؟

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣١٢) صفحة (٢٨) بتاريخ (١١-١٠-٢٠١٢)