الخميس ٣٠ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: وقفتُ عند لافتة "ممشى السعديات" أقرأ الاسم أكثر من مرة، وأتساءل: لماذا يستوقفني حرف عربي بسيط في مكان يستقبل زواراً من كل أنحاء العالم؟ ثم أدركت أن السؤال نفسه هو الإجابة. فمن ممشى السعديات إلى منارتها، ومن دار الفنون إلى مراسيها، اختارت الجزيرة أن تتحدث بلغتها، لا أن تستعير لغة غيرها لتبدو عالمية. تسمية المرافق العامة قد تبدو للبعض تفصيلاً شكلياً، لكنها في الحقيقة قرار ثقافي. فالاسم يحمل ذاكرة ورسالة، وهو جزء من الشخصية التي تريد المدينة أن تقدمها لسكانها وزوارها. ولم يكن اختيار هذه الأسماء العربية عفوياً، بل يعكس وعياً بأن اللغة ليست أداة تواصل فقط، بل وعاء للهوية والانتماء. واللافت أن هذا الحضور العربي لا يأتي في مشروع محلي منغلق، بل في قلب واحدة من أكثر الوجهات الثقافية العالمية انفتاحاً. فالجزيرة تحتضن متحف اللوفر أبوظبي، وتستعد لاحتضان جوجنهايم أبوظبي، وفي الوقت نفسه تحرص على أن تبقى أسماء ساحاتها وممشاها ومنارتها عربية بامتياز. وكأن أبوظبي تقول للعالم إن الانفتاح الحقيقي لا يبدأ بالتخلي عن الهوية، بل بالثقة بها؛ فمن يعرف نفسه جيداً لا يخشى استقبال الآخر. هذه هي الفلسفة التي ميزت التجربة الإماراتية؛ لا انغلاق باسم الأصالة، ولا ذوبان باسم الحداثة، بل قدرة على الجمع بين الاثنين. فالمتاحف وحدها لا تصنع مدينة ثقافية، والمباني المبهرة…
الإثنين ٢٧ يوليو ٢٠٢٦
هل وصل مفهوم الأمن القومي العربي إلى نهايته؟ ربما لم يعد هذا هو السؤال الصحيح، لأنه يفترض أن ما كان قائماً في الماضي لا يزال محتفظاً بالمعنى ذاته. السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو: هل ما زلنا بحاجة إلى هذا المفهوم بالصيغة التي صيغ بها في أدبيات القرن الماضي؟ الإجابة تميل إلى النفي. لا لأن فكرة الأمن المشترك فقدت أهميتها، بل لأنها أصلاً لم تكن حقيقة على الأرض وإن كانت قد وجدت ك "حلم" عربي فإن أدواتها وحدودها ومنطلقاتها قد تغيّرت تغيّراً جذرياً. لم يعد العالم كما كان. لم تعد الجغرافيا وحدها تحدد التحالفات، ولم تعد القومية العربية أو الهوية سبباً كافياً أو إطاراً لبناء منظومات أمنية فاعلة. ما نشهده هو إعادة تعريف شاملة للأمن نفسه. لم يعد محصوراً في حماية الحدود؛ صار يشمل أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والأمن السيبراني والتفوق التكنولوجي، بل والقدرة على إدارة أزمات عالمية معقدة وناشئة، من الأوبئة إلى النزاعات. في هذا السياق، لم يعد القرب اللغوي أو الثقافي أو التاريخي هو المحدد الأول. ما يهم بدلاً من ذلك هو القدرة على الإسهام في منظومة أمنية مرنة وقادرة على التكيّف وذات مصداقية، منظومة يُفهم فيها الأمن على أنه أوسع من الدفاع: ضمان سلامة المجتمعات وأمنها في مواجهة تهديدات مركبة تكاد تفوق القدرة على الاحتمال. التجربة الأخيرة في…
الخميس ١٦ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: قبل نحو عشرين عاماً، كانت نافذة شقتي على شارع الشيخ زايد تطل على هيكل حديدي يزحف نحو الأعلى ببطء. لم يكن أحد متأكداً إلى أين ينتهي، ولا كان الرقم النهائي معلناً. كل أسبوع أجد طابقاً جديداً قد أُضيف، ثم أنصرف إلى يومي. كان السؤال الذي يتردد في المجالس آنذاك سؤالاً معقولاً: كيف يُبنى أعلى برج في العالم في الصحراء؟ لم يكن اعتراضاً على الطموح، بل على الجغرافيا. الرمل لا يحمل، والحرارة لا ترحم، والمسافة إلى كل شيء بعيدة. ثم توقف الارتفاع، فوجدت نفسي أنظر من نافذتي إلى أعلى بناء في العالم. ما تعلمته من تلك التجربة أن الفارق بين الحلم والمشروع ليس في الفكرة، بل فيمن يحملها. الأفكار الكبيرة كثيرة، وأكثرها يموت في اجتماع أو ينام في درج. والفكرة لا تصبح واقعاً إلا إذا وجدت قيادة تؤمن بها، وتحميها من البيروقراطية، وتتابعها حتى تقف على قدميها. ولهذا صارت عبارة لا شيء مستحيلاً في دبي نهج عمل، لا شعاراً يُعلّق على جدار. وهنا يظهر الفارق بين نوعين من القادة: من يديرون الحاضر، ومن يصنعون المستقبل. وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم من الفئة الثانية؛ أولئك الذين لا يكتفون بقراءة التحولات، بل يسابقونها، ولا ينتظرون الفرص،…
الأحد ١٢ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: حين غدر صدام حسين ونظامه، في لحظة حماقة، بدولة الكويت الشقيقة، وباغتوها ذات فجرٍ مشؤوم، لم تتردد الإمارات لحظة، فقد كانت على أهبة الجاهزية لنصرة الأشقاء، حيث ارتدى الشيخ الشجاع بدلته العسكرية، وأخذ، مع قادة جيش بلاده، يجهّز الصفوف استعداداً للمشاركة في معركة التحرير. هذا الموقف لم يكن عابراً، بل عقيدة راسخة: الكويت شقيقة، ودمها من دمنا. مرّت السنون، وتبدّلت الوجوه والملفات، لكن الثابت الوحيد لم يتبدّل؛ فقد كان صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، وما زال، حاضراً مع الكويت في أوقات الرخاء وأوقات الشدة. هو القائد الكبير الوفيّ لأصدقاء بلاده، فما بالك بدولةٍ شقيقة تجمعنا بها وبأهلها تاريخ من المحبة والتعاون والتآزر. وقد جاءت زيارة سموّه، مؤخرًا، للكويت، في توقيتٍ بالغ الدقة، وسط ظروف إقليمية تتسم بحساسية أمنية متزايدة، لتحمل رسالة واضحة تؤكد ثبات الموقف وصلابة الالتزام، وتعكس نهجًا راسخًا في الوفاء بالأشقاء. ولم تكن هذه الخطوة مستغربة من قائدٍ واجه بحزم كل المحاولات الرامية إلى المساس بأمن الخليج واستقراره، فهي تعكس شجاعة القائد الذي لا يزن قراراته بحسابات المخاطر، بل يمضي وفق ما يمليه الواجب، ويترجم بالأفعال عمق الأخوة ووحدة المصير. فالشجاعة ليست كلاماً، بل أفعال، وكثيرون يجيدون الخطابة حين تهدأ العواصف، ويختفون حين تشتدّ، أما الفارس الحقيقي فيُعرف حين يشتدّ الوطيس.…
الأربعاء ٠٨ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: لست من أولئك الذين يتابعون كرة القدم بشغف، ولا أدّعي امتلاك القدرة على تقديم تحليل فني للمباريات أو تقييم أداء المنتخبات. لكن بعض المباريات تتجاوز حدود الرياضة، وتتحول إلى لحظة إنسانية ووطنية تستحق المتابعة، وهذا ما دفعني إلى الحرص على مشاهدة مباراة مصر والأرجنتين على ملعب مرسيدس بنز في أتلانتا، ضمن دور الـ16 من كأس العالم. لسبب يصعب تفسيره، أشعر دائماً أن المنتخب المصري ليس منتخب دولة شقيقة فحسب، بل فريق نمثّل جميعاً جزءاً من جمهوره. وأعتقد أن هذا الإحساس يشاركني فيه كثير من العرب. ففي كل مواجهة يخوضها المنتخب المصري أمام الكبار، يصبح الانتماء أوسع من حدود الجغرافيا، وتتحول المدرجات العربية، ولو كانت بعيدة، إلى مساحة تشجيع واحدة. في تلك اللحظات أشعر وكأنني أشجع فريقي الوطني؛ أصفق لكل هجمة، وأتوتر مع كل فرصة ضائعة، وأغضب مع كل قرار تحكيمي أراه مجحفاً، حتى أكاد أخاطب الحكم قائلاً: "اتق الله يا رجل!" ذلك لأن مصر ليست اسماً عادياً في الوجدان العربي. إنها تاريخ وحضارة، وثقافة وفن، وذاكرة مشتركة تشكلت عبر عقود طويلة. وحين تحضر مصر في المحافل الكبرى، فإنها لا تمثل نفسها وحدها، بل تحمل معها شيئاً من مشاعر ملايين العرب الذين تربوا على حبها والإعجاب بإسهاماتها. وما جرى…
