د. عائشة الجناحي
د. عائشة الجناحي
كاتبة إماراتية

هل ينقصنا الوقت؟

آراء

الوقت أثمن ما نملك؛ فالمال قد يُعوَّض، والفرص قد تتكرر، أما الدقيقة التي تمضي فلا تعود.

     جميعنا نمتلك 24 ساعة في اليوم، ومع ذلك نرى من يستطيع إنجاز مهامه وتحقيق أهدافه بكفاءة، في حين يشتكي آخر باستمرار من ضيق الوقت وعدم قدرته على إنجاز ما خطط له. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل المشكلة في قلة الوقت، أم في الطريقة التي ندير بها وقتنا ونرتب أولوياتنا؟

     كانت إحدى الفتيات تحرص على وضع أهداف يومية باستمرار، لكنها تصل إلى نهاية اليوم وقد أنجزت بعض المهام البسيطة فقط، أو ربما لم تحقق شيئًا مما خططت له. وحين استشارت أحد المختصين، سألها: هل ترتبين أولوياتك وفق أهميتها، فتفرقين بين المهم والعاجل، والمهم وغير العاجل، والعاجل وغير المهم، وغير العاجل وغير المهم؟ أم تضعين جميع المهام أمامك بصورة عشوائية؟

     حينها أدركت أن المشكلة لم تكن في قلة الوقت، بل في طريقة ترتيب الأولويات؛ فالعشوائية في إدارة المهام قد تستهلك ساعات اليوم في تفاصيل ثانوية، بينما تتراجع الأهداف المهمة إلى آخر القائمة. وهنا تكمن المفارقة: قد يكون الإنسان مشغولًا طوال اليوم، لكنه في نهاية المطاف لم يتقدم خطوة حقيقية نحو أهدافه.

     ومن هنا تبرز أهمية تحديد أهداف يومية واقعية وقابلة للتحقيق؛ فالإنجازات الصغيرة المتراكمة تصنع، مع مرور الوقت، فارقًا كبيرًا. وليس المطلوب أن تملأ يومك بقائمة طويلة من المهام، بل أن تعرف ما الذي يستحق وقتك فعلًا، وما الذي سيقربك من أهدافك ويحقق لك تقدمًا ملموسًا.

     أولًا: اعرف وقتك المتاح. راقب يومك وحدد المساحات الزمنية التي يمكنك استثمارها بواقعية، حتى تبني خطتك وفق ظروفك الحقيقية، ولا تضطر إلى تغييرها باستمرار.

     ثانيًا: حدّد أولوياتك. اختر الأهداف التي تتناسب مع الوقت المتاح لديك، وابدأ بالأهم والأكثر تأثيرًا. فليس كل ما يبدو عاجلًا مهمًا، وليس كل ما يشغلك يستحق أن تمنحه جزءًا كبيرًا من يومك.

    ثالثًا: اكتب خطة واضحة. حوّل أهدافك إلى خطوات محددة، واكتبها في مكان يمكنك الرجوع إليه باستمرار. فالهدف المكتوب أكثر وضوحًا من فكرة مؤجلة تدور في الذهن، والخطة البسيطة تساعدك على معرفة ما أنجزته وما تبقى أمامك.

     رابعًا: اجعل الاستمرار سر نجاحك. حدّد لنفسك فترة زمنية تلتزم خلالها بالعمل على هدفك دون انقطاع، وكافئ نفسك على التقدم والاستمرارية، لا على الوصول إلى النتيجة النهائية فقط. فـقليل دائم خير من كثير منقطع؛ لذلك كن واقعيًا في تحديد أهدافك، وقسّم الهدف الكبير إلى خطوات صغيرة، خصوصًا في بداية الطريق.

في النهاية، لا تقاس جودة إدارة الوقت بعدد المهام التي أنجزناها، ولا بعدد الساعات التي بقينا فيها مشغولين، وإنما بما استثمرناه من وقت في أمور تستحق فعلًا. فالوقت لا يحتاج منا إلى مزيد من الساعات، بقدر ما يحتاج إلى وعي أكبر بقيمته، ووضوح في الأولويات، واستمرار في الطريق.

القاعدة الذهبية:

حين تعرف أولوياتك، تعرف أين تضع وقتك؛ وحين تعرف أين تضع وقتك، تعرف إلى أين تمضي.