د. عائشة الجناحي
د. عائشة الجناحي
كاتبة إماراتية

حين يصبح الخطأ عادة

آراء

     في كل مرة كانت تتخذ القرار نفسه، كانت النتيجة تأتي كما حدث من قبل: خيبة جديدة، وندم يتبعه وعد حاسم بألّا تكرر ما فعلته، وأنها ستتغير حتمًا إلى الأفضل. لكن ما إن يهدأ الألم وتمضي الأيام، حتى تجد نفسها أمام الخطأ ذاته، وكأن الندم لم يكن كافيًا لتغيير شيء.

     لماذا يكرر بعضنا الأخطاء نفسها رغم معرفته بنتائجها، ورغم ما يشعر به بعدها من ندم وحسرة؟ الخطأ ليس دليلًا على ضعف الإنسان؛ فهو جزء من التعلم والنضج، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في تكراره حتى يتحول من خطأ عابر إلى نمط يستنزف حياتنا وعلاقاتنا وفرصنا.

     هناك فرق بين الخطأ الذي يحدث بسبب نقص المعرفة، والخطأ الذي نكرره باستمرار رغم معرفتنا التامة بعواقبه؛ فمن الأول غالبًا نتعلم، ونتعامل معه مستقبلًا بصورة أفضل، أما الثاني فقد يرتبط بعادة مترسخة، أو خوف من الخسارة، أو ضعف في اتخاذ القرار المناسب.

     أحيانًا نحزن بسبب ما حدث، لكننا لا نسأل أنفسنا عن الاختيارات التي قادتنا إليه. ننشغل بمعالجة الألم حتى تخف مرارته، لكننا لا نعالج أصل المشكلة؛ ولذلك نجد أنفسنا نقع في الدوامة ذاتها مرة أخرى.

     إذًا، قد يعيدنا زوال الألم إلى السلوك القديم؛ فعندما تكون التجربة مؤلمة نتعهد بالتغيير، لكن مع مرور الوقت تخف المشاعر المؤلمة، وننسى الأسباب التي دفعتنا إلى ذلك التعهد، فنعود تلقائيًا إلى التصرف السابق. فالذاكرة تحتفظ بالحدث، لكنها قد تفقد، بمرور الوقت، قوة الشعور الذي صاحبه آنذاك.

وهنا يطرح السؤال نفسه: ما السلوك الجديد الذي سنتبعه عندما نواجه الموقف ذاته؟

     قد نمتلك رغبة صادقة في التغيير، لكن النية وحدها لا تكفي إذا لم نضع خطوات عملية تساعدنا عليه، وظلت الظروف وردود أفعالنا كما هي. وقد يعود الإنسان إلى الخطأ ذاته؛ لأن المألوف، وإن كان مؤلمًا، يبدو أقل إثارة للخوف من المجهول. لذلك يتمسك بعض الأشخاص بعلاقة أو عادة أو أسلوب يدركون ضرره؛ لأن تغييره يتطلب شجاعة ومواجهة.

     إن التعلم من الخطأ لا يتحقق عندما نقول: «لن أكرر ما فعلت»، بل عندما نحدد مسبقًا، وبحزم، ما الذي سنفعله بصورة مختلفة. ولسنا مطالبين بأن نعيش حياة خالية من الأخطاء، لكننا مسؤولون عن مراجعة تجاربنا، وفهم أسباب تعثرنا، وألّا نسمح للخطأ نفسه بأن يستهلك أعمارنا في كل مرة بصورة مختلفة. فالإنسان لا ينضج بعدد السنوات التي يعيشها، بل بمقدار ما يتعلمه من المواقف التي مر بها.

القاعدة الذهبية: الندم يخبرك بأنك أخطأت، أما التغيير فيثبت أنك تعلمت.