الثلاثاء ٠٧ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، لا تحتاج الأكاذيب إلى أدلة كي تنتشر. يكفي أن تُكرَّر بما يكفي حتى يظن البعض أنها حقيقة. ومن أكثر الأمثلة وضوحاً على ذلك كذبة«الديانة الإبراهيمية»، مصطلح جرى تداوله بكثافة خلال السنوات الماضية حتى اعتقد كثيرون أنه مشروع قائم أو عقيدة جديدة. والحقيقة أن هذا الاسم لم تتبنّه دولة الإمارات يوماً، ولم يرد في أي وثيقة رسمية أو مبادرة حكومية، بل هو توصيف اختلقه خصوم مشروع «بيت العائلة الإبراهيمية» ثم بنوا عليه حملة كاملة من الاتهامات والتحريض. وقد أعاد الأستاذ محمد الحمادي هذا الموضوع إلى الواجهة عندما سأل الكاتب المصري إبراهيم عيسى، في برنامجه «بالمنطق» على قناة سكاي نيوز عربية، سؤالاً مباشراً: ما المقصود بما يسمى «الديانة الإبراهيمية»؟ سؤال كشف هشاشة الرواية التي رُوِّجت طوال سنوات، إذ يصعب تعريف شيء لا وجود له أصلاً إلا في الخطاب الإخواني الدعائي. وحين تُسأل عن مصدر هذا المصطلح أو أول من تبنّاه رسمياً، لا تجد جواباً واضحاً، وهذا وحده كافٍ لكشف طبيعته. أما مشروع «بيت العائلة الإبراهيمية» نفسه، فلا يحمل أي دعوة إلى دمج الأديان أو إنشاء دين جديد. فكرته مختلفة تماماً: إبراز إمكانية التعايش والاحترام المتبادل بين أتباع الديانات السماوية الثلاث. ويضم المشروع مسجداً وكنيسة وكنيساً،…
الإثنين ٠٦ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: لم يكن افتتاح أولى رحلات قطار الاتحاد مجرد مناسبة احتفالية أو إضافة جديدة إلى شبكة النقل في دولة الإمارات، بل كان رسالة استراتيجية بامتياز. ففي المشهد الذي شهدته محطة الفجيرة، حيث ارتفعت الأعلام الإماراتية وارتدى الركاب أوشحة الوطن احتفاءً بانطلاق الرحلة، كان ثمة معنى أعمق من الاحتفال نفسه؛ معنى يتعلق بدولة اعتادت أن تستثمر في المستقبل قبل أن تفرضه عليها الأزمات. وأنا شخصياً من المتحمسين لخوض هذه التجربة قريباً. أن أجلس على متن القطار بين أبوظبي والفجيرة، وأقطع هذه المسافة خلال ساعة وخمس وأربعين دقيقة، ليس فقط للاستمتاع بالرحلة، بل للتأمل في قصة وطن تحولت فيه الرؤية بعيدة المدى إلى واقع ملموس. فكل كيلومتر من هذا الخط يختصر سنوات من التخطيط والعمل والإصرار على بناء خيارات استراتيجية لا ترتبط بردود الفعل، وإنما بصناعة المستقبل. يمتد خط القطار قرابة تسعمئة كيلومتر من الغويفات حتى الفجيرة، لكنه ليس مجرد مشروع للنقل أو بنية تحتية حديثة. فاختيار الفجيرة تحديداً يحمل دلالة استراتيجية بالغة؛ فهي المنفذ البحري المطل على بحر العرب خارج مضيق هرمز، وقد أثبتت التطورات الأخيرة أهمية هذا الموقع عندما أصبحت الموانئ الشرقية شرياناً حيوياً لاستمرار حركة التجارة والطاقة. قبل سنوات، استثمرت الإمارات في إنشاء خط أنابيب ينقل النفط إلى الفجيرة متجاوزاً…
