د. سليمان الهتلان
د. سليمان الهتلان
كاتب وإعلامي إماراتي

محمد العبار: حين تتحوّل الكلمة إلى استراتيجية!

آراء

خاص لـ هات بوست:

     ليس ضرورياً أن تتفق مع محمد العبار في كل ما يقوله، أو أن تعجبك جميع أفكاره، أو حتى أن تتابع لقاءاته الإعلامية. فالاختلاف مع الشخصيات العامة أمر طبيعي، بل وصحي. لكن يصعب تجاهل حقيقة لافتة: أن الرجل يمتلك واحدة من أكثر مهارات التواصل تأثيراً في عالم الأعمال العربي، فهو لا يدير شركاته فحسب، بل يدير الرسائل التي يريد أن تصل إلى الناس.

     ومع مرور الوقت، يصبح أقرب إلى اليقين أن معظم تصريحات العبار ليست ارتجالاً، ولا مجرد إجابات تلقائية على أسئلة إعلامية، بل جزء من استراتيجية واعية. فهو يدرك أن الكلمة، حين تصدر من قائد يقود شركات بمليارات الدولارات، تتحول إلى حدث، وأن التصريح الجيد قد يحقق أثراً يفوق أحياناً حملة إعلانية كاملة. ولا يعني ذلك أن جميع تصريحاته صائبة، أو أن كل ما يقوله يصلح لكل مؤسسة، لكن من الصعب إنكار قدرته على توجيه النقاش العام.

     حين قال قبل أشهر إنه لا يحب الاجتماعات الطويلة، وإنه قد ألغاها من بيئة العمل في الشركات العملاقة التي يديرها، وإن كثيراً منها مضيعة للوقت، انقسم الناس بين مؤيد ومعارض، لكن اللافت أن الجميع ناقش الفكرة. تحولت الجملة إلى مادة للحديث في الشركات، وعلى منصات التواصل، وبين المختصين في الإدارة، حتى لم يعد النقاش يدور حول محمد العبار، بل حول ثقافة الاجتماعات نفسها. وربما كان هذا هو الهدف الحقيقي من التصريح.

     فالعبار لم يكن يقدّم نظرية إدارية جديدة بقدر ما كان يدعو إلى مراجعة عادات ترسّخت لعقود؛ فالهدف لم يكن إقناع الجميع، بل دفعهم إلى إعادة التفكير في مسلّمة إدارية اعتادوا عليها. وفي عصر تختصر فيه تطبيقات العمل الرقمية ساعات من النقاش في دقائق، يصبح من المشروع أن نسأل: هل ما زالت كل تلك الاجتماعات ضرورية، أم أصبح بعضها امتداداً لبيروقراطية تقليدية أكثر من كونه وسيلة لاتخاذ القرار؟ قد تكون الإجابة (نعم) في مؤسسات، و (لا) في أخرى، لكن طرح السؤال نفسه قيمة؛ فالمؤسسات الناجحة لا تتطور إلا حين تعيد النظر في مسلّماتها.

     وفي جوهر هذا كله تكمن فكرة يمكن تسميتها “اقتصاد الانتباه”: فالعبار لا يسعى بالضرورة إلى أن يوافقه الناس في كل ما يقول، بل إلى أن يجعلهم يتحدثون. فقيمة الرسالة اليوم لا تُقاس بمدى صوابها، بل بقدرتها على جذب الانتباه وإطلاق النقاش، وهذا ما يفسّر كيف تتحول تصريحاته البسيطة إلى مادة نقاش تتجاوز حدود الشركة الواحدة إلى الإعلام والمجتمع.

     وهذه القدرة على تحويل التصريح العابر إلى مادة تفكير جماعي، تتكرر في أسلوب العبار التسويقي أيضاً. في لقائه الأخير مع الزميل حامد رعاب، تحدث عن مشروع عقاري جديد في إيطاليا، ثم قال ببساطة: “سأبني بيتي الخاص هنا.” جملة تبدو عابرة، لكنها رسالة تسويقية مدروسة؛ فهو لا يطلب من الناس أن يثقوا بالمشروع فقط، بل يعلن أنه يضع أمواله ومستقبله الشخصي في المكان ذاته، في رسالة تختصر معنى الثقة كاملاً. وهذا نوع من التسويق يقوم على المصداقية الشخصية لا على الدعاية التقليدية، وهو أكثر تأثيراً في زمن تراجعت فيه ثقة الجمهور بالإعلانات المباشرة. وهذا ما يسمى في التسويق ببناء الثقة عبر السلوك، لا عبر الإعلان.

     وينطبق الأمر ذاته على حديثه عن طفولته المتواضعة؛ فالناس لا تنجذب إلى النجاح وحده، بل إلى الرحلة التي قادت إليه، وهذه قصة إنسانية تبني جسر ثقة يصعب أن تصنعه لغة الأرقام وحدها.

     حتى التفاصيل الصغيرة، أسلوب حديثه، وحضوره الهادئ، وبساطة مظهره، وطاقته الإيجابية، وطريقته في رواية المواقف، تتحول كلها إلى عناصر في هوية شخصية متماسكة، تقول إن النجاح لا يحتاج إلى استعراض بقدر ما يحتاج إلى وضوح وثقة.

     اليوم، لم يعد محمد العبار اسماً بارزاً في قطاع التطوير العقاري فقط، بل تحوّل إلى “علامة تجارية” ونموذج يترجم “اقتصاد الانتباه” إلى ممارسة يومية في القيادة والتواصل. وهذا، في عمقه، يشكل الفرق بين من يتحدث لأن عليه أن يتحدث، ومن يتحدث لأن كلامه جزء من مشروعه. وقد لا يكون من قبيل المصادفة أن يتكرر هذا الطراز من الحضور في الإمارات أكثر من غيرها، كأن ثمة مناخاً واحداً يصنع لغة القادة قبل أن يصنعوا مشاريعهم. فبعض القادة يبنون الأبراج، وبعضهم يبنون الأفكار، والقادة الكبار يجيدون الأمرين معاً.