الأحد ٠٥ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: ليس ضرورياً أن تتفق مع محمد العبار في كل ما يقوله، أو أن تعجبك جميع أفكاره، أو حتى أن تتابع لقاءاته الإعلامية. فالاختلاف مع الشخصيات العامة أمر طبيعي، بل وصحي. لكن يصعب تجاهل حقيقة لافتة: أن الرجل يمتلك واحدة من أكثر مهارات التواصل تأثيراً في عالم الأعمال العربي، فهو لا يدير شركاته فحسب، بل يدير الرسائل التي يريد أن تصل إلى الناس. ومع مرور الوقت، يصبح أقرب إلى اليقين أن معظم تصريحات العبار ليست ارتجالاً، ولا مجرد إجابات تلقائية على أسئلة إعلامية، بل جزء من استراتيجية واعية. فهو يدرك أن الكلمة، حين تصدر من قائد يقود شركات بمليارات الدولارات، تتحول إلى حدث، وأن التصريح الجيد قد يحقق أثراً يفوق أحياناً حملة إعلانية كاملة. ولا يعني ذلك أن جميع تصريحاته صائبة، أو أن كل ما يقوله يصلح لكل مؤسسة، لكن من الصعب إنكار قدرته على توجيه النقاش العام. حين قال قبل أشهر إنه لا يحب الاجتماعات الطويلة، وإنه قد ألغاها من بيئة العمل في الشركات العملاقة التي يديرها، وإن كثيراً منها مضيعة للوقت، انقسم الناس بين مؤيد ومعارض، لكن اللافت أن الجميع ناقش الفكرة. تحولت الجملة إلى مادة للحديث في الشركات، وعلى منصات التواصل، وبين المختصين في الإدارة، حتى لم يعد…
الجمعة ٠٣ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: هناك -خليجيًا- ما يشبه الإجماع على أهمية تعزيز العلاقات الخليجية وتوحيد الموقف في مواجهة التهديدات الإيرانية المتصاعدة. وهذه ليست مسألة ترف سياسي أو خيارًا دبلوماسيًا، إنما ضرورة استراتيجية تفرضها تحديات المرحلة وحسابات الأمن الإقليمي. وقبل الحديث عن مصالحة حقيقية، ينبغي أن تسبقها مصارحة صادقة؛ فالمصالحات التي تتجاوز الأسئلة الجوهرية قد تنجح في احتواء الخلاف مؤقتًا، لكنها لا تعالج جذوره، ولا تضع أسس شراكة أكثر متانة واستدامة في المستقبل. وقد أثبتت الأشهر الماضية أن المنطقة تواجه أخطر تهديد أمني منذ عقود، بل تهديدًا وجوديًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ولم يكن التهديد الإيراني يومًا مفاجئًا؛ إذ شكّل في الأساس أحد أهم الدوافع لإنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ليكون إطارًا للدفاع المشترك، وخطوة مهمة لتنسيق المواقف، وحماية الأمن الجماعي، لكن المفارقة أن المجلس بدا أقل حضورًا في اللحظة التي واجه فيها الخليج أكبر اختبار للأسباب التي أُنشئ من أجلها، وفي مواجهة التهديد ذاته الذي كان دافعًا رئيسًا لإنشائه. من هنا تبرز عدة أسئلة لا يمكن تجازوها: لماذا غابت وحدة الموقف الخليجي عندما تعرضت دول خليجية لاعتداءات مباشرة؟ لماذا اختلفت المواقف تجاه الرد على العدوان؟ وكيف جرى في بعض الخطابات الخليجية التقليل من خطورة ما حدث، وتصويره على أنه مجرد «خلاف…
الخميس ٠٢ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: معالي لانا نسيبة تمثل نموذجاً مشرّفاً للمرأة الإماراتية التي بنت مسيرتها بالعلم، والقراءة، والعمل الدؤوب، والاجتهاد المتواصل. فعلى امتداد سنوات من العمل الدبلوماسي والفكري، مثّلت دولة الإمارات في أهم المحافل الدولية بكفاءة واقتدار، وقدمت صورة مشرقة عن وطنها، واستحقت ما حظيت به من احترام وتقدير. وما حققته ليس مدعاة لفخر الإماراتيين فحسب، بل لكل عربي يؤمن بأن النجاح ينبغي أن يُقاس بالكفاءة والإنجاز والتأثير. لكن المؤسف أن كل نجاح إماراتي بارز يستدعي، في المقابل، أصواتاً لا ترى في الإنجاز سوى فرصة لإطلاق خطابات مشبعة بالعنصرية والكراهية. فبدلاً من مناقشة التجربة أو تقييم الأداء، ينحدر الخطاب إلى التشكيك في الأشخاص، والطعن في أصولهم، أو محاولة التقليل من قيمة نجاحهم من خلال إسقاطات قبلية أو مناطقية أو فئوية. هذه اللغة العنصرية لا تقول شيئاً عن الإمارات، لكنها تقول الكثير عن البيئة الفكرية التي خرجت منها. إنها بيئة ما زالت أسيرة تصنيفات ضيقة، وتعيش هاجس تقسيم الناس إلى درجات وفئات، وكأن قيمة الإنسان تُقاس بالنسب أو القبيلة أو المنطقة، لا بما يقدمه من علم وعمل وإسهام في خدمة وطنه ومجتمعه. ولعل المفارقة أن بعض من يرفعون شعارات العدالة والمساواة هم أنفسهم أكثر الناس ممارسة للتمييز حين يتعلق الأمر بالنجاح. فإذا برز…
السبت ٢٧ يونيو ٢٠٢٦
في عالم البحار، تعيش سمكة صغيرة تُعرف باسم «الريمورا» أو «اللزّاق»، اشتهرت بقدرتها على الالتصاق بأسماك القرش والحيتان والسلاحف البحرية، حيث تحصل من خلال هذه الحيلة الطبيعية الذكية على وسيلة نقل مجانية وحماية من المفترسات، مع الاستفادة من بقايا الطعام التي تتركها هذه الكائنات. وفي المقابل، تؤدي دوراً نافعاً حين تتغذى على بعض الطفيليات العالقة بجلد القرش، مع تنظيف ما يعلق بين أسنانه من هذه البقايا. ولعل هذه العلاقة البيولوجية اللافتة تذكّرنا بنموذج يمكن مشاهدته في بعض الأوساط الثقافية والإعلامية العربية، فكما عرفت الطبيعة سمكة «الريمورا»، عرفت هذه الأوساط أيضاً ما يمكن تسميته مجازاً بـ«مثقف الريمورا». وهذا المثقف ليس بالضرورة جاهلاً أو قليل الاطلاع، بل إن بعضهم قارئ جيد ويتمتع بقدرة على التحليل والجدل، لكن المشكلة لا تكمن في مستوى معرفته، وإنما في طبيعة حضوره ودوره. فهو نادراً ما يبادر إلى إنتاج مشروع فكري أو ثقافي متكامل، ونادراً ما يقدّم محتوى أصيلاً يضيف إلى المجال الذي ينشط فيه، لكنه يظل حاضراً باستمرار عبر التعلق بما ينتجه الآخرون. وفي الوقت الذي يقضي فيه الكاتب أو الباحث أو الإعلامي الجاد ساعات طويلة في القراءة والبحث والتحضير والإنتاج، يأتي «مثقف الريمورا» ليجعل من هذا الجهد مادته الأساسية، ولا يشغله كثيراً جوهر الفكرة أو قيمة العمل،…
الأحد ٠٧ يونيو ٢٠٢٦
في الإمارات، لا يأتي الولاء الصادق للقيادة الحكيمة من باب المجاملة، ولا يُبنى على شعارات عابرة أو مواقف ظرفية، بل ينطلق من إيمان راسخ بالوطن وقادته ورموزه وتاريخه ومسيرته التنموية الفريدة. إنه ولاء من القلب، قوامه الثقة والصدق والمحبة والوفاء بالعهد. ولذلك ظل الولاء في الإمارات قيمة أصيلة ومتجذرة في وجدان المجتمع، انتقلت عبر الأجيال جيلاً بعد جيل، حتى أصبحت جزءاً من الهوية الوطنية التي تجمع المواطنين والمقيمين على حد سواء. فمن يعيش على هذه الأرض المباركة، ويختبر ما توفره من أمن واستقرار وعدالة وفرص للحياة الكريمة، يدرك سريعاً أن العلاقة بين القيادة والشعب في الإمارات ليست علاقة تقليدية تقوم على الواجبات الرسمية فقط، بل هي علاقة ثقة متبادلة ومحبة حقيقية وشراكة في صناعة المستقبل. ولهذا لم يكن مستغرباً أن تمتد مشاعر الولاء والانتماء لتشمل ملايين المقيمين الذين وجدوا في الإمارات وطناً ثانياً ومكاناً يحققون فيه أحلامهم وطموحاتهم. ومن هذا المعنى العميق جاءت المبادرة الوطنية المجتمعية «عهد ووعد» التي أطلقها صندوق الوطن للتعبير عن الوفاء والانتماء والمحبة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وتقديراً لمسيرة الأمن والأمان والازدهار التي تشهدها دولة الإمارات. وقد عكس التفاعل الواسع مع المبادرة حقيقة ما يكنّه المجتمع الإماراتي، بكل مكوناته، من تقدير واحترام ومحبة لقيادته الرشيدة. هذا التفاعل الكبير…